أضافت علاقة الذهب التاريخية بالنفط إلى سعره المزيد من الجاذبية في أعين المستثمرين، وبدت المقومات الأساسية لسوقه في نظر المحللين على أنها تقدم صورة رائعة لسوق يتجه إلى الصعود، ويتحرك سعر المعدن الأصفر على نفس مسار تحرك النفط، وإن كانت وتيرة صعوده تقل عن وتيرة صعود أسعار النفط.

حيث تدفع المضاعفات السلبية الناتجة عن ارتفاع النفط على صعيد ارتفاع معدل التضخم، وتهاوي ثقة المستهلك، وبالتالي إنفاقه، إلى فقدان النقود الورقية قدرا كبيرا من الاهتمام والتطلع إلى اقتناء الذهب باعتباره الوعاء الاستثماري الأكثر قبولا للتحوط من مخاطر التضخم.

وأوضح استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج شمل 33 تاجرا ومستثمرا ومحللا أن سعر الذهب قد يرتفع للشهر السادس على التوالي، مما يدفعه إلى مستويات عالية تتجاوز أعلى سعر سجله على مدى 17 عاما، وحث 17 شخصا ممن شملهم الاستطلاع على شراء الذهب الذي صعد 10. 5 دولارات خلال الشهر الماضي ليصل إلى 30. 472 دولاراً للأونصة في قسم كوميكس لبورصة نيويورك التجارية ( نايمكس )، فيما توقع سبعة أشخاص أن يهبط سعر الذهب، وتوقع تسعة عدم حدوث تغييرات كبيرة في سعر الذهب.

وقال تقرير تحليلي أعده رالف آكامبورا المحلل في مؤسسة Prudential technical ان صعود الذهب لأعلى مستوياته منذ 17 عاما لم يردع المستثمرين من شراء الذهب، وتوقع التقرير أن يتجه سعر الذهب إلى 507 دولارات للأونصة، موضحا أن معظم المؤشرات الفنية تفيد بأنه على الرغم من تسارع وتيرة ارتفاع الذهب،

إلا أنه لا توجد عمليات بيع مفرطة، ونصح التقرير المستثمرين بعدم تفويت فرصة شراء الذهب، باعتبار أن الذهب سيشهد على الأجل الطويل المزيد من الصعود في سعره. وهو بذلك يسلك مسار الصعود الذي سلكه منذ اربع سنوات مضت.

وفي السياق ذاته، قدر جون بيرجيزيل المحلل في مؤسسة جي بي مرجان تشيس أنه رغم احتمال تعرض المسار الصعودي للذهب لبعض التوقفات إلا أن السعر سوف يتحرك بشكل منتظم إلى مستويات عالية، وتوقع أن يصل سعر الذهب إلى 500 دولار للأونصة خلال عام 2006.

وفي الإطار ذاته، يقدر جون هيل المحلل في «سيتي جروب» بأن يلامس الذهب سعر 500 دولار للأونصة خلال الأشهر المقبلة، مشيرا إلى أن كلاً من الطلب والعرض بصدد بناء قاعدة لجولة جديدة تشتمل على متغيرات نقدية تدفع السوق نحو مستويات أسعار مرتفعة.

* الأسعار تتحرك نحو مستويات عالية

وتتوافق تلك التوقعات مع تحركات الأسعار في السوق، حيث قفز الذهب 13 % منذ 15 يوليو بفعل الأعاصير في خليج المكسيك والتي أرسلت سعره إلى ارتفاعات قياسية، ودفعت قفزات أسعار الطاقة الشركات من بينها «يو أس ستيل» و«ديبونت» إلى رفع أسعارها، وهبطت السندات الحكومية في الأسواق الأميركية والآسيوية والأوروبية نتيجة القلق بشأن التضخم وتآكل القوة الشرائية.

وفي هذا السياق يقول فيليب كلابويك المدير التنفيذي لمؤسسة «جي إف إم إس» للاستشارات في مجال المعادن أن التضخم يتصدر مخاوف الناس، و تتكرر قصة ارتفاع التضخم في الأسواق الأميركية والأوروبية، وبات الناس يتطلعون إلى بديل استثماري يحافظ على قيمة مدخراتهم، وبالتالي، أصبح اقتناء الذهب بمثابة موضة.

وقد ارتفعت العقود الآجلة للذهب تسليم شهر ديسمبر خلال الأسبوع المنتهي في 22 سبتمبر 1. 1 % في بورصة نيويورك التجارية، لتسجل ارتفاعا قيمته 479 دولارا للأونصة، ومثل هذا المكسب مفاجأة للمحللين الذين استطلعت مؤسسة بلومبيرج آرائهم في 22 سبتمبر الماضي والذين توقعوا تراجع سعر الذهب . وتشكل تكاليف الطاقة المرتفعة محفزا رئيسيا على ارتفاع التضخم، وما يتبعه من زيادة اهتمام المستثمرين باقتناء الذهب.

* أسعار الطاقة المرتفعة

ووفقا للجنة الطاقة في كاليفورنيا، قفز متوسط سعر الجازولين إلى ما يزيد على 3 دولارات للجالون، في أعقاب إعصار كاترينا الذي ألحق الضرر بمصافي التكرير وأغلق منصات الإنتاج الموجودة على ساحل خليج المكسيك. ومن المقدر أن يصل المتوسط السنوي لسعر الغازولين بعد استبعاد أثر التضخم خلال العام الجاري إلى 39. 2 دولار للجالون. وهو يعد أعلى سعر منذ عام 1981.

وقال بهاراث ريكابيلي المحلل في مؤسسة Angel Commodities Broking in Hyderabad, India. إن الذهب حصل على دعم كبير من أسعار النفط، ونحن ننصح عملاءنا على اقتناء المزيد من الذهب للتحوط من ارتفاع معدل التضخم. وقال ليونارد كابلان رئيس مؤسسة Prospectors Management LLC إن التضخم يثير القلق والخوف، وما على الشخص سوى أن ينظر إلى تكليف معيشته .

وفي تحليل معنون تحت اسم «من يكبح الذهب عن التراجع»، تناول المحلل بود كونارد العلاقة التاريخية بين الذهب والنفط، حيث خلص إلى أن سعر الذهب يقتفي تاريخيا سعر النفط بشكل وثيق. وأن سعره يجب أن يتجه نحو الصعود، إذا ما أتبع نمط سعره التاريخي في علاقته مع النفط. وأنه يمكن العثور على أدلة مدعمة لهذا الاستنتاج في العديد من السلع الأخرى التي صعدت أسعارها خلال العامين الأخيرين على نحو فاق صعود سعر الذهب.

* السلع تجني مكاسب

وفي هذا السياق، قفزت أسعار السلع في سبتمبر الماضي 1 % لتسجل أعلي متوسط شهري منذ نوفمبر 1980، وغذى هذا الصعود المكاسب التي جناها الغاز الطبيعي والسكر وعصير البرتقال. إذ قفز مؤشر The Reuters-Jefferies-CRB Index الذي يضم 19 سلعة خلال سبتمبر الماضي حوالي 55. 3 نقاط ليصل إلى 97. 332 نقطة، بالمقارنة مع 8. 334 نقطة في 30 نوفمبر 1980. وقفز المؤشر 19% خلال هذا العام، ولامس في 2 سبتمبر أعلى مستوى سعري على مدى 24 عاما.

وجاء هذا الصعود نتيجة لارتفاع الطلب على المواد الخام كالوقود والمعادن من قبل الصين والولايات المتحدة، وأعرب هانز جونتير ريديكير محلل العملات في بنك BNP Paribas عن اعتقاده بأن الناس تتطلع إلى بدائل في ظل فقدان أغلب العملات جاذبيتها نتيجة لصعود توقعات التضخم، وانه في الوقت الذي تتراجع فيه الأسعار السوقية للسندات، يحقق سعر الذهب قفزات، وتوجد علاقة ارتباط ما بين الأمرين.

* تراجع ثقة المستهلك

وقاد ارتفاع أسعار المستهلك في الشهر الماضي إلى أكبر انخفاض في مؤشر ثقة المستهلك على مدى ربع قرن، وذلك بناء على استطلاع للرأي نشرته جامعة ميتشيغان في 30 سبتمبر، وهو ما يؤدي إلى انجذاب المستثمرين نحو الذهب وعبر عن ذلك آديسون ويجين مؤلف كتاب «نهاية الدولار» أنه في الأوقات التي تفقد فيها الأوراق النقدية قيمتها، يبدأ الناس في النظر إلى الذهب كوعاء آمن للاستثمار.

ولقد ضاعف مديرو صناديق التحوط وكبار المضاربين الآخرين صافي مراكزهم «الطويلة» أي شراء عقود الذهب توقعا لارتفاع السعر، مع زيادة رهاناتهم على ارتفاع السعر، وقفزت مراكزهم الطويلة خلال الأسابيع الثمانية الماضية إلى أعلي مستوي منذ 1983 حيث قفزت المراكز الطويلة لعقود الذهب الآجلة بنسبة 5 % في الأسبوع المنتهي في 27 سبتمبر،

وأعلنت اللجنة الأميركية للتداول على عقود السلع في 10 سبتمبر أن مراكز المضاربة الطويلة فاقت المراكز القصيرة أي بيع الذهب تخوفا من انخفاض السعر بمقدار 100. 166 عقد ذهب. أي بزيادة 7974 عقد عن الأرقام التي أعلنتها اللجنة في الأسبوع السابق عليه،

ويتكهن بعض المحللين بأن سعر الذهب قد يتراجع، لأن الأسعار قد تغري المستثمرين على البيع لجني المكاسب. وقال جيمس مور كاترين المحلل في مؤسسة TheBullionDesk.com إن الذهب قد يتجه نحو الانخفاض ويسجل 462 دولاراً للأونصة، مع اتجاه المستثمرين لجني مكاسب من الأسعار المرتفعة.

كتب مجدي عبيد