يشكل الاستثمار العصب الرئيسي للتنمية الوطنية في دولة الإمارات. وقد حققت الاستثمارات في الدولة خلال السنوات الماضية نموا اقتصاديا مهما على مستويات عدة ساهم في تحويل البلاد إلى مركز تجاري ومالي وسياحي على مستوى المنطقة. ولا شك أن البيئة الاستثمارية المتميزة والتسهيلات والحوافز التي وفرتها الدولة كان لها أعمق الأثر في تعبئة المدخرات المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وتشهد الدولة حاليا طفرة كبيرة لقنوات الاستثمار خاصة في مجال الأسهم مع فائض في السيولة المحلية، مما يؤكد على أهمية إيجاد فرص استثمارية جديدة في الدولة والنظر في كيفية العمل على تشجيع المواطنين على الاستثمار المباشر في مشاريع مجزية، في سبيل تحقيق التطور المنشود، ووضع رؤية مستقبلية للاستثمارات داخل الدولة.
وحدة الدراسات في «البيان»، بالتعاون مع قسم الاقتصاد، عقدت ندوة حول «الاستثمار في الإمارات.. الواقع والتطلعات»، طرحت فيها مجموعة من التساؤلات على عدد من المستثمرين والمسؤولين في القطاعين العام والخاص، لتقديم وجهات نظرهم في الطفرة الاستثمارية التي تشهدها الدولة ودلالة ما تظهره تركيبتها على أوضاع التنمية عموما، والمعوقات التي قد تعترض نمو هذه الاستثمارات وما تحتاجه البيئة الاستثمارية المحلية وتتطلبه المتغيرات العالمية في هذا المجال.
أدار الندوة د. محمد عبد الله المطوع، رئيس وحدة الدراسات، حيث استهلها مرحبا بالمشاركين شاكرا لهم استجابتهم للمشاركة في هذه الندوة.. وأضاف: كما تعلمون للاستثمار دور حيوي في إنعاش الاقتصاد الوطني وقد بات حديث الساعة هنا في الإمارات، لاسيما في ظل ما نشهده من طفرة وما يترتب على ذلك من قضايا.
سنحاول في هذه الندوة تناول أوضاع الاستثمار في الدولة من خلال أربعة محاور رئيسية موزعة على الشكل التالي: وضع الاستثمار في دولة الإمارات، والبيئة الاستثمارية وواقع القوانين والتشريعات، وتأثير المتغيرات في البيئة العالمية، وأخيرا النظرة المستقبلية.
في ما يتعلق بالمحور الأول، هناك مجموعة تساؤلات حول تركيبة الاستثمارات القائمة في الدولة حاليا ودلالة ما تظهره على أوضاع التنمية مستقبلا، كذلك حول واقع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ووضع المشاريع والمؤسسات الصغيرة ووسائل دعمها، ثم أخيرا تقييم لعملية تمويل الاستثمارات في الدولة.
* سالم الموسى: بعد اطلاعي على المحاور، حاولت أن انظر إلى الاستثمار بشمولية في دولة الإمارات العربية المتحدة وخاصة في دبي، فوجدت أن الاستثمارات هنا متنوعة، منها استثمارات مصرفية وعقارية ومنها استثمارات بشرية واستثمارات في الأوراق المالية وفي السياحة. إذا توجد مجالات كثيرة للاستثمار. وأود أن أبدي بعض الملاحظات حول هذه الاستثمارات.
مثلا في المجال العقاري في دبي، نحن نفهم أن الاستثمار بني أصلا على العقار في الإمارة، بمعنى انه كان يشكل نسبة كبيرة من مجمل الاستثمارات، إن للمواطنين أو لغير المواطنين بعد أن فتحت مناطق مختلفة للاستثمارات وبدأ ما يطلق عليه الـ freehold«»، أي أن المستثمر الأجنبي أصبح بإمكانه أن يوظف أمواله ويستثمر في المنطقة.
لكن على ضوء هذا الاستثمار، بدأت تنتعش الخدمات البنكية مع قيام الناس بتحويل مبالغ مالية من جميع أنحاء العالم، كذلك بدأت الشركات تعمل على فتح مكاتب لها، وبدأ هذا الاستثمار يجذب الكثير والكثير إلى المنطقة إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم من تنوع في الاستثمارات المختلفة. لدينا اليوم مركز مهم فتح أمس وهو البورصة. وهذه قد تجعل دبي من أهم المحطات العالمية لتبادل الأسهم stock exchange أو من أهم البورصات العالمية.
والنمو الاقتصادي في الإمارات كما أراه لا يتركز في مجال أو قطاع واحد، بل في قطاعات مختلفة، في التعليم وفي الحياة الاجتماعية وفي تطور الخدمات كشركات التأمين والشركات التجارية والاستيراد. لكن هناك قطاع واحد لدي مخاوف من أن لا يكون بنفس مستوى الاستثمارات القائمة حاليا في المنطقة ألا وهو التصنيع أو المجال الاقتصادي في التصنيع.
في الورقة سوف نأتي إلى تأثير الصناعة على الاستثمارات خاصة الصناعات التحويلية، بمعنى أن تأتي بمنتج غير نهائي وتجري عليه عملية تحويل وتعيد تصديره إلى الخارج، وهذه العملية اللوجستية تستطيع من خلالها أن تكسب مبالغ معينة. لكن التصنيع في حد ذاته يعطينا جميع المؤشرات الخاصة بالميزان التجاري في المنطقة والذي هو الفرق بين الاستيراد والتصدير، إذ انه مع نضوب البترول في المستقبل وهو منتج وطني يصدر إلى الخارج، ماذا ستكون عليه أوضاعنا؟
فإنتاجية الدول تقاس على تصديرها أكثر منها على استيرادها، وتسهم هذه الإنتاجية في زيادة القوى الشرائية وتقليل التضخم والبطالة بالإضافة إلى أمور كثيرة أخرى لا أريد أن أتشعب فيها حاليا، لكن أقول إن أمامنا تطورات ايجابية في استثمارات مختلفة في جميع القطاعات الاقتصادية الموجودة في دبي وفي الدولة.
* استثمار نوعي
* أحمد شحوري: في البدء أشكر جريدة البيان لتنظيمها هذه الندوة واستضافتها لنا للمشاركة في التحدث عن واقع الاستثمارات في دولة الإمارات وآفاق نموها. بخصوص تركيبة الاستثمارات في الدولة حاليا وفي مدينة دبي بشكل خاص، لقد قام القطاع العام في دبي بضخ مليارات الدراهم على البنى التحتية وذلك لتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في كافة القطاعات وخاصة في العقد الأخير.
وهذا يبرر انخفاض مساهمة النفط في إجمالي الناتج المحلي للإمارة من 80% إلى 50% فقط خلال عشر سنوات، بينما نرى أن كافة القطاعات تساهم بنسب متقاربة إلى حد بعيد، كالقطاع التجاري 18% وقطاع العقار والإنشاءات بحدود 17% والصناعة بحدود 13%.
وأنا شخصيا أرى أن مدينة دبي قامت بنوع آخر من الاستثمار، والعائد على هذا الاستثمار يكون فعليا وواقعيا لكنه غير ملموس، ألا وهو الاستثمار في بناء صورة مشرّفة ومشرقة لمدينة دبي في جميع أنحاء العالم، وعلى وجه الخصوص فقد نجحت دبي في أن «تبني وتدير سمعتها التجارية» (brand equity) حتى أصبحت تعرف بأنها إحدى أكثر المدن إبداعا وتميزا في العالم،
وان كان ذلك على صعيد نوعية المشاريع التي أطلقتها الإمارة (كالنخلة ودبي لاند وبرج دبي وغيرها) أو على مستوى التعاون الفريد بين القطاعين الخاص والعام. كما استطاعت دبي أن توظف الاختلافات الثقافية والإثنية والدينية وغيرها من الاختلافات الطبيعية الموجودة بين الـ 120 جنسية القاطنين على ارض دبي إلى قوة اقتصادية هائلة تمكنت من خلالها أن تكون أهم مركز اقتصادي وسياحي في المنطقة.
ومن هنا نفهم مقدرة دبي على استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة (FDI) والتي وصلت في العام 2003 حوالي 2 مليار دولار بحسب بعض المصادر الاقتصادية الرسمية، وهو ما يصنفها بين الخمسة الأوائل في الجاذبة للاستثمارات الأجنبية مقارنة بالناتج المحلي.
وعودة لموضوع التركيبة الاستثمارية، مما لا شك فيه أن هناك قفزة كبيرة جدا من ناحية تنويع الاستثمارات. لكن ما أود أن أقوله في هذه النقطة بشكل خاص، أنني لا أجد أي خطأ في التركيز على قطاعات معينة. مجمل العالم الصناعي أو الحديث يركز على صناعات معينة يطلق عليها تسمية «تنمية المجمعات الصناعية» (cluster development)، هذا ما ذكر في ندوة شاركت فيها منذ سنتين أقيمت في هيئة الاستثمار والتطوير تحت عنوان «تنويع الاستثمارات والتخصص في قطاعات معنية».
وأنا إذ أرى في تنوع القطاعات في دبي عملا مميزا إلى حد بعيد، لكني أجد انه حان الوقت لكي نركز أكثر على تكثيف مستوى الإنتاجية في قطاعات مختلفة، على سبيل المثال في مجال السياحة. قطعنا شوطا مهما في كثير من القطاعات لكن ما زالت هناك أمور يفترض العمل عليها أكثر، على سبيل المثال مراكز التسوق والمؤتمرات والمعارض.
* د. محمد عبد الله المطوع: لكن هذه المجالات موجودة وبدأنا العمل فيها.
* أحمد شحوري: نعم بدأنا، ولكن ما اقصده هو تكثيف الجهود لإعطاء كفاءة أكبر للقطاعات القائمة. الموضوع الثاني يتعلق بالصناعة، إن حوالي 80% أو 90% من صادرات القطاع الصناعي تعتمد على 3 أو 4 منشآت صناعية في دبي. ويجب بذل جهود أكثر لخلق حالة إنتاجية في القطاع الصناعي. وليس من الضروري التركيز على كل القطاعات، فليست هناك من دولة في العالم تركز على النجاح في كل القطاعات.
* د. محمد عبد الله المطوع: لنترك الحديث عن النظرة المستقبلية إلى المحور الأخير.
* د. حبيب الملاّ: عندما نتكلم عن الاستثمارات يجب أن نحدد ما المقصود في موضوع الاستثمارات. هل نتكلم عن الاستثمارات مثلا في القطاع الخاص؟ أم نتكلم عن الاستثمارات الأجنبية المباشرة في دولة الإمارات؟ تصوري أن المطروح بشكل أساسي هو موضوع الاستثمار الأجنبي المباشر، لأنه هو الآن حديث الساعة ومعظم دول العالم تهدف إلى أن تستقطب هذا النوع من الاستثمار وتكيف قوانينها وأوضاعها الاقتصادية ضمن هذا السياق.
في هذا الإطار نحن لدينا مشكلة جذرية وأساسية، وهي ليست خاصة بدولة الإمارات فقط إنما موجودة على مستوى المنطقة كلها، وهي أن إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية في دول المنطقة عموما، أي المنطقة العربية كلها، قد لا يزيد على 1% من إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية في العالم. وهذا طبعا يعني أن هناك مشكلة جذرية هيكلية في هذه المسألة.
النقطة الثانية بالنسبة لواقع الاستثمارات الموجودة، صحيح أن ثمة انتعاشا في القطاع الاقتصادي والعقاري والسياحي، لكن تجدر الملاحظة أن كل هذه الاستثمارات القائمة ليست قائمة على أساس تطبيق القوانين الموجودة إنما على أساس الالتفاف عليها، وهذا الالتفاف يحدث بشكل يمكن تسميته احتيالا قانونيا،
وذلك إما بإنشاء مناطق حرة وإما عن طريق خرق القوانين الموجودة مباشرة، مثلا بوضع قيود معينة على الاستثمار الأجنبي أو بالحد منه... وأنا لا أقول إن القوانين صحيحة وأنها على الشكل المفترض أن تكون عليه، لكن واقع الحال أن الاستثمار الموجود يلتف على القوانين السارية حاليا وينشأ في ظل بيئة اسميها رمادية، وهذا الوضع طبعا يحوي خطورة شديدة سواء اقتصاديا أو قانونيا.
إذا حصرنا الموضوع في القطاع العقاري لرأينا أيضا انه يوجد عدم وضوح. هل يسمح للأجنبي بالتملك؟ وإذا كان يسمح بذلك، ففي ظل أي نظام ولأي مدة؟ كلها أشياء غير موجودة والاستثمارات في معظم القطاعات تقوم حول الالتفاف على القوانين الموجودة في الدولة حاليا.
* سالم الموسى: هل تقصد بذلك مثلا شركة أجنبية تنتج منتجا معينا لنقول في مجال الاتصالات، فشلت في بلادها فجاءت للعمل في دبي واستقدمت معها الموظفين والتجهيزات كاملة إلى المنطقة الحرة في «الانترنت سيتي» ثم بدأت تبيع داخل دبي، لان دبي والمنطقة الحرة من المفترض أن تكون هناك بوابة بينهما.
هل هذا ما تقصده؟ البوابة هذه هل هي موجودة أم لا؟ مثلا المنطقة الحرة في جبل على هناك بوابة وهي تقوم بعملية غربلة لمن يدخل ولمن يخرج. و«الانترنت سيتي» يجب أن تكون لديها بوابة لكي يعرف الجميع أين تباع بضائعها. هل لديها وكيل في الإمارات حسب قانون الشركات أم لا؟
* د. حبيب الملاّ: هذا جزء من الموضوع.
* رؤية بعيدة المدى
* محمد عبد الرزاق المطوع: اعتقد أن واقع الاستثمار في الفترة الأخيرة يقول «رب ضارة نافعة». فقد شكلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر مفترق طرق في مجال الاستثمارات في دول الخليج عامة. وقد كانت دبي سباقة في استقطاب الاستثمارات، واعتقد أن بعد نظر سمو الشيخ محمد بن راشد أعطى ثماره. في البداية ربما كنا متشائمين نوعا ما، لكننا اليوم من أكثر المؤيدين لهذه الرؤية التي أدت في النهاية إلى هذا التطور المنشود.
في البداية كانت الاستثمارات عقارية أما الفترة الحالية فهي فترة استثمارات في الأسهم أكثر من العقارات. واعتقد أن الحكومة لديها خطط مستقبلية لتطوير النواحي الأخرى. على سبيل المثال، مؤسسة محمد بن راشد لدعم الشباب أعتبرها من الأفكار الإبداعية الجيدة، واعتقد أنها ستؤدي في المستقبل إلى دخول الشباب إلى المجالات التي يسيطر عليها الأجانب والوافدون في الوقت الحالي. اعتقد أن الفكرة جيدة للمستقبل وستأتي ثمارها في الوقت القريب.
* عمر عايش: لعل كل واحد منا يتحدث في الجانب الذي هو أكثر تخصصا فيه في ما يخص القوانين. وأنا حقيقة انظر دائما إلى الايجابيات والسلبيات. وأقول إن كل شيء له ضريبة، خصوصا حين ننظر للأثر المترتب على التركيبة السكانية. لكن من غير المستطاع كسب المميزات كاملة في أي عمل، ولابد أن يكون هناك بعض التضحيات.
التخصص جيد لكن ليس من الضروري أن تكون الدولة متميزة في كل المجالات. وأنا طموحي أن يكون هناك تكامل بين إمارات الدولة بداية، يليه تكامل بين دول الخليج ثم بين الدول العربية كافة. وإذا كانت دبي قد نجحت مثلا في مجال معين فليس بالضرورة أن تركز باقي الإمارات على هذا المجال، كذلك قطر والبحرين وغيرها.
التنوع حقيقة هو سمة للدول الأكبر مثل السعودية وسلطنة عمان حيث بالإمكان التركيز فيها على قطاعات مختلفة. يوجد أثر لنوع بسيط من التكامل بين الشارقة ودبي، في الشارقة يوجد تركيز على الجامعات وان كانت موجودة في دبي أيضا. لكن بإمكاننا أن نتكامل وتصبح الشارقة من المراكز الثقافية والتعليمية العالمية، وتصبح دبي، وهي الآن بالفعل، مركزا تجاريا عالميا ومركزا سياحيا.
طبعا الصناعة مهمة بدون شك، ولابد أن يكون هناك في كل دولة حد أدنى من التصنيع لإحداث تنويع في الاقتصاد، لكن التجربة التي لا بد أن نثني عليها هي تجربة دبي. أنا اعتقد أن تجربة دبي كانت نجاحا مركبا. النجاح الأول كان في البداية.
بدون شك الكل يعلم انه خلال السنوات التي مضت لم يكن هناك احد يتوقع أن نصل إلى هذا المستوى، لكن الذي حصل انه عندما فتحت الأبواب ووجدت الفرصة السانحة تم استغلال هذه الفرصة بطرح مشاريع أكبر للناس. لم يكن هناك ضيق في الأفق، بمعنى الالتزام بانجاز مشروع أو اثنين أو ثلاثة مشاريع خلال عشر سنوات، وتنتهي هنا! وجدوا إقبالا أكبر فتم استغلال الفرصة.
الحديث عن الواقع بحد ذاته يحتاج إلى وقت طويل. في دبي جرى التعاطي مع الاستثمار العقاري بنظرة شاملة ولم يتم التركيز على مشاريع سكنية، لأنه إذا طرح عدد كبير منها، وهذه حقيقة، سيكون ذلك من الأسباب التي تدفع الناس إلى التشاؤم. كم حجم المشاريع في دبي؟ كل يوم تسمع عن مشروع بـ 5 مليارات أو 10 مليارات ولم نعد نسمع مشاريع بـ 50 مليونا أو 100 مليون.
* سالم الموسى (متدخلا): لكن هذا لا يعني أن الأمور غير جيدة.
* عمر عايش: الوضع يتطور. دبي لاند حقيقة اعتبره مشروعا سخيا جدا، وهو أكبر مشروع سخي في الشرق الأوسط وربما في العالم. وبالتالي، سوف يستقطب على الأرجح 15 مليون سائح، وأكثر من 150 ألف شخص للعمل في تشغيله. هؤلاء الـ 15 مليون سائح يحتاجون إلى فنادق وأسواق ومطاعم. إذن هناك تكامل إلى حد ما. أيضا مركز دبي المالي (دبي فيننشال سنتر) سوف يستقطب شريحة من ذوي الخبرات والمهارات العالية وذوي الدخل المرتفع.
كذلك، حين تقيم مشروعا مثل مرسى دبي وتنشئ مركز دبي المالي، لا بد أن يوجد أناس هنا يعملون. هناك إذن تكامل فعلا، ولا أرى ضرورة للقلق أبدا. وللناس الحق في أن يتساءلوا، وهناك دائما تجاه الأشياء غير المألوفة وغير التقليدية نوع من المقاومة والتشكك.
وطبعا الإنسان الناجح أو المتميز ليس إنسانا عاديا ولابد أن يقدم على عمل غير تقليدي، لكن الناس تبدأ بالتشكيك، ترى كيف عملتم هذا؟ أكيد هناك مشكلة! في الحقيقة يجب أن تجري الأمور حسب الأرقام. الأسبوع الماضي كان هناك تصريح اعتقد لمسؤول من البنك المركزي، اتصلوا بنا من «البيان» وسألونا ما رأيكم بما قيل من أنه في عام 2006 سوف يكون هنالك تراجع (في أسعار العقارات)؟ قلت لهم «يرجى أن تسألوه في أي يوم وأي ساعة»!
الحديث حقيقة يجب أن يكون مبنيا على أرقام وحقائق. على المرء أن لا يصرح بأن تراجعا سوف يطرأ، والجميع يعلم أن اغلب المشاريع سوف تنجز في النصف الثاني من عام 2007، والتوافد على البلد والإقبال كما تكلم الإخوان بعد أحداث 11 سبتمبر.
وأنا إلى نهاية 2002 كانت أكثر إقامتي بين أميركا وكندا، وعشت الأحداث وشعرت فعلا كيف كانت ردة الفعل. هناك رغبة كبيرة وتوجه إلى اليوم من العرب والمسلمين المقيمين في الغرب للعودة، ولديهم عدة خيارات في الدول العربية، والخيار الأول بالنسبة للغالبية العظمى هو الإمارات. وهذا نجاح بحد ذاته، عندما تستقطب كل الناس الذين لديهم خبرات، لنقل 10 سنوات أو 15 سنة، لديهم الثقافة العربية والخبرة الأجنبية، فهذا بالتأكيد سوف يضيف كثيرا للبلد الذي يعيشون فيه.
أنا حقيقة أؤكد أن حجم الاستثمارات والمشاريع يعتبر ظاهرة صحية، حتى لو جرى تصحيح في الأسعار. لكن المشكلة أن الناس لا يعلمون أنهم عندما يبدأون في التكلم حول دخولهم يقولون: كان دخلي يوازي 20% مثلا تراجع ليصبح 15%، لكنه لم ينظر انه في أحسن دول العالم دخله لا يتجاوز 5% أو 6%. لنقل إن الدخل الأصلي كان 10% وأصبح 20%، خير وبركة، ثم نزل إلى 15%، إذن ما زال أعلى من المعدل العالمي.
اعتقد أن تجربة دبي تجربة فريدة من نوعها. تستحق حقيقة الدراسة وتتطلب جهدا أكبر من القائمين على إدارة الدولة، لأن النجاح السريع والكبير أيضا له ثمن وضريبة. كما تفضل الدكتور، هناك تشريعات وقوانين بحاجة إلى أن تواكب التطورات. في القطاع العقاري هناك ضبابية كبيرة.
نحن لا نعرف إلى حد الآن من هي الجهة التي ستصدر الملكية، هل ستصدر عن دائرة الأراضي أو شركة إعمار أو نخيل؟ وتلك شركات وليست الحكومة. إذا تم بيع الشركة أو إذا غيرت سياستها، ماذا يحصل؟ لكن نحن على قناعة وثقة، وليس نحن فقط بل الناس وكل الذين اشتروا لان لديهم ثقة في حكومة دبي أنها سوف تعالج الأمور وسوف تطور القوانين والتشريعات بما يتوافق فعلا مع حجم الطفرة الموجودة.
* د. محمد عبد الله المطوع: وهل انتم راضون في ما يتعلق بتمويل الاستثمارات؟ هل التمويل قادر أن يغطي كل تلك المشاريع أم أن هناك إشكالية؟
* عمر عايش: نحن كمستثمرين حقيقة لا نعاني، لان التمويل اليوم ليس حاجة ملحة. أكثر شيء موجود اليوم هو السيولة، ترى الناس من السعودية على أبواب البنوك منذ الساعة السادسة صباحا للاكتتاب في الدانة.
* وفرة السيولة ونقص البيانات
* سالم الموسى: نحن لدينا شركات تمويل كثيرة كما أن لدينا بنوكا قائمة، وإذا حصل عجز في التمويل فهناك عيون أخرى في العالم تنظر إلى ما يحدث هنا في دبي ومتشوقة لان تأتي وتمول. فلذلك، في تكوين الشركات الممولة 60% يملكها مواطنون والبقية 40% للأجانب ثم يجري وضع ضمانات بالنسبة للبنوك.
التمويل ليس عائقاً أبدا، إنما عملية فهم القانون بالنسبة للتملك الأجنبي. على سبيل المثال إذا ذهبت إلى بريطانيا تجد نوعين من التملك freehold وleasehold. freehold تعني انه بالإمكان تملك الأرض وما عليها، أما leasehold فتعني تملك جزء من الأرض التي عليها البناء.
لكن العملية هنا في الدولة ليست مفهومة ويجب أن تكون مفهومة لأننا لم نأت بشيء جديد. نحن مثلا لم نقل لدينا freehold أو ما إذا يحق للأجنبي أن يتملك. في بريطانيا هناك مناطق لا يمكن أن تكون ملكيتها للأجانب freehold بأي حال من الأحوال، وهناك مناطق lease يمكن أن تتراوح مدتها من 4 سنوات إلى 99 سنة، ويحق التصرف في العقار وبيعه ما عدا structure (الهيكلية) كما يمكن رهن العقار.
* د. محمد عبد الله المطوع: هذا يجرنا إلى المحور الثاني، أي إلى القوانين.
* د. حبيب الملاّ: قبل أن نختم المحور حول واقع الاستثمار في الإمارات، هناك نقطتان في واقع الاستثمار لدينا عليهما مشكلة. النقطة الأولى، الملاحظ أن التركيز كله على قطاعات معينة، في حين نجد قطاعات التكنولوجيا وغيرها للأسف إلى الآن لم يتم استقطاب استثمارات أجنبية كبيرة إليها. معظم الاستثمارات متركز في قطاع العقار. وهذا شيء جيد، لكن أيضا لا بد من التخصص، وهذا النوع من المشاريع جزء منه صناعي وجزء غير صناعي. الآن مثلا واحة السيليكون بدأت صراحة بخطوة رائدة.
* د. محمد عبد الله المطوع: خطوة رائدة أيضا الحديث عن إنشاء مصانع للسيارات. فهل هذه المعلومة صحيحة أم خطأ؟ لقد تم طرح الفكرة في دبي وأنا أرى انه لا بد من أن تكون لدينا روح المغامرة.
* د. حبيب الملاّ: قيام صناعات ثقيلة في الدولة أمر صعب. أما النقطة الثانية التي أريد أن أشير إليها فهي مهمة توافر المعلومات. لتشجيع قطاع الاستثمار لا بد أن تتوفر معلومات، لا أقول دقيقة ولكن على الأقل سليمة. إلى الآن المصدر الوحيد للمعلومات على مستوى الدولة وحتى على مستوى الإمارة هو وزارة الاقتصاد، وهي الوحيدة التي كانت تصدر كل سنة كتاب الإحصاء السنوي حول عدد السكان والأعمار وغيرها، لكنها أرقام الكل يعلم أنها ليست دقيقة.
هي في الأساس تقديرية. إذا أخذنا قطاعا مهما مثل قطاع العقار، هل هناك من يستطيع أن يقول لي كم عدد الوحدات السكنية الشاغرة؟ وكم عدد الوحدات السكنية التي هي قيد الإنشاء والتي يمكن أن تعرض في السوق خلال سنة أو سنتين أو ثلاث سنوات؟
* سالم الموسى: أنتم تريدون كل الأمور جاهزة.
* د. حبيب الملاّ: عندما أريد أن ادخل في قطاع معين لا بد من أن تكون لدي معلومات سليمة كي استطيع أن اخطط. قبل فترة كنا نناقش خطة عامة، ولوضع خطة عامة للإمارة أو الدولة يجب أولا أن تكون هناك أرقام سليمة. المستشارون الموجودون كانوا قد بنوا كل معلوماتهم على إحصاءات وزارة التجارة، وأحد الاخوة قال إن هذه الأرقام جميعها خطأ.
* سالم الموسى: تتكلم عن القطاع العام أم القطاع الخاص؟
* د. حبيب الملاّ: بشكل عام في الدولة.
* سالم الموسى: أنا كقطاع خاص أشتري المعلومات. مثلا لدي مشروع لصناعة معينة انظر ما هي الشركات المؤهلة لان تقوم بالدراسة في مجال التصنيع المعين الذي أصبو إليه أو حتى في أي مشروع معين أريده. نحن مثلا تكلفنا الدراسات والجدوى الاقتصادية مئات الألوف.
أنا لا أتكلم عن عشرين أو خمسين ألفا، بل عن نصف مليون وما فوق. إذا كنا ننظر إلى القطاع الخاص، فالقطاع الخاص له مشاكله، والقطاع العام له مشاكله أيضا، وأنت تتكلم عن القطاع العام في تكوين القوانين مثلا بالنسبة للاستثمار، وان تكون هناك بيانات كاملة. هل الدولة لديها بيانات أم ليست لديها؟ هذا ما نريد أن نعرفه.
* د. حبيب الملاّ: على الحكومة أن تكون لديها قاعدة بيانات متكاملة تتيح للمستثمر المعلومة والتنبؤ.
* د. محمد عبد الله المطوع: الحكومة لديها بيانات لكنها غير معلنة.
* عمر عايش: الحكومة تعتمد على نفس الشركات حقيقة. من اجل الحصول على معلومات، هذه السنة أجرينا عقدا مع شركة دراسات وأبحاث سوق market research من اجل أن تعطينا الأرقام. وحكومة دبي تتعامل معها هي نفسها داخل الدولة وخارجها. لكني اعتقد أن القرارات ربما تسبق المعلومات،
فلو ترى حجم الاستثمار في دول العالم، في المغرب وسلطنة عمان وغيرها من الدول على سبيل المثال، متى أصبح هناك وقت لجمع المعلومات والقيام بالدراسات اللازمة ودراسات الجدوى بشكل يسمح بالتحقق والتأكد فعلا هل أدخل وأستثمر في هذا الموضوع؟ لا شك أن هذه الطفرة الحالية تتجاوز الدراسة.
* د. حبيب الملاّ: ليس الموضوع دراسة جدوى