يمر العالم بمجموعة من التحولات والمستجدات التي أصبحت تغطي مختلف الميادين وتتداخل فيما بينها بحيث أصبح العالم بفضل هذه المستجدات مجتمعا واحدا بفضل تسارع التحولات التقنية وانتقال المعلومات بواسطة وسائل الاتصال السريعة والتي أصبح لها التأثير الواضح والكبير على شعوب العالم.
ولقد كان لهذه التحولات والمستجدات تحديات واجهت العديد من الدول النامية ومنها الدول العربية التي واجهت التحديات العديدة في الجانب السلبي إضافة إلى ما انعكس عليها من الإيجابيات في مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وهذا تطلب من هذه الدول العمل على مواجهة هذه التحديات بحيث تعمل على تقليل المخاطر نتيجة الجوانب السلبية إلى الحد الأدنى وتعظيم المنافع نتيجة الجوانب الإيجابية من جهة أخرى.
ولذلك كان لزاما على هذه الدول فهم هذه التحولات على المستوى العالمي والتي تعمل على إعادة رسم الاقتصاد العالمي وتعيد حساباتها من جديد حتى يمكن لها السير في الطريق الصحيح نحو التنمية المستقبلية الدائمة. وعلى ذلك فإن الدول العربية مطالبة بأن تمارس دورا أساسيا ومهما في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال انتهاجها مجموعة من البرامج التي تعمل على تعزيز القدرة التنافسية العربية في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية من خلال تعزيز وتفعيل دور القطاع الخاص وتشجيع المشاركة الشعبية في مجالات التنمية إضافة إلى العمل على تنمية أسواق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من خلال خطة شاملة لتطوير تكنولوجيا المعلومات على أن تحظى هذه الخطة بدعم وفهم القيادات العليا.
وهناك في الحقيقة عامل مهم يلعب الدور الأساسي إلى جانب العوامل الأخرى في مواجهة متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية وعلى الأخص في دول مجلس التعاون العربية ألا وهو تنمية الموارد البشرية حيث أن العجز في الموارد البشرية يعتبر من أهم التحديات وهي تتزايد مع زيادة معدلات النمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتقني.
إن جميع هذه الدول ما زالت تعتمد وبدرجات متفاوتة على العمالة الوافدة في مختلف القطاعات وفي مختلف المهن وعلى مختلف المستويات لذلك يجب أن تعتبر تنمية الموارد البشرية من بين أهم الأولويات التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام في إطار التخطيط لتنمية الموارد في هذه الدول. ويجب أن تأخذ هذه التوجهات الأولوية بالنسبة لسياسات الدول العربية الأخرى باعتبارها تشكل جزءا رئيسيا من عملية التنمية والتقدم والاندماج في الاقتصاد العالمي.
إن الموارد البشرية للدولة تشكل أهم وأكثر العناصر تعقيدا في عملية التنمية حيث أن هذه الأهمية تنبع من منطلق أن العنصر البشري في التنمية هو أحد العناصر الرئيسية التي يمكن من خلالها أن يكون هناك النجاح أو الفشل في تحقيق أهداف التنمية بل وتنفيذها أصلا حيث يمكن القول بأن كفاءة تخطيط وتنظيم وتطوير وتدريب وتقييم أداء الموارد البشرية المشتركة في تنفيذ برامج التنمية هو الأساس لما يمكن أن يكون الأهداف المطلوبة في الاعتماد على العناصر الوطنية في التنمية.
ويجب أن يكون معلوما بأن جوهر التنمية والهدف الأساسي هو تحقيق التنمية الفعلية من خلال استراتيجية واضحة وإرادة قوية وإدارة كفؤة إلى جانب استثمار الطاقات والموارد وبضمنها الموارد البشرية وفقا للأولويات وفي إطار استراتيجية تنموية شاملة لتحقيق أهداف التنمية الفعلية.
وفي الحقيقة فإن تأهيل موارد بشرية وبضمنها إيجاد نخبة إدارية متميزة تقود عملية التنمية لا يعتبر في الحقيقة من الأمور المعقدة على الأخص إذا توفرت الإرادة الواعية وتم إيجاد الأفراد الذين يرشحون لتولي إدارة المؤسسات الاقتصادية وتأهيل عدد كاف قادر على تنظيم أمورها وبحيث تحتاج هذه النخب إلى إحاطة عميقة بالأبعاد العالمية ومستجدات النظام العالمي الجديد.
فبالإضافة إلى الخلفية العلمية والتي يجب أن تتعدى الواقع إلى محاولتها التنبؤ بالمستجدات والتحديات ومدى تأثيرها على مسار التنمية وإمكانية الاستفادة من الفرص المتاحة دون تأثير ذلك على استراتيجية التنمية حيث أن معرفة نظم المعلومات المعاصرة واستخدامها تعتبر من الأمور المهمة وتعتبر من الأسس الضرورية للإدارة الحديثة في اتخاذ القرار.
إن القيادات التي تشرف على التنمية يجب أن تتمتع بالرصيد المتجدد من المعرفة والمهارة والخبرة التي تكون متصلة بالجوانب الاقتصادية على أرض الواقع محليا وعالميا وهذا يعنى وجوب تفاعل هذه الجوانب مع محصلة إنتاجية متطورة من حيث الجودة والنوعية مع مثيلاتها في الدول المتقدمة حيث أن توافر المعلومات يمكن أن يساعد في كثير من الأحيان في اتخاذ القرار على أسس موضوعية وبسرعة لأنه في ظل هذا التطور السريع والتقدم في المعلومات والاتصالات فإن الكثير من رؤوس الأموال تعمل بسرعة ومن ثم يتم عقد الصفقات العديدة والتي تكون فيها القيادات الإدارية مواكبة وعلى علم بهذه المستجدات وقادرة على التعامل معها بكفاءة بحيث تعمل على اغتنام الفرص وتعظيم الفوائد.
ومن هنا فإن تأهيل القيادات الإدارية في المجالات الاقتصادية يجب أن يكون بعيدا عن الطرق والأساليب التقليدية ويجب الاعتماد على أسلوب ومنهج مختلف في المحتوى والأسلوب يكون متماشيا مع التطورات الحديثة ومتابعة مستجدات النظام الاقتصادي الجديد ومحاولة استثمارها أقصى استثمار في سبيل تعظيم الفوائد.
وفي الحقيقة فإن تأهيل طليعة تقود وتنفذ عملية التنمية يتطلب مساندة ودعم القيادات العليا في الدولة حيث أن هذه القيادات لها تأثير كبير على السياسات الكلية وبالتالي فإن وضع البرامج والسياسات اللازمة لتأهيل الكوادر القيادية في إدارة التنمية يحتاج إلى دعم القيادة السياسية وإلى مساندة واعية وفعالة من منظمات المجتمع المدنية ومشاركة جماهيرية في دراسة استراتيجيات التنمية واتخاذ القرار بشأنها
وبالتالي المساهمة الجماعية في تنفيذها وفقا لأسس ديمقراطية صحيحة مع التأكيد على أن التنمية الفعلية أساسا تكون في تحقيق عدد من الأهداف تمتد من بناء القاعدة الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة على عطاء مستمر ومشاركة واعية ومسؤولة من قبل المجتمع إضافة إلى التطور العلمي واتقني والثقافي والإداري الذي يحقق قفزات نوعية متواصلة ومستمرة،
فإن تلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان تظل هي من المحاور الرئيسية من ضمن الأهداف العامة ولذلك فإن تكوين مثل هذه الكوادر المتقدمة يجعل الدول النامية أكثر قدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي وبالتالي خدمة أهداف التنمية الوطنية.
وأمام تنامي ظاهرة العولمة الاقتصادية تحاول غالبية الدول مواكبة الظواهر المرتبطة بها والتكيف معها من خلال سياسات الإصلاح الهيكلي المختلفة حيث وكما هو معروف فإن النظام العالمي الجديد يعتمد بدرجة كبيرة على قيادات إدارية تتولى قيادة أنشطة الشركات الدولية متعددة الجنسيات وهي التي تمتلك رصيداً من المعرفة والمعلومات
ومن خلال شبكات الاتصالات الواسعة ونظم المعلومات المتطورة، تمكنت من الاستفادة من الفرص الرابحة في الدول النامية ومدى التفاؤل بنجاح هذه الفرص ودقتها ونوعية المشاريع الاستثمارية المختارة إضافة إلى الدعم الذي تقدمه الدول الصناعية المتقدمة لهذه الشركات. وبناء على هذا الدور في النظام الجديد فإن منطق الدولة وسيادتها في الدول النامية من الناحية الفعلية وفي مفهومه التقليدي بدأ بالانكماش بعكس ما هو قائم في الدول الصناعية المتقدمة.
وفي الحقيقة فإن العنصر البشري يعتبر الأساس في عملية التنمية ويجب أن تتوفر فيه صفات الكفاءة وأن تتسم ممارساته الإدارية وسلوكه الإداري بصفات الوعي والمسؤولية ومواكبة المستجدات مع محاولة الاستفادة من كل مظاهر التقدم على الصعيد الإداري العالمي وإلا فسوف يكون التغيير الجذري في إدارة التنمية محدودا.
ومن المعلوم فإن زيادة قدرات إدارة التنمية يجب أن لا تتوقف عند إعداد البرامج التدريبية أو دفع عدد كبير من هذه القيادات إلى هذه البرامج أو العمل على زيادة عدد الأجهزة والمؤسسات وإنما المطلوب هو تفعيل وزيادة قدرة إدارة التنمية متمثلة في تغيير الإنسان بالنسبة إلى نمط تفكيره وسلوكه أيا كان موقعه في النشاط الاقتصادي في المجتمع وإن ذلك يتطلب في الحقيقة إصلاحاً واسعاً في المجتمع بدءا بالأسرة والمدرسة والمجتمع ككل وهي حلقات متصلة ومتواصلة.
وكما هو معلوم فإن العديد من الدول العربية عملت وتعمل على السير وراء الاتجاهات السائدة في النظام الاقتصادي الدولي والمتمثلة باعتماد نظام اقتصاد السوق والخصخصة وحرية التجارة والدعوة إلى مبادئها دون العمل على دراستها بعمق واسع والترويج لها في الاقتصادات العربية وهو ما أدى إلى تسهيل مهمة الدول المتقدمة
والشركات متعددة الجنسيات في فرض هذه المنهجية على الدول العربية دون القيام بمحاولة خلق كوادر عربية مثقفة في المنهج والمنطلقات المتمثلة بامتلاك ناصية المعرفة والخبرة المتميزة في مجال الإدارة وفقا للأساليب المنهجية والتكنولوجيا المتطورة.
إن الدعوة إلى تأهيل قيادات إدارية متميزة في إطار النظام الاقتصادي العالمي يجب أن يكون لها الأولوية في اهتمامات الفكر الاقتصادي العربي ويجب أن يتعدى الأمر حدود تثقيف هذه الكوادر بالمفاهيم الحديثة المتعلقة بالاقتصاد الحر والخصخصة واتفاقية التجارة العالمية بل يجب أن تكون باتجاه البوابة التي يجب أن تدخل إليها الاقتصادات العربية لتحقيق التنمية الفعلية الشاملة والاندماج في النظام الاقتصادي الجديد.
إن أهمية مثل هذه القيادات سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص تكمن في كونها تبقى المحور المركزي في قوى الإنتاج وتحسين القدرة الإنتاجية في مؤسساتها وبالتالي عموم الاقتصاد بحيث تتمتع هذه الإدارات بميزة الإبداع والابتكار الهادفة إلى إيجاد ملامح اقتصادية جديدة إضافة إلى دعم البحث العلمي بحيث تعطي الاهتمام الأكبر لمفاهيم الكفاءة الإنتاجية وظروف السوق وأن تظهر ميلا أكبر نحو تفهم الوعي الاجتماعي ومتطلباته.
ـ محلل اقتصادي - أبو ظبي
E.mail : wisamjamil@yahoo.com