تستثمر الدول المصدرة للبترول مزيداً من عائداته بالدولار أكثر من مرات ارتفاع أسعار البترول السابقة، مما يساهم في دفع عجلة الاقتصاد الأميركي، وقد أدى ارتفاع أسعار البترول إلى هبوط كميات هائلة من الأموال على الدول المصدرة مثل السعودية، لكن هذه الدول تتعامل مع هذه الأموال هذه المرة بشكل مختلف عما كان يحدث في الماضي، مما يساعد في عدم الإضرار بالاقتصاد العالمي.

فالدول المصدرة للبترول لا تنفق العائدات الإضافية المتولدة من ارتفاع أسعار البترول كالسابق، بل تقلل إنفاقها وترفع استثماراتها خاصة في الأصول الأميركية. وتصب كل هذه الأموال في الأسواق المالية مما يضيف إلى الاستثمارات المقبلة من الاقتصادات المنتعشة النشطة في آسيا مما يمكن الأميركيين من الإنفاق مع الاقتراض من الخارج، وبالتالي ينتعش الاقتصاد الأميركي.

ويقول تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» إن هذا حافظ على انخفاض أسعار الفائدة وارتفاع أسعار الأصول حتى مع أن ارتفاع أسعار الوقود أثر على شركات الطيران وأصحاب السيارات وغيرهم من مستهلكي الوقود في أميركا وأوروبا وباقي أجزاء العالم.

كما أن ارتفاع استثمارات كبريات الدول المصدرة للبترول يجعلها تزداد أهمية من حيث المساهمة في الاقتصاد الأميركي ويزيد من أهميتها كلاعب في الأسواق المالية أيضاً.ويقول صندوق النقد الدولي إن الدول الرئيسية في إنتاج البترول هي المصدر الأكبر حالياً للأموال في العالم وتفوقت الصين في ذلك وكذلك اليابان وبقية دول آسيا التي كانت أكبر المدخرين في العالم، وبالتالي أكبر مصدر مالي.

ويقول ديفيد روبنسون نائب رئيس الأبحاث في صندوق النقد الدولي إن أثر استثمارات دول تصدير البترول أكبر من أثر الدول الآسيوية على أسعار الفائدة العالمية.ويقول ستيفن جين خبير العملات الأول في بنك مورجان ستانلي الاستثماري في لندن إن هذه الدول البترولية لم يكن لها أثر من قبل لأن التدفق المالي منها كان ضعيفاً، في إشارة إلى تأثير الدول البترولية على أسواق العملات والأوراق المالية في أوروبا وأميركا، ويضيف أنها أصبحت ذات أهمية الآن.

* الارتفاعات السابقة

وتختلف الصورة حالياً كثيراً عن مناسبات ارتفاع البترول السابقة مثل السبعينات، وعندئذ كانت الدول البترولية تنفق الكثير من عائداتها بدلاً من استثمارها، غالباً على كماليات ومشروعات مكلفة غير ذات قيمة اقتصادية كبيرة ولم ينته بعضها حتى الآن.

ويقول محسن خان رئيس إدارة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي إن ما يحدث الآن هو عكس ما حدث في السبعينات، عندما حذر الصندوق الدول المنتجة من الإفراط في الإنفاق.وقال إن حكومات الشرق الأوسط ووسط آسيا تنفق في المتوسط نحو 36% من العائدات الإضافية من البترول مقارنة بنسبة 90% في السبعينات وأكثر من 60% في الثمانينات.

* عائدات تاريخية

وتحصل الدول البترولية الآن على أكبر عائدات في تاريخها. وتوضح إحصاءات صندوق النقد الدولي أن دول تصدير البترول تتوقع الحصول على 383 مليار دولار من مبيعات البترول والغاز للخارج خلال العام الحالي، أي ضعف قيمة ما حصلت عليه من ارتفاع البترول في عام 1980 عندما حصلت على 197 ملياراً، حتى بعد حساب قيمة التضخم.

وتختلف تقديرات الأموال الإضافية التي تحصل عليها دول تصدير البترول في أنحاء العالم منذ بداية ارتفاع الأسعار في 2003. ويقدر ريو درولاس الخبير الاقتصادي في مركز دراسات الطاقة العالمية في لندن أن الدول المستهلكة للبترول سوف تنفق مبالغ إضافية قيمتها 2. 1 تريليون لشراء منتجات البترول خلال عامي 2004 و2005 مقارنة بعام 2003. ومنذ بداية العام الحالي ترتفع أسعار البترول بنسبة 51%.

* آلام خفيفة

والحقيقة أن ارتفاع أسعار البترول يسبب بعض المشكلات إلى جانب تحويلات نقدية هائلة إلى الدول المنتجة للبترول، فقد ذكرت الحكومة البريطانية أن الاقتصاد البريطاني قد يسجل معدل نمو بنسبة 2% فقط خلال العام الحالي بسبب ارتفاع أسعار البترول، مقابل توقعات سابقة بنسبة 3 ـ 5. 3%. وقالت شركة الكوا، الأولى عالمياً في إنتاج الألمنيوم، إن ارتفاع أسعار الطاقة هو سبب إصدارها تحذيراً بشأن انخفاض أرباحها.

وطلبت شركتا طيران رئيسيتان في أميركا هما نورث وست ودلتا ايرلاينز الحماية ضد الإفلاس لأسباب منها ارتفاع أسعار الوقود في المقدمة. ويزداد قلق صناعة السيارات الأميركية من أن ارتفاع أسعار الوقود سوف يخنق الطلب على السيارات الرياضية المريحة.

الأكثر من ذلك أن الوضع في العالم لايزال غامضاً، حيث أن الطلب العالمي الذي يزداد بفعل الاقتصاديات المتعطشة للبترول مثل الهند والصين، يفوق العرض، ويحتمل أن يؤدي استمرار ارتفاع أسعار البترول إلى ارتفاع معدل التضخم والتأثير سلباً على ثقة المستهلك والمستثمر ويضعف الاقتصاد العالمي.

وهذا هو ما حدث في السبعينات عندما رفعت البنوك المركزية سعر الفائدة في محاولة لمكافحة التضخم، مما أدى إلى دخول اقتصاديات الدول الكبرى في ركود. غير أن ارتفاع أسعار البترول هذه المرة كان تأثيره أقل من المتوقع، وقال صندوق النقد الدولي الشهر الماضي إن الارتفاع في أسعار البترول خلال العامين الماضيين كان تأثيره محدوداً وقد يخفض من معدل النمو العالمي 1 ـ 5. 1% فقط، أو نصف ما توقعه خبراء اقتصاديون في الصندوق من قبل.

* الأسباب

وهناك عدة أسباب للتأثير الأقل من المتوقع لارتفاع أسعار البترول، فالدول الغربية في السبعينات كانت تعتمد بشكل أكبر على البترول مقارنة بالوضع الآن مما عظم تأثير ارتفاع أسعار البترول، لكن الدول المصدرة للبترول تساهم أيضاً في تخفيض الأثر بالانفاق الاستثماري من عائدات البترول، وتقوم شركات البترول الغربية الكبرى بإعادة تدوير نسبة كبيرة من أرباحها عن طريق توزيعها على المساهمين وإعادة شراء الأسهم.

وحكومات الدول المنتجة للبترول التي تحصل على غالبية دخلها من الملكية المبكرة لشركات البترول أو الضرائب الباهظة عليها تحد من إنفاقها الاستهلاكي وتركز على الإنفاق على البنية التحتية والمشروعات التنموية. والإنفاق الإجمالي كان محدداً حتى أن صندوق النقد الدولي أخذ يشجع العديد من الدول المنتجة للبترول في الشرق الأوسط على زيادة الإنفاق على المشروعات التي تنوع اقتصادها وتحسن المستويات الصحية والتعليمية، والمعروف أن صندوق النقد الدولي غالباً يحذر الدول من الإفراط في الاتفاق.

ويقول خبراء إن الإنفاق الرشيد سوف يساعد الاقتصاد العالمي أكثر من الادخار المبالغ فيه لأن زيادة الواردات من الدول المنتجة للبترول يعني مزيداً من الصادرات من الدول المستهلكة للبترول، مما يساهم في خفض العجز في الموازين التجارية.

ولا تزال هناك استثمارات من هذا النوع قادمة في الطريق، المملكة العربية السعودية، المصدر الأول للبترول في العالم تتوق إلى تنويع اقتصادياتها وتخفيف الاعتماد على البترول، لذلك تستثمر 30 مليار دولار لتكون من كبريات الدول المنتجة للبتروكيماويات بحلول 2010. وفي الوقت نفسه خصصت السعودية 50 مليار دولار لزيادة إنتاج البترول الخام والغاز الطبيعي، مع استمرار ارتفاع الطلب علي البترول.

ويزداد الإغراء بالإنفاق، حيث وافقت السعودية في أغسطس على زيادة الأجور بنسبة 15%. وروسيا التي تحتل المركز الثاني عالميا في تصدير البترول ادخرت غالبية عائداتها من البترول في صندوق خاص تحت سيطرة البنك المركزي، لكن السلطات وافقت في السنوات الأخيرة على إنفاق مليارات الدولارات في مشروعات اجتماعية جديدة. حتى النرويج التي تحتل المركز الثالث عالمياً في تصدير البترول صوتت لصالح حكومة محافظة الشهر الماضي بسبب وعدها بإنفاق المزيد على برامج الرعاية الاجتماعية.

* الشرق الأوسط

وفي الشرق الأوسط حيث غالبية الدول نامية أو متخلفة باستثناء الدول البترولية، تنفذ كثير من الدول مشاريع لتعزيز المرافق وإنشاء المصانع، وغالبية هذه المشاريع تنفذ بمعرفة شركات أجنبية ومعدات مستوردة، وأدى ذلك إلى رفع صادرات الآلات والخدمات إلى المنطقة خاصة من أوروبا وأميركا وساهم أيضاً في توازن تأثير ارتفاع أسعار البترول على العالم، كما يقول خبراء الاقتصاد.

ولا تزال الدول المصدرة للبترول تستغل غالبية دخلها منه لدفع الديون والادخار، ويتم ذلك في الغالب من خلال البنوك المركزية والوكالات الحكومية للاستثمار التي تضخ غالبية الأموال في البورصات الغربية لشراء الأوراق المالية وأصول أخرى.

ويعتقد خبراء اقتصاديون أن ارتفاع استثمارات الدول المنتجة للبترول في أميركا أصبح عاملاً مهماً في الحفاظ على انخفاض أسعار الفائدة ، مثل أهمية عامل الاستثمارات العينية من احتياطي العملة الأجنبية الهائل لديها. وأشار محافظ البنك المركزي الأميركي في أبريل الماضي إلى أن الارتفاع في أسعار البترول هو أحد مصادر تراكم المدخرات العالمية التي تشكل القوة الرئيسية في الحفاظ على انخفاض أسعار الفائدة في أميركا.

* أصول أميركية

وتمتلك دول الشرق الأوسط البترولية ما قيمته 121 مليار دولار من الأوراق المالية الأميركية منذ 30 يونيو 2004، مقابل 5. 84 مليار دولار قبل ذلك بعام، وتملك النرويج ما قيمته 59 مليار دولار أميركي من الأوراق المالية الأميركية حتى التاريخ نفسه، بارتفاع بمقدار 26 مليار دولار على العام السابق له، بعد ان بلغت عائداتها من تصدير البترول 180 مليار دولار.

وتملك روسيا 48 مليار دولار من الأصول الأميركية خلال الفترة نفسها، بارتفاع 11 مليار دولار على العام السابق. ويقول قسطنطين كوريشينكو نائب محافظ البنك المركزي الروسي الذي يحتفظ بنسبة 60% من احتياطيات مقدارها 150 مليار دولار، في أصول بالدولار، إن العائدات الإضافية من ارتفاع أسعار البترول هي آلية تحويل تساهم في الحفاظ على انخفاض أسعار الفائدة.

* بورصات الشرق الأوسط

وقد أدى ارتفاع أسعار البترول إلى رفع مستويات أداء البورصات في دول الشرق الاوسط، التي لم يكن لها دور يذكر خلال الارتفاعات السابقة في أسعار النفط، وقد ارتفع مؤشر بورصة دولة الإمارات بنسبة 108% حتى الآن خلال العام الحالي فيما ارتفع مؤشر بورصة السعودية بنسبة 81% خلال العام الحالي.

وتعتبر البورصة السعودية التي تضاعفت قيمة أوراقها المالية منذ عام 2003، من أكبر البورصات النامية حالياً في العالم من حيث القيمة. وفاقت البورصة السعودية بورصات كل من الصين والهند. وتبلغ قيمة أسهم المؤسسة السعودية للصناعات الأساسية وحدها 135 مليار دولار، وأدت الإصدارات العامة للشركات السعودية إلى ازدحام واختناق مروري مع تدفق المستثمرين المحليين لشراء الأسهم الحديثة الإصدار قبل ارتفاع أسعارها.

ترجمة: أشرف رفيق