يشغل نبيل اليوسف منصب رئيس مجلس إدارة معهد دبي لتنمية الموارد البشرية والمدير التنفيذي لكلية دبي للإدارة الحكومية وكذلك منسق عام برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، وبالرغم من كثرة المسئوليات التي يحملها على عاتقه والتي يسميها تكليفا لا تشريفا، وواجبا قبل أن تكون منصبا، إلا أنه يحافظ على هدوئه ويوازن بين كل المهام بدقة وحزم ونشاط يحسد عليه، والاهم أنه من أنصار مقولة: دع الانجازات تتحدث بالنيابة عنك، ولعل هذا ما يفسر قلة اهتمامه بالحوارات الصحافية.

عندما سألناه عن مصادر طاقته ودقته رغم تعدد مواقعه وأدواره أجاب: «المسألة تتعلق بوجود فريق عمل كفؤ يعمل على مدار الساعة، وما نحققه في عملنا هو ثمرة روح الفريق وليس لأحد فينا الفضل دون غيره، أما دقتي وانضباطي فهما سلوك لا غنى عنه، وبدلا من هدر الوقت في أشياء هامشية يفضل تنظيم الوقت والاستفادة من كل دقيقة لكي نستطيع إنجاز أهدافنا».

ولم يكن غريبا أن يجيب اليوسف بهذه الطريقة، فهو ابن دبي التي تسطر كل يوم أسطورة في تطبيقات الإدارة المتميزة وتشيد يوميا إنجازا فريدا في كل القطاعات وتخرج جيلا جديدا من الشبان التواقين للإبداع والابتكار والمنافسة في التجارة والأعمال والإدارة.

وإذا أجرينا مقارنة بين واقع أداء المؤسسات الحكومية في المدن العربية ودبي سنجد فرقا شاسعا بين منهجين متناقضين، فمنذ أن تبنت دبي الفكر الإداري الحديث الذي استقت أهم تطبيقاته من مشارب وتجارب متنوعة، استطاعت أن تتحول في أقل من عقد إلى مدينة عصرية متقدمة تنافس في أهميتها الاقتصادية أكبر مدن العالم المتقدمة، وأصبحت الحكومة جزءا من دائرة الإنتاج والإبداع لا مجرد هيكل خاو يأمر وينهي ويعيق تقدم عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي تحت طائلة قيود القوانين التي عفا عنها الزمن.

ولم يكن تأسيس معهد دبي لتنمية الموارد البشرية إلا تطبيقا حيا للأهداف التي رسمها برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، كما أكد نبيل اليوسف: «استطاع معهد دبي لتنمية الموارد البشرية أن يخطو خطوات كبيرة خلال عام ونصف من تأسيسه على عدة أصعدة على مستوى التدريب والندوات والتدريب الداخلي للمؤسسات والزيارات التعليمية في بريطانيا وسنغافورة وكذلك الخدمات الاستشارية».

* تقييم الأداء بقياس النتائج

وأشار إلى أن آلية التقييم الذاتي لنشاط المعهد هو عرف ثابت لا يمكن الاستغناء عنه لقياس مستوى الأداء بشكل مستمر للتعرف على النسب التي تحققت من الأهداف وتصحيح الوجهة إذا اقتضى الأمر، موضحا أن المعهد وبرغم حداثة عهده استطاع تسجيل أرقام كبيرة في عدد الدورات والمتدربين والاستشارات التي دخل فيها مما يشير إلى أن المعهد يخطو خطوات طيبة في تحقيق أهدافه الاستراتيجية.

وأوضح بأن الهدف الأساسي لقيام المعهد هو تدريب الافراد والمؤسسات على المفاهيم الإدارية الحديثة التي تبناها برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز مثل خدمة العملاء والتخطيط الاستراتيجي في القطاع الحكومي وإدارة العمليات وقياس النتائج.

وأضاف: «ركزنا خلال الفترة الماضية على نشر المفاهيم الإدارية الحديثة التي تسهم في تطوير أداء المؤسسات الحكومية من خلال مساعدة برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز على مستوى شريحة كبيرة من الموظفين سواء في دبي أم الإمارات العربية المتحدة أم دول مجلس التعاون الخليجي».

وأكد أن الندوات والمؤتمرات الإقليمية التي عقدها معهد دبي لتنمية الموارد البشرية وبرنامج دبي للأداء الحكومي المتميز ساهمت في إثراء ذلك التوجه من خلال استقراء ومناقشة التجارب المتميزة في القطاع الحكومي في دول أخرى وتشجيع الحضور على تبنيها في دولهم مع مراعاة خصوصية كل حالة.

وأشار إلى أن إدارة المعهد تطبق هذه المفاهيم الإدارية على نفسها قبل الجميع، موضحا أن المسوح الدورية التي تتم عبر الاستبيانات والمعلومات الواردة مثل عدد الدورات والمتدربين والخريجين وغيرها وذلك لتحديد سبب عدم إقبال البعض على دورات معينة كأن يكون توقيتها غير متناسب مع عمل المتدربين أو لوجود ضعف في أي تفاصيل فنية مهما كانت صغيرة.

ويجري المعهد بشكل دوري استبيانات لقياس رضا المتعاملين والمتدربين تجيب على أسئلة محددة مثل هل كان مستوى الدورة مفيدا لهم في حياتهم العملية، هل أداء المحاضر كان جيدا، هل تنظيم المعهد كان جيدا، إلى جانب ترك مساحة للملاحظات والاقتراحات للاستفادة من أي أفكار يقدمها المتدربون.وأكد أن المعهد يزور الدوائر الحكومية بشكل دوري وذلك لمعرفة الاحتياجات التدريبية المستقبلية، وكذلك لتقييم مستوى الدورات السابقة ومدى فعاليتها في تطوير قدرات الموظفين.

* لماذا الأسعار؟

وحول فرض المعهد لأسعار مقابل الخدمات الاستشارية والدورات التدريبية التي يقدمها للمؤسسات الحكومية أجاب اليوسف: «تأتي هذه الخطوة تمشيا مع فلسفة وسياسة حكومة دبي، فنحن بالرغم من كوننا تابعين للقطاع الحكومي إلا أننا حصلنا على قرض لتأسيس وإنشاء المعهد ويجب أن يدفع للحكومة ولم نحصل على ميزانية،

وكان يمكن بسهولة استصدار قرار يجبر الدوائر والمؤسسات الحكومية على إرسال موظفيها للدورات التدريبية، لكننا فكرنا بطريقة مغايرة وهي أننا يجب أن ننافس ونشجع تلك المؤسسات للتفاعل مع خدماتنا وفق قواعد العرض والطلب والحرص على تقديم الأفضل وغيرها.

وأوضح بأن الشراكات الاستراتيجية التي أقامها معهد دبي للموارد البشرية مع معهدي الخدمة المدنية في سنغافورة وبريطانيا، سمحت بالاستفادة من خبراتهم ومهارات محاضريهم الطويلة في هذا الجانب وتطوير الكادر الوظيفي.ولفت إلى أن اختيار تجربتين مختلفتين الأولى من الشرق والثانية من الغرب تسمح بالاطلاع على تجارب متعددة واستخلاص الحلول المناسبة منهما والتعرف على نقاط تميز المدرستين واكتساب الأفضل منهما.

* سباق الأوائل

وأكد أن أكثر المؤسسات الحكومية حرصا على المشاركة في الدورات التدريبية التي يقدمها المعهد هي هيئة مياه وكهرباء دبي وشرطة دبي، وقد بلغ إجمالي المتدربين لدى المعهد حوالي 2000 شخص. وأشار إلى أن تجربة دبي في تطوير الأداء الحكومي حققت إنجازات كبيرة خلال أقل من عقد من الزمن، مؤكدا أن الانجاز الأبرز يتمثل في تغيير العقليات والمفاهيم، فقال: «كنا نسمي الشخص الذي يقصد المؤسسات الحكومية بالمراجع،

أما الآن فأصبح يدعى العميل، وأصبح تطوير الخدمات وتسهيلها الهدف الرئيسي مستفيدين من التقنيات الحديثة، بل إن الدوائر أصبحت تتنافس فيما بينها من أجل تحقيق أرقى مستويات الأداء والتخطيط الاستراتيجي والإدارة بالنتائج وغيرها من النتائج.وأكد أن ما تحقق على هذا الصعيد لا يشكل سوى 10% من الطموحات التي ترنو إليها مدينة دبي ضمن خططها المستقبلية الرامية لتكون المدينة الرائدة اقتصاديا على مستوى العالم.

* الخدمات الاستشارية

وقال إن هناك الكثير من الجهات التي استفادت من الخدمات الاستشارية التي يقدمها معهد دبي لتنمية الموارد البشرية منها الأمانة العامة للمجلس الوطني الاتحادي ومقره أبوظبي حيث كان المطلوب هو إعادة هيكلة المؤسسة وتطوير مواردها البشرية بما يتناسب مع خططها الاستراتيجية،

وكذلك مؤسسة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري التي يتم العمل على تغيير استراتيجيتها بعد فصل الأوقاف عن الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، كما يتم العمل حاليا مع بلدية دبي وتحديدا إدارة الصحة والسلامة العامة بهدف إنشاء نظام إداري متكامل مطابق للموصفات العالمية الخاصة بالجودة.

* القيادة فن التغيير

وأشار إلى أن دور القيادة في أي مؤسسة هو حجر الأساس لأي حكومة متميزة لأنه يوفر الآلية المطلوبة لتطوير الأداء، ولذا قام المعهد بأخذ المبادرة لجمع الخبرات والتجارب الحكومية المتميزة في مجال فاعلية القيادة ودورها في تطوير الأداء المؤسسي، ليجمع الملتقى خبرات محلية من دوائر حكومة دبي وأخرى إقليمية وعالمية.

وتحدث عن دور القيادة في بناء ثقافة التميز في المؤسسة، مشيراً إلى أهم المؤثرات على قطاع الأعمال مثل المنافسة المتزايدة في السوق، والتطور التكنولوجي والتغيرات في مجال العمل ومبادرات الحكومة الإلكترونية، مشيراً إلى أن الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع يمثل أنموذجا لقادة المؤسسات الحكومية في مجال الإبداع،

وان المؤسسات الحكومية في دبي قدمت إبداعات ومبادرات رائدة بفضل بيئة الإبداع التي وفرها سموه، مشيراً إلى أن هذه المسيرة الإبداعية لا تعرف لنفسها خط نهاية وأنه لا يزال أمامها شوط طويل من التطوير والتحسين والإبداع. ولفت إلى أن أهم التحديات والمعوقات التي تعيق تطور أداء المؤسسات الحكومية في الدول النامية والتي استطاعت دبي التخلص منها تتمثل في الأمراض والسلوكيات الاجتماعية الخاطئة مثل الاتكالية وإلقاء اللوم على الآخرين وفقدان روح المبادرة وإرادة التطوير.

وأضاف: لقد نجحت دبي في زرع مفاهيم رائدة أسهمت في تحقيق المعجزات في القطاعات المؤسساتية والإدارية والعمرانية مما جعلها قدوة للدول العربية ومحط أنظار دول العالم أجمع، ولن أجانب الحقيقة إذا قلت أن أي دولة عربية قادرة على تحقيق إنجازات مماثلة والاستفادة من تجربة دبي إذا ألقت جانبا المفاهيم الإدارية البالية والمشبعة بالبيروقراطية والمحسوبية والاتكالية».

وأوضح أن المحرك الرئيسي لأي عملية تغيير هو القائد، وأن نظريات علم الإدارة تؤكد مجتمعة بأن شخصية القائد هي القادرة على تحريك دفة المؤسسة نحو أهداف جديدة ووجهات متقدمة، مشيرا إلى أن دبي تميزت بوجود الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، القائد المبادر وصاحب الرؤية بعيدة النظر التي استطاعت تطوير البلد واتخاذ القرار بتحويل القطاع الحكومي إلى منافس للقطاع الخاص ونفذ سلسلة من التغييرات الجذرية في أساليبه الإدارية ليتمكن من المنافسة والانجاز.

* المنافسة سمة العصر

وأكد أن سمة العصر المقبل في العالم وفي دولة الإمارات هي المنافسة أولا وأخيرا، وحث الشباب على تطوير قدراتهم والاستفادة من الخبرات التراكمية التي تحققها المؤسسات الوطنية والمحلية والمشاركة في بنائها وتعزيز أدائها مستفيدين من الأجواء الايجابية المشجعة على الإبداع والتطوير والمبادرة في كل الجوانب.

وذكر اليوسف أن معهد دبي لتنمية الموارد البشرية نظم مؤخرا مؤتمرا تحت عنوان «دور القيادة في تطوير الأداء المؤسسي في القطاع الحكومي «سلط الضوء على قدرة القادة والمؤسسات على التفاعل الايجابي مع التغيير والتطوير بما ينعكس على أدائها المتميز من خلال تبني أساليب القيادة الحديثة وإبراز الدور الاستراتيجي الذي تلعبه القيادات الجسورة وصاحبة التفكير الإبداعي والقادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة.

وأوضح أن هذه الفعاليات تأتي ضمن خطة شاملة تهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى الكوادر والمديرين والمسؤولين في المؤسسات الحكومية وتبادل الخبرات والتجارب العملية الناجحة التي خاضتها تلك المؤسسات في تطوير أدائها.

كتب محمد بيضا