علينا أن نسأل آباءنا عن العام 1954، حين تمّ اختراع «راديو ترانزيستور» الذي أحدث النقلة الثورية الأولى في عالم مشغلات الموسيقى في القرن العشرين. انتشر ذلك الجهاز الصغير في كل مكان، كانتشار النار في الهشيم، وبدا وكأنّ العالم الذي أحبطته حربين عالميتين لم يعد يريد الا أن يغنّي ويرقص.

بعد عشرين عاما على اختراع «راديو ترانزيستور»، هناك من قرر، ومن اليابان هذه المرة، أن يحدث الثورة الموسيقية الثانية ويرقّص ناس المعمورة على أنغام الاختراع الذي تم إدراجه فيما بعد ضمن لائحة أهم الاختراعات البشرية الاستهلاكية مثل السيارة والبراد والغسالة.

هو الجهاز الذي باع 340 مليون وحدة في فترة قصيرة ودخلت ماركته إلى القواميس بوصفها كلمة معتمدة يتداولها الناس في العالم كلّه: إنه «ووكمان»، الجهاز الذي اخترعته شركة «سوني» اليابانية وحقق لها «فتحا عظيما»، وجعل الناس يشغلون الاسطوانات الموسيقية ويستمعون إليها وهم يتمشون بعد 25 سنة أخرى، تغيّر الايقاع، لكنّ العالم ظلّ يريد أن يرقص.

مع نهاية العام 2003، قررت شركة «آبل» الأميركية المتخصصة بتصنيع أجهزة الكمبيوتر أن تحدث الثورة الثالثة، مستفيدة من انجازات «العصر الرقمي»، فكان أن اخترعت جهازا، بسيط التصميم، يتسّع لتشغيل أكثر من عشرة آلاف أغنية وبوسع حامله أن يخفيه في جيبه كما الهاتف.

تقول تقارير «فوربس» أن مبيعات «آبل» من هذا الجهاز خلال عام 2005 ستصل إلى 10 ملايين وحدة، خلال عامين فقط منذ إطلاقه. العالم يرقص مجددا، وعلى حمّى «آي بود» التي اجتاحت السوق المحلّي، حيث نمو قطاع مشغلات الموسيقى يصل إلى 70%، وحيث الشركات الآسيوية تنظر إلى «آي بود» بعين «الغيرة» محاولة اقتطاع حصصا «عادلة» من السوق.

«سامسونغ» الكورية، «سوني» اليابانية، «أستون» السنغافورية، «أل جي» الكورية و«سانيو» و«باناسونيك» اليابانيتان.. إضافة إلى المئات من العلامات التجارية الصينية، ترمي بكلّ ثقلها للوقوف في وجه العاصفة التي أثارتها «آبل» باختراعها «آي بود».

هل هو «باب النعيم»، فتحته الشركة الأميركية امام الشركات الأخرى بتحريضها على اقتحام سوق جديد تفوق معدلات نموه صناعات الكترونية استهلاكية أخرى مثل التلفاز وكاميرات الفيديو، وتمكنيها من الحصول على حصة معيّنة برهانها على السعر أولا وتنوّع «الفيتشيرز» بالدرجة الثانية..

أم هو «باب الجحيم» حيث المستهلك لا يزال يقبل على «آي بود» بوصفه «الأصل» والباقي كلّه «تقليد»؟ الأسئلة كثيرة لكنّ الأكيد أن تلك الشركات لن تترك «آبل» تحتكر هذه الصناعة الحيوية لفترة طويلة من الزمن، رغم أن الأخيرة بصدد طرح تطويرات جديدة ومختلفة لجهازها الذي حقق لها النصر الكبير ورفع صافي مردودها بمعدلات قياسية وصلت إلى 530%.

وفيما يشهد اليوم سوق مشغلات الموسيقى ثورته العالمية الثالثة، يشبّه البعض المنافسة الحاصلة بين «الفريق الأميركي» و«الفريق الآسيوي» وبين الفرق الآسيوية فيما بينها، «بالحرب العالمية الموسيقية الثالثة».

حيث الجميع يستثمر ملايين الدولارات لجذب المستهلك، إما عن طريق السعة التخزينية للجهاز وعدد الأغاني التي بوسعه أن يحملها، وإما عن طريق التصميم والشكل، إضافة إلى السعر والإمكانات الأكثر تعقيدا وابتكارا التي بوسع جهاز يشغّل الموسيقى أن يقدّمها.

*باب النعيم الذي فتح.. «لآبل»

في مارس الماضي، أشارت صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية المتخصصة أنّ شركة «آبل» قد تمّ إدراجها في المركز العاشر في قائمة أفضل عشر شركات على مستوى العالم، وذلك حسب تقييمها المرتكز على أساس مدى الثقة بالعلامة التجارية الخاصة بهذه الشركات وعائداتها.

وتفوقّت «ابل» على ستين شركة أخرى، فيما كانت تحتل المركز السادس والخمسين منذ العام 1997، كما احتلت الشركة المركز الثاني من حيث القدرة على الابتكار.

ولا يرجع ذلك كلّه إلا إلى منتجها «أي بود» للموسيقى، الذي جعلها عالية القدرة من حيث الابتكار، واحتلت المركز العاشر من حيث السمعة والجودة، وقفزت إلى المركز الـ 15 مقابل 39، من حيث الرؤية الإدارية.

وأحدث الجهاز انتعاشا في سوق مشغلات الموسيقى «أم بي ثري»، لم تتردد «آبل» عن استمرار الاستفادة منه عبر إسراعها طرح طاقم من المنتجات التي تتواءم مع استخدام «آي بود». وقد أصبح أمام الشركة اليوم قطاع جديد بالكامل وهو قطاع الموسيقى الرقمية (أم بي ثري).

حيث بلغت مبيعات موقع (أي تونيز) الذي أطلقته ويتيح لمستخدمي أي بود من تحميل الأغاني بشكل قانوني من الإنترنت، إلى 230 مليون أغنية منذ إطلاق الموقع، وتتوقع «آبل» أن تقوم ببيع 2. 1 مليار أغنية في العام الواحد والذي سيتيح لها التربع على عرش مواقع تحميل الأغاني وبنسبة 70% من إجمالي الحصة السوقية العالمية.

* عودة «التنين الياباني»

ولم يرق لشركة «سوني» اليابانية، صاحبة التاريخ الطويل في سوق الموسيقى عبر اختراعها «ووكمان»، أن يهجم ملايين المستهلكين على جهاز الشركة الأميركية، فيما تراقب هي المشهد بعيون متحسّرة وأيادي مكتوفة، فقامت بطرح مشغل موسيقي محمول (ووكمان) سوني 2003 قادر على تخزين عدد هائل من الأغاني يفوق بكثير ما يخزنه جهاز «آي بود».

وعرفت «سوني» أن «السعة التخزينية» هي السلاح الذي ستحارب به الأميركيين، فجعلت السعة الرقمية لجهازها 20 غيغابايت، أي يتسّع لتخزين 13 ألف أغنية. وتواجد هذا الجهاز أولاً في اليابان ثم الولايات المتحدة ثم أوروبا (سبتمبر الماضي)، ولم يدخل بعد إلى أسواق الشرق الأوسط، ومن المتوقّع أن يتوافر في متاجر الالكترونيات .

وهو «محارب سوشي الشرس» الذي سيدخل الأسواق خلال ثلاثة أشهر قادمة. وأطلق على الجهاز اسم ووكمان الشبكة «ان دبليو ـ اتش دي 1» وسعّرته «سوني» في الأسواق اليابانية بما عادل 487 دولاراً وفي الولايات المتحدة بسعر يقل عن 400 دولار، موجهة بذلك ضربة قوية لجهاز «آي بود» الذي تبلغ سعته 40 غيغابايت لكنه يستطيع تخزين 10 آلاف أغنية فقط ويباع بـ 500 دولار.

وتطمح سوني بأن يساهم جهازها بتوسيع آفاق استخدام متجرها الموسيقي الرقمي «سوني كينكت» الذي ينافس متجر «آي تيوثر» الذي تديره شركة ابل. وتقول سوني أنّ جهازها الجديد الذي يبلغ وزنه 115 غراماً هو أصغر وأخف مشغل موسيقي بسعة 20 غيغابايت بالعالم.

وعلى غرار ما فعل «آي بود» لشركة «آبل»، تسعى «سوني» إلى نقلة نوعية من خلال جهازها الجديد تعزز أرباحها التي تواجه، وحدتها الأساسية لإنتاج الإلكترونيات، خطر تكبد خسائر، كما حصل في العامين الماضيين، بسبب المنافسة السعرية الضارية والافتقار لمنتجات تشد انتباه السوق.

* «سامسونغ»: 150 ألف مشغّل موسيقي بالمنطقة!

بنهاية العام 2005، تكون شركة «سامسونغ» الالكترونية الكورية قد باعت 150 ألف جهاز من مشغلات الموسيقى في منطقة الشرق الأوسط، مقابل 5 ملايين قطعة في العالم كلّه.

وكانت الشركة قد باعت 5,1 مليون قطعة في العام 2003، ما يثبت النمو الكبير الحاصل في هذه الصناعة. ويقول ماكراند فدكة، مدير المبيعات والتسويق في قسم الالكترونيات بفرع الشركة بدبي، إن معدلات النمو الحاصلة في أسواق الشرق الأوسط، بما يختص بمبيعات هذه الأجهزة، مشجعة للغاية، فالناس يشترونها أكثر مما يشترون التلفاز أو كاميرات الفيديو:

«ينمو سوق كاميرات الفيديو بنسبة 4 إلى 5%، بينما التلفزيونات بنسبة 10 إلى 12%، بينما تنمو مبيعات مشغلات «أم بي ثري» بنسب تتجاوز 70%. الرسالة باتت واضحة لجميع شركات الالكترونيات، إما أن تدخل إلى هذا القطاع أو تخرج من المنافسة».

ويذكّر فدكة أن «سامسونغ» الكورية كانت أول من اخترع تقنية «أم بي ثري» في العالم:» لكنّ الانتشار لم يتحقق الا بعد انتشار الانترنت واقبال المستهلكين على تنزيل الأغاني من الشبكة». ويعترف أن «آبل» قد تكون فعلا قد فتحت البوابة، لكنّ «التحدّي الأكبر يتمثّل بالقدرة على تقديم الجهاز الذي يتمتع بإمكانات تخزينية هائلة».

وتبلغ الحدود القصوى للسعة التخزينية في مشغلات «سامسونغ» الموسيقية المتواجدة في الأسواق المحليّة 1 غيغابيت في حالة الجهاز الذي يتخذ حجم «فلاش ميموري» و40 غيغابيت في حالة الجهاز الذي يماثل «هارد ديسك» صغير:» ننافس أيضا في الاستفادة من خبراتنا في صناعة التلفزيونات.

حيث نقلنا جودة ونوعية شاشات الكريستال إلى أجهزة «أم بي فور» التي تشغّل الصوت والصورة أي الملتيميديا، كم أنّ آي بود لا تملك مشغلات الملتيميديا التي نصنّعها وتبلغ قدر التشغيل خاصتها 25 ساعة متواصلة ومن دون توقّف».

ويعلّق فدكة على التجربة الصينية في هذا المجال، ودخول علامات تجارية صينية رخيصة إلى هذا القطاع، من المحتمل أن يؤدي إلى «حرق أسعار» وإجبار الشركات الكبيرة على بيع أجهزتها بأسعار تنافسية:» لا أعتقد ذلك، لأن المستقبل، برأيي، هو لمشغلات الموسيقى ذات العلامات التجارية المعروفة، فتلك ضمانة لتقديم منتج متميّز، سعة كبيرة، ابتكار وتصميم ملائمين، وإمكانات متنوّعة للجهاز».

وتستثمر سامسونغ 4 مليارات دولار سنويا في بحوث وتنفيذ التصميمات، وتقول إن «الديزاين هو المساحة الرئيسية التي سوف نتحرك فيها». ويرى فدكة أن الناس أعجبت بتصميم «آي بود» البسيط، لكنّ هذا الأمر لن يستمرّ إلى وقت طويل، حيث أن «المستهلك سرعان ما يبحث عن الجهاز الذي يقدّم مزايا مفذلكة أكثر».

وتنوي سامسونغ في الفترة المقبلة طرح تصميمات جديدة من مشغلات «أم بي ثري» (صوت) و«ام بي فور» (صورة وصوت)، وتنتظر أن تصبح البنية التحتية التقنية في المنطقة جاهزة لكي تتلاءم مع بعض منتجاتها التي لا تبيعها إلى في السوق الكوري.

وخاصة أجهزة التلفزيونات المحمولة الصغيرة « تي في دي أم بي» و«تي في دي أي بي» التي تتلقى إشارات مباشرة من محطات التلفزة تجعلها قادرة على التقاط البث وتسجيله أيضا.

* «سانيو»: الوصول المتأخر

يعتبر كاس فسوديفان، مدير عام قسم المبيعات في «سانيو» الخليج والمنطقة الحرة أن الشركة اليابانية قد «تأخرت في اقتحام مجال مشغلات الموسيقى، حتى اقتنعت بحيوية هذا القطاع منذ سنة ونصف فقط». ويرى أن التأخير قد يكون مضرا «لكنّ السوق لا يزال يتسّع للكثير من الشركات.

وخاصة سوق المنطقة الذي تنمو فيه صناعة الترفيه بمعدلات عالية جدا». ويعتقد أن المستهلك المحلّي هو مستهلك يسافر كثيرا ويعرف ما يطرح من منتجات في الأسواق الخارجية، ويؤكد أن التحدّي الرئيسي الذي يواجهه قطاع مشغلات الموسيقى هو السعة التخزينية:» ليس السعر ولا الحجم وإنما شكل الجهاز وقدرة ضغط الفلاش ميموري حتى يؤمن سعة تخزينية بحجم الهارديسك».

وتترافق خطة «سانيو» في دخول هذا القطاع، والتي نشطت فيها خلال الشهور الثلاثة الأخيرة بشكل خاص، مع خطّتها في إعادة تعريف علامتها التجارية التي تتواجد في أسواق المنطقة منذ نصف قرن. وتقتصر حصّة «سانيو» حاليا على 3 طرازات فقط من المشغلات متواجدة في السوق المحلّي.

*«أستون» علامة واعدة

في غمرة الانشغال بتفقّد «بيزنس» العلامات التجارية المعروفة في سوق الكترونيات المستهلك، تظهر علامات آسيوية كثيرة مختلفة، بعضها يتواجد في السوق منذ زمن، وبعضها الآخر حديث، لكنّها، في غالب الأحيان، متواجدة ولها ثقلها ومستهلكي منتجاتها.

من بين هذه الماركات «أستون» الاسترالية المملوكة لشركة «آشيفا» السنغافورية والتي تصنّع منتجها في الصين، لكنّها تقول إنها لا تسعّر مشغلاتها كما المنتج الصيني «لأننا نستثمر كثيرا في الديزاين (التصميم)»، على ما يشرح مدير التسويق والمبيعات في الشركة المسؤول عن نطاق الشرق الأوسط آلان شو.

ويبلغ عمر «أستون» سنة واحدة فقط، ولكنّها متواجدة اليوم في الأسواق العالمية مثل استراليا وأوروبا وجنوب آسيا، كذلك في السوق السعودي، و«نبحث اليوم عن موزّع في أسواق إيران ومصر والأردن».

بلغ حجم أول طلبية ورّدتها الشركة الاسترالية إلى السوق الاماراتي 1000 مشغّل موسيقى، و1000 مشغّل ملتيميديا (سعر الجهاز 169 دولاراً اميركياً)، كذلك منتجات أخرى مثل موصلات الصوت «هيدفون» مزدوجة الطرف (ستاندر وباس)، إضافة إلى منتج مبتكر هو عبارة عن تلفزيون محول بحجم الكف يبث بتقنية «أم بي فور».

وتقول «أستون» أيضا أنها تعتبر التصميم أداتها التنافسية الرئيسية، بالاضافة إلى السعر حيث تبيع مشغلاتها بأسعار تتراوح بين 50 دولارا (28,1 ميغابيت) و139 دولارا (1 غيغابيت)، وهي أسعار أقل من أسعار «آي بود» وأكثر من المنتجات الصينية.

تحقيق وتصوير: إبراهيم توتونجي