لم تعد الحرب اللبنانية موضوع الأفلام السينمائية اللبنانية الوحيد، منذ فيلم المخرجة اللبنانية دانييل عربيد الذي خرج مؤخرا الى الصالات في لبنان، وهو بعنوان «معارك حب». ليس لأنه لا يتحدث عن الحرب ، بل لأنه يرويها بشكل مختلف عن الذي عرفناه في أفلام أخرى، لمخرجين آخرين. عرفنا، في لبنان، أفلاماً كثيرة تمحورت حول الحرب اللبنانية. أفلاماً كانت الحرب موضوعها الوحيد، وشخصيتها الأساسية.

ربما كان أبرزها فيلم المخرج اللبناني الراحل مارون بغدادي «خارج الحياة»، الذي يحكي قصة صحافي فرنسي خطف خلال تأديته لعمله في لبنان خلال الحرب الأهلية.فيلم مارون بغدادي ، كما أفلام لبنانية كثيرة غيره، يحكي عن الحرب عبر التركيز على المعارك، والقتل، والخطف، والتعذيب، كأن النزاعات المسلحة هي كل ما يحصل في الحروب.

الحرب في فيلم عربيد ليست الشخصية الأساسية. لم تختر المخرجة اللبنانية أن تصور الحرب لتتكلم عنها علما أن فيلمها يتحدث عن الحرب أكثر مما تفعله أفلام أخرى، صورت الحرب بتفاصيلها، وبمعاركها، وبسلاحها. يروي فيلم عربيد قصة صديقتين، مراهقتين، جارتين في المبنى نفسه. إحداهما شابة سورية تعمل خادمة عند امرأة عجوز، والثانية هي لينا، الشخصية الأساسية في الفيلم، التي تبلغ 12 عاما، والتي تعيش مع والديها.

يتحدث الفيلم عن لينا، والصداقة التي تربط بينها وبين سهام الخادمة، التي تكبرها عمرا، والتي تراهق أكثر منها رغم فارق العمر. تضيع ملامح الصداقة التي تربطهما بين صداقة الأطفال، وصداقة الكبار. لينا تحاول أن تنتبه إلى سهام المتهورة في حياتها وفي غرامياتها، فتلعب معها دور الكبيرة، في حين هي الصغيرة، وتتعلم منها حياة الكبار، ولكن تبقى طفلة.

لا نرى الحرب في فيلم عربيد، بل نشعر بها. نعرف أنها هنا، أنها ديكور الفيلم، وأنها مكان القصة وزمنها. ما تصوره عربيد في فيلمها هو حياة الناس، في موت الحروب. الحرب أصبحت مكانا، مسرحا تحدث فيه أشياء الحياة، وتفاصيلها. الحرب التي لا نراها، بل نشعر بها. في حين ما نراه في الفيلم هو قصص من حياة لينا الفتاة الصغيرة، التي تعيش في عالم للكبار، وتراه تارة بعيون الطفولة، وتارة بعيون تفاجئنا بوعيها ونضجها.

تساعد لينا صديقتها سهام لترى حبيبها، تذهب معها في رحلات غرامية تبقى خلالها شاهدة لما يحصل بين الحبيبين من تقبيل وملامسات. وهي تعيش في غياب الحب في منزل أهلها، حيث والدها القاسي ذو المشكلات المادية والأخلاقية، الذي يضرب أمها، والذي يبدو كأنه مشكلة لينا أيضاً، أكثر مما هي الحرب مشكلتها.

يروي الفيلم قصة الحياة التي تصبح اقوى وأكثف في أيام الحروب. تقول عربيد في إحدى مقابلاتها مع مجلة فرنسية إنها لا تخاف من الحرب اللبنانية التي عاشتها. تتحدث عن الحب، والموسيقى، حين تتكلم عن سنين المراهقة التي عاشتها في لبنان، وفي ظل ظروف صعبة.

تقول إن ديون والدها كانت تجبرهم على التنقل باستمرار، وان هذه المشاكل العائلية الشخصية كانت بالنسبة إليها المشكلة الفعلية، مصيبة الحياة الحقيقية، وليس القذائف ولا الخوف من الموت. تقول إنها كانت تخال ان الحرب تبدأ في بيتهم، في عائلتهم، لتنتقل بعدها إلى البلد والشوارع والأحياء.

الحرب ليست موتا فقط. هي حياة لمن لا يموت فيها. والأفلام اللبنانية الكثيرة التي تروي الحرب عبر الموت والأسلحة والمعارك، تغفل عن معنى الحرب الحقيقي غالبا، وتغفل عن واقع الناس، والشعب، الذي كان يعيش، خلال الحرب، حياة في البيوت، حياة ذات مشاكل شخصية وعائلية اكبر من الحرب نفسها، وحياة ذات قصص غير قصص الموت، وذات قصص حب، وأمل، وفرح.

«نقدر ان نحب، في الحرب» تقول عربيد، كأنها تقول ان الحرب ليست كل ما يحدث في الحروب.فيلم «معارك الحب» يتحدث عن الناس العاديين، وعن واقع من يعيش في حرب دون ان يشترك فيها. المشاكل الحياتية التي تعيشها شخصيات الفيلم تبدو اكبر، واهم، بالنسبة لها وبالنسبة للمشاهد، من مشكلة الحرب والمعارك.

الحب يبدو، في الفيلم، أهم من المعارك. وهي معارك أشخاص، ومعارك حب التي يرويها الفيلم، وليست معارك حقيقية.يروي الفيلم بإيقاع بطيء قصة الواقع، قصة الناس العاديين الذين يعيشون في الحرب اللبنانية ولكن على هامشها، كأنهم، كل يوم، يتغلبون على الحرب بتجاهلها، وكأنهم ينسونها أكثر، وحين تلهيهم عنها قصص صغيرة، معارك شخصية، من الحب، والكره، والحزن، والأمل.

فيلم من نوع مختلف عن الأفلام اللبنانية التي اعتدنا أن نشاهدها. يبدو وثائقيا في بعض مشاهده لشدة قربه من الواقعية، ويبدو حقيقياً، وأيضاً يذكرنا بأيام الحرب أكثر مما تذكرنا بها مشاهد الحروب في الأفلام الأخرى. لا نقدر إلا نتكلم عن الحرب، حين نتكلم عن فيلم عربيد، مع أن لا حرب فيه، بل ان كل شيء غير الحرب نفسها، التي ليست أزيز الرصاص وحده.

الفيلم حصل على جوائز كثيرة في أوروبا، ونال إعجاب الجمهور الأوروبي والصحافة الأوروبية قبل أن يصل إلى لبنان، وهو من إنتاج فرنسي لبناني بلجيكي، وتمثيل ماريان فغالي، عوني قواس، كارمن لبس، راوية الشاب... مدته 90 دقيقة، بالألوان.

بيروت ـ فراس زبيب