توقع خبراء خليجيون أن تحافظ أسعار النفط على ارتفاعها في المديين القصير والمتوسط في ضوء زيادة الطلب العالمي ومحدودية الطاقة الإنتاجية الاحتياطية.
واتفق الخبراء، الذين تحدثوا إلى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على شبكة الإنترنت، على أن الدول المنتجة للنفط بذلت ما بوسعها للسيطرة على ارتفاع الأسعار التي واصلت ارتفاعها بفعل عوامل عدة؛ منها زيادة الطلب والمضاربة ومحدودية طاقات التكرير.
ورأى الخبير النفطي العراقي د. علي حسين أن «منتجي النفط غير مسؤولين عن ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة، لأن هذا الارتفاع سببه الرئيس زيادة الطلب العالمي على النفط، وقد حاولت الدول المنتجة زيادة الإنتاج لتلبية الزيادة في الطلب».
وأكدت خلود المطيري المحللة بمؤسسة البترول الكويتية أن المسؤولية في ارتفاع الأسعار «تقع على الطلب، فالمنتجون وفق التقديرات الدولية والأرقام الصادرة عن هيئة الطاقة الدولية يعملون ما بوسعهم لزيادة الإنتاج، لكن لا يتوافر سوى فائض قليل جداً لدى المملكة العربية السعودية».
وقال نواف عبيد المدير الإداري لمشروع تقييم الأمن القومي السعودي إن «أهم مسؤولية للمنتجين تكمن في العمل على خفض الأسعار، وهذا هو الأساس الذي تعمل وفقه السياسة النفطية السعودية».
لكن هؤلاء الخبراء اختلفوا فيما يتعلق بتأثير الارتفاع المطرد في أسعار النفط على النمو الاقتصادي العالمي؛ فقد رأى عبيد إمكانية أن يضر ذلك الارتفاع بالنمو الاقتصادي العالمي «إذا استمر الحال على ما هو عليه على المدى البعيد».
وأوضحت المطيري أن أسعار النفط الراهنة «قد تنشط البحوث العاملة في مجال تحسين استهلاك الطاقة باستخدام التكنولوجيا المتطورة، وتزيد من عمليات البحث عن بدائل للطاقة، ما يضر بالدول المنتجة».
ولم يستبعد يعقوب يوسف مراد المحلل الاقتصادي بوزارة النفط الكويتية تضرر النمو الاقتصادي العالمي بهذا الارتفاع، لكن الدكتور علي حسين عارض ذلك بقوله: «أسعار النفط الراهنة لم تضر الاقتصاد العالمي ضرراً كبيراً بشهادة صندوق النقد الدولي والأمم المتحدة وباعتراف الدول الكبيرة المستهلكة للنفط، فقد كان التأثير السلبي على الاقتصاد العالمي محدوداً جداً».
أما شهاب قرقاش المحلل الاقتصادي والمدير التنفيذي لشركة ضمان للأوراق المالية فاعتبر أن الأسعار العالية «هي الضريبة التي يدفعها العالم بسبب نمو اقتصادي مطرد في مناطق عدة خاصة الصين، وتلك الأسعار واقع يجب أن يتعايش معه العالم سواء أضرت بالنمو الاقتصادي أو لم تضر».
وظهر اختلاف آخر بين هؤلاء الخبراء الخليجيين حول ما إذا كانت دول الخليج العربية المصدرة للنفط استفادت من الزيادات التي طرأت على الأسعار بشكل فعال.
فقد أكد عبيد أن تلك الدول أفادت من تلك الزيادات إفادة جيدة، ضارباً المثل على ذلك بـ «خطة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بإنفاق 32 مليار دولار لتحسين الاقتصاد السعودي وزيادة رواتب موظفي الإدارات الحكومية».
لكن مراد اختلف مع هذا الطرح، وضرب مثلاً بالكويت، معتبراً أن «قرار الحكومة بزيادة رواتب الموظفين ليس العمل الأمثل في هذا الصدد، والأفضل كان توجيه الأموال للإنفاق على البنية التحتية».
وقالت المطيري إن «هيمنة دول الخليج على كل المشاريع المشروعات يزيد من صعوبة إنفاق عوائد تلك الزيادات بشكل فعّال»، ودعت إلى «توجيه الفوائض المالية الناجمة عن هذا الارتفاع إلى مشروعات توسيع القاعدة الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل».
واعتبر قرقاش أن تلك الدول استغلت الفوائض المالية الناتجة عن الزيادات في أسعار البترول بشكل جيد من خلال تخفيض مديونياتها، وتحسين موازين مدفوعاتها، لكنه انتقد غياب استراتيجيات متكاملة تسعى إلى إيجاد ملاذات مناسبة للسيولة النقدية الكبيرة التي طرأت على السوق.
ولفت الدكتور علي حسين إلى ضرورة الإعلان عن المجالات التي تم توجيه الفوائض الناجمة عن زيادة الأسعار إليها حتى يمكن الحكم على جدوى هذا الإنفاق من عدمه.
ورغم اتفاق معظم هؤلاء الخبراء على حساسية السوق النفطية العالمية الشديدة لأي تطورات أو عوامل اقتصادية أو طبيعية أو سياسية، فإنهم أظهروا خلافاً حول تقدير مدى تأثير مشكلة الملف النووي الإيراني في سوق النفط العالمية في حال تفاقمت تلك المشكلة ولم تجد حلاً توافقياً هادئاً.
فقد رأى قرقاش أن «ثمة عوامل أكثر تأثيراً في الأسعار من مشكلة الملف النووي الإيراني... تلك العوامل لها تأثير أكبر وأكثر مباشرة». لكن المطيري ومراد اتفقا على أن المشكلات في ذلك الملف قد تفاقم مشكلة الأسعار «التي لا تحتاج إلى توترات جديدة».
وقال الدكتور علي حسين إن «ذلك يتوقف على ما سيحدث للنفط الإيراني، وما إذا كانت الدول الأخرى المنتجة للنفط قادرة على سد نقص الإمدادات النفطية الواردة من إيران من عدمه».
واعتبر عبيد أن عدم التوصل إلى حل ديبلوماسي توافقي لمسألة الملف النووي الإيراني يمكن أن يؤدي إلى تفاقم مشكلة الأسعار الراهنة «خصوصاً إذا وصل الوضع إلى وجود حرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية».
وأعرب الخبراء، الذين شاركوا في فعاليات مؤتمر الطاقة السنوي الحادي عشر الذي أقامه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في الفترة 25-27 سبتمبر 2005، تحت عنوان «النفط والغاز في الخليج العربي: نحو ضمان الأمن الاقتصادي»، عن تقديرهم لدور وأداء دولة الإمارات العربية المتحدة، من خلال منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، لتحقيق الاستقرار في أسواق النفط العالمية.
وأشاد عبيد بدور الإمارات في سوق النفط العالمي، ووصفه بأنه «دور متزن»، مشيراً إلى أن الإمارات تعد ثاني أكبر قوة نفطية عربية، وأن دورها من خلال العمل في «أوبك» يعد دوراً تاريخياً.
ولفتت المطيري إلى التنسيق الدائم بين الإمارات ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية للعمل على إشاعة الاستقرار في أسواق النفط العالمية.
وقال الدكتور علي حسين إن «دولة الإمارات تنتهج سياسة نفطية عقلانية تبغي من ورائها دائماً استقرار أسواق وأسعار النفط، عن طريق توفير أقصى ما يمكن توفيره من إمدادات نفطية لسد الطلب العالمي المتزايد على النفط».
كما أكد قرقاش أن «الإمارات تنتهج سياسة ثابتة تعتمد على إيجاد توازن في أسعار النفط، مع تفادي اضطرابها، سواء كانت الأسعار عالية أو متدنية».