قال محللون اقتصاديون إن منظمة التجارة العالمية تصارع الزمن من أجل انقاذ مفاوضات التجارة المتعثرة قبل انعقاد مؤتمر هونغ كونغ في ديسمبر المقبل.وتشهد مدينة زيورخ السويسرية غداً الاثنين اجتماعا يضم الدول الرئيسية على الساحة التجارية الدولية في محاولة لتسريع وتيرة المفاوضات المتعثرة.

ومن المتوقع أن تهيمن الجهود المبذولة من أجل إعطاء زخم جديد لمحادثات تحرير التجارة التي يطلق عليها اسم «أجندة الدوحة للتنمية» بسبب انطلاقها في العاصمة القطرية في نوفمبر من عام 2001 أيضا على الاجتماعات التي يستضيفها مقر منظمة التجارة العالمية بمدينة جنيف السويسرية يومي 11 و12 أكتوبر الحالي.

وقبل تسعة أسابيع فقط على انعقاد مؤتمر هونج كونج يتفق خبراء التجارة العالمية على أن جولة المفاوضات الخاصة بتحرير التجارة على الساحة الدولية والتي بدأت قبل أربعة أعوام تواجه حاليا مشكلات معقدة. إذ لا تزال هذه المفاوضات متعثرة بسبب الخلافات الناشبة بين الدول الـ 149 الأعضاء في منظمة التجارة العالمية والتي مازالت منخرطة في نزاعات مريرة حول عدد من القضايا مثل فتح الأسواق الزراعية وتقليص الرسوم الجمركية المرتفعة المفروضة على السلع الصناعية

وكذلك حول تسهيل الخدمات المتعلقة بالتبادل التجاري عبر الحدود. وبعدما كان من المقرر في بادئ الأمر انتهاء جولة مفاوضات الدوحة بشأن تحرير التجارة في يناير من العام الجاري بات الخبراء يتوقعون أن تنتهي هذه الجولة بحلول نهاية العام المقبل أي قبل انتهاء التفويض الذي يحظى به الرئيس الأميركي جورج بوش للتصديق على الاتفاق الذي تتوصل إليه منظمة التجارة العالمية بشأن تحرير التجارة دون الحاجة إلى التشاور مع الكونجرس في هذا الخصوص.

ولكن النجاح في إتمام جولة المفاوضات تلك قبل حلول هذا الموعد يعتمد على ما إذا كانت القوى الرئيسية على صعيد التجارة العالمية ستستطيع التوقف عن مشاحناتها لكي تبدأ العمل من أجل التوصل إلى تسويات يمكن التوافق حولها خاصة في القطاع الزراعي الذي يعد الأكثر أهمية على هذا الصعيد أم لا.

ويشير الخبراء في مجال التجارة العالمية إلى أنه من غير المتوقع أن تفضي الاجتماعات التي ستجرى الأسبوع المقبل في سويسرا إلى تحقيق هذه الانفراجة على الرغم من أن متحدثا باسم المفوضية الأوروبية قال إن تلك الاجتماعات ستساعد المشاركين فيها على التعرف على المواقف التي يتبناها كل منهم حيال القضايا المحورية المطروحة على مائدة محادثات تحرير التجارة الدولية.

ويشهد الاجتماع الذي تستضيفه زيورخ تحت رعاية الولايات المتحدة مشاركة كل من الاتحاد الأوروبي وأستراليا والبرازيل وكندا والصين ومصر وهونج كونج والهند واليابان وكينيا وماليزيا ورواندا وجنوب إفريقيا وكوريا الجنوبية إلى جانب باسكال لامي المدير العام لمنظمة التجارة العالمية.وكما يوضح هذا المزيج الذي يتمثل في دول الجنوب والشمال التي تحضر اللقاء تبذل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي محاولات جاهدة لكي تؤكد للبلدان النامية أنها جزء من عملية صنع القرار في منظمة التجارة العالمية.

ويصب هذا الأمر بشكل جزئي في صالح أميركا والمنظومة الأوروبية بالنظر إلى أن الدول الفقيرة الساخطة التي قالت إن مصالحها التجارية جرى تجاهلها أدت إلى إفشال الاجتماع الوزاري الذي عقدته منظمة التجارة العالمية في مدينة كانكون المكسيكية عام 2003.ولكن موقف واشنطن وبروكسل الرامي لطمأنة الدول الفقيرة بأن لها دورا في عملية صنع القرار في منظمة التجارة العالمية يرجع أيضا إلى إدراكهما لحقائق الاقتصاد الدولي في الوقت الراهن.

إذ أن بلدانا مثل البرازيل والهند وغيرها من الدول في آسيا وأميركا اللاتينية التي تظهر كقوى تجارية بازغة حافلة بالقوة والنشاط تبدو عازمة على أن تنال نصيبها من النفوذ في منظمة التجارة العالمية وتطالب بالحصول على امتيازات جوهرية من قبل البلدان الغنية.

وعلى الرغم من اتساع نطاق القضايا التي تشملها جولة مفاوضات الدوحة بشأن تحرير التجارة إلا أن التركيز الأكبر سواء في زيورخ الأسبوع المقبل أو في هونج كونج خلال ديسمبر المقبل سينصب على مسألة تحرير التجارة في القطاع الزراعي.

وفي هذا الاطار سيتعرض الجانبان الأميركي والأوروبي لضغوط من أجل تقليص المساعدات التي يقدمانها للمزارعين الأميركيين والأوروبيين والتي تؤثر بالسلب على التجارة في هذا القطاع وستهدف هذه الضغوط أيضا إلى حمل الولايات المتحدة وأوروبا على فتح أسواقهما أمام الواردات الزراعية وخاصة تلك الاتية من الدول الأكثر فقرا.

ومن جانبه يقول الاتحاد الأوروبي إنه يقف على أرض صلبة في هذا المضمار مشيرا إلى أن الاصلاحات التي أجراها العام الماضي على السياسة الزراعية المشتركة للدول الأعضاء فيه كانت تعني خفضا جذريا في الإعانات الممنوحة للمزارعين الذين لم يعودوا يحصلون على مساعدات مقابل التركيز بشكل أكبر على زراعة المحاصيل الغذائية.

كما تؤكد بروكسل أنها عازمة أيضا على إنهاء الضمانات الائتمانية التي تعطيها للمصدرين ولكنها تحجم عن تحديد موعد لاتخاذ هذه الخطوة حتى توافق الولايات المتحدة على إنهاء مماثل للضمانات التي تعطيها لمصدريها ولاشك في أن أميركا تتعرض هي الأخرى لضغوط ترمي لجعلها تتخلى عن جزء من الدعم الذي تقدمه لمزارعيها.

من جهة أخرى وصلت المفاوضات الخاصة بإجراء تقليص كبير على الرسوم الجمركية المفروضة على السلع الصناعية إلى طريق مسدود في ضوء العناء الكبير الذي تكابده دول العالم حاليا من أجل التوصل إلى صيغة متفق عليها بشأن تخفيض هذه الرسوم.