برهنت الأسواق الصينية على أنها الأكثر ابتلاعاً للسلع بسبب ضخامة حجم الاستهلاك، حيث تحتضن الصين العدد الأكبر من سكان العالم.
ولم يكن نفوذ الاقتصاد الصيني محسوساً في العالم في أي مجال أكثر من أسواق السلع، فشهية البلاد المفتوحة للمواد الخام الأساسية والمعادن والوقود قد دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة، وحققت أرباحاً قياسية للشركات التي تستخرج هذه السلع وتصنعها.
ويتحدث بعض المراقبين عن الطفرة الكبيرة في أسعار السلع، في ظل ابتلاع الصين لكل ما تصل إليه منها بأسرع ما يمكن.
غير أن المفهوم البسيط للصين التي لا تشبع أبداً من المواد الخام أصبح أكثر بساطة الآن، فقد تراجع استهلاك الكثير من المواد الخام بشكل كبير في الصين مع محاولة السلطات الحد من التهاب النمو الاقتصادي المحموم من إنتاج السيارات إلى استهلاك بعض السلع.
ويقول دونغ تاو الخبير الاقتصادي في بنك كريدي سويس فيرست بوسطن فيما نقلته مجلة الايكونوميست إن طلب الصين على البترول لم يرتفع في عام 2005 مقارنة بالعام الماضي إلا بنسبة 2% فقط، وظل الطلب على الأسمنت ثابتاً بلا ارتفاع، وانخفض بنسبة 5% على الألمنيوم.
وكان الخبراء قد توقعوا نمواً بنسبة 10 ـ 12% في طلب الصين على الأسمنت وبنسبة 6. 7% على البترول والألمنيوم خلال العام الجاري مقارنة بالعام الماضي، ويعتقد دونغ أن الاقتصاد الصيني يفقد قوة الدفع الشديدة بسرعة أكبر مما يعتقد السوق حالياً، حتى مع أن معدل نمو إجمالي الناتج المحلي الصيني يفوق 9% سنوياً.
وقد أدى تراجع الطلب إلى انخفاض الأسعار، وحول الصين أيضاً إلى دولة مصدرة لبعض المواد، التي كانت حتى وقت قريب تستقطبها من السوق العالمية، مثل الصلب.
* الصلب
فقد استهلكت الصين حتى الآن من العام الجاري ثلث الإنتاج العالمي من الصلب «730 مليون طن» ويرتفع طلبها عليه بنسبة 20% سنوياً. لكن معدل نمو إنتاج الصين من الصلب أسرع من نمو طلبها عليه حيث يبلغ معدل نمو الإنتاج الصيني من الصلب 30% سنوياً.
والنتيجة أنه يحتمل أن تصدر الصين مقدار ما استوردته في العام الجاري من الصلب ويتبقى لديها فائض 9 ملايين طن في عام 2006 و13 مليون طن عام 2007. وكانت الصين قد استوردت 15 مليون طن من الصلب العام الماضي.
وقد ساعد هذا التحول في خفض أسعار الصلب العالمية وانخفضت أسعار الصلب داخل الصين بمقدار الثلث منذ ذروتها في بداية العام الجاري.
* الألمنيوم
كما تزداد صادرات الصين من الألمنيوم، وزادت صادراتها من الأسمنت بمقدار ثلاثة أضعاف حتى الآن خلال العام الجاري. ورغم أن هذه القاعدة لتصدير الأسمنت ليست كبيرة، فإنها تشكل قلقاً لشركة تايوان للأسمنت، حيث ينخفض سعر الأسمنت الصيني عن التايواني بمقدار 50 دولاراً للطن.
* البترول
ويتراجع طلب الصين على البترول أيضاً مع زيادة اعتمادها على الطاقة الكهربائية التي توسع في شبكتها لأن الصين تولد 70% من طاقتها الكهربائية بالفحم. وينخفض استخدام مولدات الطاقة بالديزل التي تشكل 40% من الطلب الصيني على الوقود، وذلك لانخفاض فترات انقطاع التيار الكهربائي. ولابد أن يكون لذلك تأثير على أسعار البترول العالمية.
* جدل حار
هناك جدل كبير حول مدى استمرار انخفاض الطلب الصيني على السلع، حيث أوضح كلنتون داينز رئيس تنفيذي عمليات شركة بيلتون في الصين، إحدى أكبر مجموعات التعدين في العالم أنه لابد أن نحذر من انخفاض الطلب الصيني على السلع.
فالطلب الصيني على بعض السلع لا يزال قوياً ـ وإحدى هذه السلع الفحم، الذي تحرص شركة بيلتون على عدم الاستثمار المباشر فيه في الصين بشراء منجم محلي هناك.
* النحاس
وتستمر أسعار النحاس في الصعود، والصين تستهلك خمس إنتاج العالم من هذه السلعة، غالباً لإقامة خطوط كهرباء جديدة، وقد ارتفعت واردات الصين من النحاس بنسبة 12% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري. كما لا يزال الطلب الصيني مرتفعاً على اليورانيوم لتشغيل محطات الطاقة النووية.
* سلع أخرى
في أسواق المواد الخام الأخرى يعكس الانخفاض في الاستهلاك الصيني تصحيح المخزون. فاستهلاك الألمنيوم مثلاً انخفض لأسباب منها خفض مصانع السيارات لإنتاجها، لكن بالنسبة لسلع أخرى قد يكون هناك موجة جديدة من الارتفاع في الطلب عليها من قطاع البناء يحرك الطلب الأول على الصلب والألمنيوم والأسمنت والسلع ذات العلاقة.
ويبدو أن هذا الطلب يتسارع مرة أخرى بعد نمو 10 ـ 15% خلال الربع الثاني من العام إلى نحو 30% في يوليو الماضي، وفق تقديرات بنك يو. بي. إس.
وهذا بدوره يرفع حجم الواردات الإجمالية التي تزداد بنسبة 15% سنوياً، لكنها قاربت الصفر في بداية العام الجاري. ولا يبدو أن الحكومة قلقة بشأن الموجة الحالية من البناء مقارنة بالموجة السابقة، لأن نسبة الاقتراض حالياً أقل.وستبدأ مشروعات إنشائية قريباً استعداداً لدورة الألعاب الأولمبية لعام 2008.
ورغم ذلك يقول جوناثان أندرسون الخبير الاقتصادي لشؤون آسيا في بنك يو. بي. إس إنه يشك في أن تزايد النشاط الإنشائي قد يرفع معدل النمو في حجم الواردات إلى 30 ـ 40% مرة أخرى ويجعل الصين المحرك الرئيسي للتجارة ونمو إجمالي الناتج المحلي الآسيوي والعالمي.
ويعتقد جوناثان أن نمو الواردات سوف يكون محدوداً بتراجع الاستثمار في الأصول الثابتة من الصناعات الثقيلة وبفعل الفائض الكبير في الطاقة الإنتاجية الذي تراكم في السنوات الثلاث الماضية.
هذا الفائض هو السبب الرئيسي لتوقع مزيد من تراجع طلب الصين على عدد من السلع وبالتالي تأثير ذلك على الأسعار العالمية لها. وسوف يؤدي الاستثمار الصيني الكبير في مرافق إنتاج المعادن الأساسية والمواد لإتاحة الفرصة أمام البلاد لتوفير احتياجاتها منها فضلاً عن التصدير للأسواق العالمية أيضاً.
والصلب أكبر مثال على ذلك، فقد تصل طاقة المصانع الصينية لإنتاج الصلب إلى 390 مليون طن بحلول نهاية العام الجاري بارتفاع 23% مقارنة بالعام الماضي، وقد تصل إلى 500 مليون طن في عام 2007.
وهناك 20% من الطاقة الإنتاجية للألمنيوم في الصين غير مستغلة بسبب نقص المواد الخام. ومجرد وصول هذه المواد يعني أن يفوق العرض الطلب خلال العامين المقبلين. وحتى لو ارتفع الطلب بمعدل يزيد على 15% فقد تصل صادرات الصين إلى مليون طن من الألمنيوم العام المقبل أي ضعف ما كانت عليه عام 2004.
وسوف يسبب ذلك صداعاً سياسياً للصين وقلقاً لدى شركائها التجاريين. فقد وازن طلب الصين على المواد الخام حتى الآن صادراتها من السلع المصنعة، فإذا بدأت الآن أيضاً تصدير السلع الأساسية والخامات إلى جانب السلع المصنعة سيزيد ذلك من الخلافات التجارية. فقد يصبح الصلب مثل المنسوجات مثلاً في صادرات الصين.
وهناك إشارات على ذلك بالفعل، فقد اعترفت لجنة التجارة الدولية الأميركية في الشهر الجاري بأن واردات أنابيب الصلب من الصين تسبب خللاً في السوق الأميركية التي كان منتجو الصلب فيها يطالبون بالحماية.
وقد حذرت شركة بوسكو أكبر شركات كوريا الجنوبية لإنتاج الصلب، الصين مؤخراً من أنها تشكل مصدر تهديد لها بسبب انخفاض أسعار إنتاجها من الصلب. وليس من المعروف إذا كانت الحكومة الصينية سوف تحقق التكامل في هذا القطاع، لكن المؤكد أن الصين والعالم سوف يجد أن وضع نهاية لطفرة أسعار السلع الأساسية أمر صعب جداً.
ترجمة: أشرف رفيق
