يعيش القطاع المصرفي في تايوان أسوأ أيامه، فبعد الضربة القاصمة التي قوّضت جهود وزارة المالية، الهادفة إلى بيع تايوان بزنس بانك، أحد بنوك الإقراض المتردية، التي تمتلك حصة فيها، شهدت أسهم القطاع المالي تدهوراً حاداً، مما حدا برجال المصارف الأجانب إلى التساؤل، عما إذا كان الاندماج سيتحقق يوماً، ودفع بالعاملين في البنوك لإعداد أنفسهم لخوض المعركة المقبلة حول الأجور.
ومنذ أن حض الرئيس التايواني، تشين شوي بيان، حكومته في أكتوبر 2004، على إخضاع قطاع الجزيرة المصرفي الذي يعاني من اكتظاظ وتردٍ في الأداء، للوصول به إلى بر التضامن الآمن، وبرنامج خصخصة طموح، والأسواق حبلى بالتكهنات التي تتحدث عن اندماجات بمليارات الدولارات.
غير أن الرياح جرت على غير ما اشتهت سفن الرئيس التايواني، فمنذ عام وحتى الآن، لم تتحقق أية صفقة على قدر من الأهمية باستثناء اثنتين هما اندماج سينو بانك فاينانشيال هولدينغز مع انترناشونال بانك أوف تايبه.
وبيع حصة في تشنجوا بانك أوف تايشين، أكثر مجموعات الجزيرة المصرفية ربحاً، مما حدا بخبراء الصناعة إلى التنبؤ بأن تايوان، ستحاكي الأنموذج الياباني في تطبيق إصلاحات مصرفية متأنية، ذات منافع قليلة.
وعلى أية حال، فإن التقدم البطيء في الاندماج الموجه من قبل الحكومة، تلاشت آثاره، بفعل التقلبات التي اعترت الصناعة، على مدى السنوات الخمس الماضية.
وكانت المؤسسات المالية التايوانية الرائدة مدفوعة بالحاجة إلى تعزيز مرابحها، وتنويع استثماراتها، والانطلاق إلى العالمية، عمدت إلى اصطياد التنفيذيين المصرفيين، من المؤسسات العالمية، ومن بعضها البعض، الأمر الذي حوّل الخدمات المالية، إلى واحدة من أكثر «القطاعات سخونة»، من حيث المصادر البشرية، حسبما قالت كاثي لوز من ميدسر تايوان.
ومنذ إطلاق تايوان للمرحلة الأولى من عملية إصلاح القطاع المالي، وبداية التطهير الشامل لبنوكها في عام 2001، والتنفيذيون الكبار الثلاثون، في الصناعة المحلية، يتقلبون في حلقة مفرغة بين مجموعات عالمية، مثل HSBC وستاندارد تشارترد، والمؤسسات المحلية الرائدة.
وبعد لأي، وعقود من إدارة القطاع المصرفي كآلة إقراضية تتحكم بها الدولة، كان لها الفضل الأكبر في بناء معجزة الاقتصاد التايواني، شرعت الحكومة أبواب الصناعة أمام القطاع الخاص مطلع تسعينات القرن الماضي، كانت حصيلة خروج عدد من البنوك الجديدة إلى الوجود، في غضون سنوات قلائل.
وعلى خلاف كوريا الجنوبية، وكثير من أسواق جنوب شرق آسيا، فإن تايوان خرجت من الأزمة المالية الآسيوية، صلبة العود نسبياً نظراً لأن قطاعاتها التجارية، وبنوكها، لم تذهب بعيداً في الاقتراض من الخارج، أكثر من منافسيها الإقليميين، في الوقت الذي كان فيه سوق الصرف الأجنبي، خاضعاً لسيطرة محكمة.
إلا أنه عندما أوقع انفجار فقاعة التكنولوجيا، الجزيرة في براثن أول ركود اقتصادي منذ عقود، عام 2001، ارتفعت نسب القروض ذات الأداء الضعيف، وعانى القطاع المصرفي من أزمة خانقة.
وسرعان ما أطلقت الحكومة حملة تطهير واسعة النطاق، كان لها أبلغ الأثر في خفض نسب القروض ضعيفة الأداء من 12 في المئة، إلى أدنى مستوى لها، عندها أدركت البنوك أن مستقبلها يكمن في العمل المصرفي الاستهلاكي.
وفي هذا الإطار، قال «شارل وانغ» من «واتسون وايت» في تايبه، إن سيتي بانك لعب بورقة العمل المصرفي الاستهلاكي في أفضل صورة في تايوان، وبناء عليه، بدأ في «تصدير قدراته» إلى المؤسسات المحلية.
وقد تعزز هذا الاتجاه في حقيقة أن مؤسسي مجموعات الجزيرة التجارية الكبرى خلال الفترة التي أعقبت الحرب، والذين أسس كثير منهم بنوكهم الخاصة، في تسعينات القرن الماضي، هم قاب قوسين أو أدنى من سن التقاعد، وعليه فإنهم يبحثون عن كفاءات إدارية محترفة.
ولا أدل على ذلك من حالة تشاينا ترست فاينانشيال، احدى أكثر الشركات التايوانية القابضة الأربع عشرة ربحاً وكان فريق كامل من كبار تنفيذيي سيتي بانك، قلبوا له ظهر المجن، وانضموا إلى صفوف «تشاينا ترست».
وفي حين آثر «إيريك تشن» البقاء رئيساً للمجموعة، فإن الشريحة العظمى من زملائه السابقين انتقلت إلى فيوبون، وهي مجموعة مالية محلية أخرى كبيرة، وغيرها من البنوك المحلية الأخرى.
كما أفلح «بول لو» مؤسس سينوباك»، وهي مجموعة مالية محلية أصغر، ولكنها أفضل إدارة في جمع طاقمها الخاص، الذين غلب عليهم موظفو سيتي بانك السابقون، كما أصبح ستيف شياه، الذي غادر سيتي إلى تشاين فاينانشيال، أول مصرفي يحظى بتدريبات متعددة الجنسية، عندما اختارته وزارة المالية كرئيس لمجلس إدارة فيرست فاينانشيال، أحد أكبر المؤسسات المملوكة للدولة في عام 2003.
وفي هذا السياق، يقول وانغ إن هجرة التنفيذيين المصرفيين المدربين تدريباً جيداً، عبر القطاع المحلي، تظهر مدى التغير الذي اعترى صناعة تايوان المالية.
وفي مسعاها لاستقطاب المواهب التنفيذية العليا، من المنافسين العالميين، فإن البنوك التايوانية تدفع علاوة مجزية، لأن التنفيذيين باختيارهم لمؤسسة محلية، فإنهم يخسرون على الأرجح، فرصة الحصول على الوظائف الإقليمية أو حتى العالمية.
إضافة إلى ذلك، فإن الموظفين التنفيذيين الكبار الذين يتنقلون في وظائفهم من شركة عالمية إلى أخرى محلية، يطالبون أيضاً بعلاوات كبيرة تغطي التغيّر الثقافي الذي سيمرون فيه.
وفي هذا السياق، قال وانغ: في الوقت الذي سيكون فيه إخلاص الموظف التنفيذي في مؤسسة عالمية ما نابعاً من ولائه لمهنته فقط، فإن ولاءه في المؤسسة المحلية نابع من وفائه لولي نعمته صاحب المؤسسة والمساهمين فيها.
وباضطرار مستخدميهم الجدد لدفع كل هذه النفقات، فإن التنفيذيين المصرفيين الحائزين على المهارات العالمية أحدثوا تغييرات واسعة في هيكل التعويضات، إذ من الممكن أن تفوق مرتباتهم تعويضات موظفي المعاشات الأساسية بأكثر من عشرة أضعاف.
في الوقت ذاته فإن مثل تلك العلاوات تثير توقعات كبيرة تلعب فيها المعايير المرتبطة بالأداء دوراً كبيراً في حزم معاشات المسؤولين التنفيذيين هؤلاء.
ترجمة: وائل الخطيب
