تواصل الاستثمارات الأجنبية تدفقها إلى الصين، غير أن الاستحواذات من جانب الصينيين كانت من الندرة بحيث لم تجد طبلاً ولا زمراً. ولم تكن الصفقات التي خرجت إلى العلن سوى صفقات صغيرة، خاصة أنها لا تندرج تحت المقياس العالمي للاندماج والاستحواذ.
غير أن ذلك كله تغيّر بقدرة قادر، وبسرعة البرق خلال العام الماضي، وكانت أولى الصفقات الكبرى التي استأثرت بالاهتمام العالمي صفقة شراء لينوفو كبرى شركات الكمبيوتر الشخصي الصينية لفرع الحاسوب الشخصي، بمبلغ وقدره 75. 1 مليار دولار. واعتبرت الصفقة التي أعلن عنها في شهر ديسمبر من عام 2004 أول عملية استحواذ لاسم تجاري بارز في الولايات المتحدة من قبل شركة صينية.
ويقول غاريث هانسفورد العضو المنتدب في لينوفو، المملكة المتحدة، بأن لينوفو ارتأت أن التوسع العالمي عن طريق الاستحواذ أسرع بكثير وأقل تعقيداً من النمو العضوي، كما أنه أقل مخاطرة بوجود اسم عريق مثل IBM.وسرعان ما صعد الاندماج والاستحواذ الصيني إلى درجة أكثر رقياً خلال شهر يونيو عندما تقدمت شركة النفط البحرية الوطنية الصينية التي تمتلكها الدولة بعطاء بقيمة 5. 18 مليار دولار، لشراء شركة النفط الكاليفورنية «يونوكال».
وكان العرض النقدي غير المسوغ والذي فاق عرضاً متفقاً عليه، تقدمت به شيفرون واحداً من أكبر العروض النقدية الثلاثة. وبالرغم من فشل عرض شركة cnooc الصينية في نهاية المطاف، بفعل المعارضة السياسية الأميركية فإنه آذن وللمرة الأولى، بفجر دخول شركة صينية حرب مزايدة عالمية على شركة أميركية عملاقة.
وفي غضون أيام قلائل من عرض cnooc، أطلقت «هاير» كبرى شركات تصنيع الأواني المنزلية، عطاء مشتركاً بقيمة 3. 1 مليار دولار مع شركتي استثمار خاص هما بلاكستون وبين كابيتال لشراء واحدة من أكثر الأسماء التجارية الأميركية شهرة، وهي صانعة المكنسة الكهربائية «ميتاغ». وقد فاق عرض هاير، عرضاً متفقاً عليه من قبل شركة الاستثمار الخاص «يبلوود» غير أنها انسحبت بعد عرض ثالث من وايرلبول.
لقد أرست هاير وcnooc، ولنيوفو، الصين بثبات على خريطة الاستحواذ والاندماج العالمية، ومهدت السبيل لمزيد من النشاطات العابرة للحدود. وسرعان ما انبثقت عروض أخرى، أكثرها تحديداً موافقة مؤسسة البترول الوطنية الصينية، في شهر أغسطس على شراء «بترو كازاخستان» الكندية بمبلغ 2. 4 مليارات دولار، وهو الاستحواذ الصيني الأكبر من نوعه.
وفي هذا الإطار، يقول تود مارين رئيس الاندماج والاستحواذ الآسيوي في جي بي مورغان: لقد بات العالم الآن مدركاً لأهمية الصينيين كمستحوذين عالميين، فلقد وطدوا قواعدهم كمتنافسين على درجة من الثقة في مزايدات كبيرة لم يشهد العالم لها مثيلاً من قبل.
لقد أحيا الفيض الهائل من العروض الخاصة لشراء شركات أميركية، رئيسية المخاوف عينها من وقوع الذخائر الوطنية في قبضة قوى أجنبية، وهو الخطر الذي تعرضت له اليابان في ثمانينات القرن الماضي. وكانت المعارضة السياسية الأميركية الشرسة التي وقفت سداً منيعاً أمام عرض cnooc لشراء يونوكال، باعتباره خطراً محتملاً يهدد أمن الطاقة، أثارت تكهنات باحتمال توجيه الصين لمصادرها الاستحواذية وجهة جديدة.
وفي هذا الإطار يقول مارك رينتون رئيس الأعمال المصرفية الاستثمارية في آسيا ومنطقة الباسفيكي في سيتي غروب: «إن الصينيين يمكن أن يحولوا أنظارهم بعد يونوكال إلى أصول مصادر طبيعية غير أميركية في المدى المتطور». غير أنه استطرد قائلاً: «لا شيء أبدياً» وأعرب عن ظنه بأن الشركات الصينية ستواصل النظر إلى تلك الأصول من منظور عالمي.
إن من الأسباب التي حدت بالشركات الصينية، إلى ركوب موجة الاستحواذ الخارجي، هي الوفرة الزائدة في رأس المال. ففائض الحساب الجاري الصيني، يصل إلى 700 مليار دولار، والدولة ترغب في تحويل جزء كبير من مخزونها النقدي من استثمارات الخزانة الأميركية. أضف إلى أن تحديد الشيكات الضخمة لا يمثل بالتالي مشكلة حيث أن بعض الشركات التابعة للدولة، تمتلك القوة المالية الهائلة لشراء شركات عملاقة أكبر من يونوكال بعشرات المرات.
في غضون ذلك، تمتلك الشركات الصينية مدخلا إلى مصادر تمويلية غزيرة ورخيصة من بنوك محلية، على العكس من فورة الشراء اليابانية إبان ثمانينات القرن الماضي، التي استندت أساساً على الحاجة لتوزيع الرساميل الفائضة، فإن الزخم الصيني للاستحواذ ينبع من أهداف استراتيجية تحركه أولاً حاجة البلاد لمصادر الطاقة الطبيعية والمواد الخام.
إن نمو الصين السريع، غير الطبيعي، يعني أن مصادر الطاقة الطبيعية، والمدنية وغير العضوية، غير كافية لسد حاجات اقتصادها الجياش. فقد ارتفع الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 95% خلال الربع الثاني عن الفترة ذاتها من العام الماضي، كما تعتبر الصين الآن، اكبر مستخدم في العالم للنحاس والفحم والفولاذ. وثاني أكبر مستهلك للطاقة بعد الولايات المتحدة.
وقد أصبح الاستحواذ على المصادر الطبيعية أولوية استراتيجية وطنية وتحظى بتشجيع واسع النطاق من الحكومة الصينية، كما أن فورة الاندماج والاستحواذ تحركها شركات التصنيع والتكنولوجيا وشركات التجزئة الاستهلاكية. فقد حولت الصين نفسها إلى ربما أكبر ساحة صناعية في العالم آخذة زمام القيادة في تصنيع السلع رخيصة الكلفة المنتجة على نطاق واسع.
هذا ناهيك عن أن عولمة الصناعات العالمية، تتطلب من الشركات الصينية الكبرى، البحث خارج مناظيرها الإقليمية، لحماية وتوسيع مواقعها الاستراتيجية ولتحقيق ذلك فإنها بحاجة لأسماء تجارية عالمية، وقدرات توزيعية. ولم يكن هذا المطلب وحده وراء عرض هاير لشراء ماتياج ولكن أيضاً شراء شنغهاي أوتوموتيف في أكتوبر 2004 لحصته 9. 48 في المئة من سانجيانغ موتورزا الكورية الجنوبية بمبلغ 500 مليون دولار.
واندماج صانعة التلفزيونيات الصينية Tcl مع تجارة التلفزيونات وأقراص الفيديو الرقمية التابعة لشركة تومسون المساهمة المحدودة. وكانت ملاحقة الشركات الصينية لهدفي النمو العضوي، والاندماج المحلي، جعلتها قاب قوسين أو أدنى من تحقيق أهدافها التوسعية. وحسبما قال «مارين» من جي بي مورغان «فان كثيرا من الشركات الصينية تتطلع إلى ان تكون من الجبابرة العالميين».
وفي حين أن الاندماجات والاستحواذات الصينية، قد لا ترتقي في المستقبل القريب إلى المستويات الأميركية، أو الأوروبية، بسبب وجود أعداد محدودة من الشركات ذات الحجم الكافي في كل صناعة، لمتابعة الاستحواذات العالمية فإن تأثير البلاد بات محسوسا بصورة متزايدة، وكما يرى جون ليفين رئيس الاندماج والاستحواذ في غولدمان ساشر، آسيا،
فإنه من الممكن أن تتفوق الصين على استراليا لتصبح أكبر سوق للاندماج والاستحواذ في آسيا، في غضون خمس سنوات: «مشيراً إلى أن البائع في نظرته للمشترين المحتملين، لابد انه سيفكر بالعارضين الصينيين. وعطفا على ذلك، قال رنتون من سيتي غروب «سيكون هناك تسارع كبير في عملية الاندماج والاستحواذ الصينية، خلال السنوات القليلة المقبلة. وأول الغيث قطرة».
ترجمة: وائل الخطيب
