الطابع والتعبير في فلسفة التصميم المعماري

الطابع والتعبير في فلسفة التصميم المعماري

التصميم هو عملية عقلية منظمة نستطيع بها التعامل مع أنواع متعددة من المعلومات وإدماجها في مجموعة واحدة من الأفكار والانتهاء برؤية واضحة لتلك الأفكار. وعادة تظهر هذه الرؤية في شكل رسومات أو جدول زمني والتصميم يتضمن الطريقة والمنتج في نفس الوقت.

* عمل الرسومات أم عمل المباني ؟

يظهر التصميم المعماري في صورة رسومات الهدف منها التعبير عن أفكار المصمم وتصوراته عن المشروع أو المبنى المطلوب بنائه. وقد تنتهي مهمة المصمم عند هذه المرحلة لأسباب عديدة قد يكون منها عدم توافر تمويل لتنفيذ المشروع أو الاستعانة بشخص آخر لتنفيذ المشروع أو تغيير المهندس لخلافات شخصية أو أي سبب آخر.

ويخطئ الكثيرون في الاعتقاد بان مهمة المصمم هي إنتاج الرسومات. فهذه هي الخطوة الأولى فقط والتي تم التعارف عليها للبدء في المشروع وهي بالطبع مفيدة في توفير التصور الكامل للمشروع قبل البدء فيه حتى يمكن مراجعته مع العميل او المالك او المستعمل للوصول إلى أفضل التصورات قبل البدء في تنفيذ المشروع.

فالهدف من التصميم المعماري ليس الرسومات بل هي المنشآت التي يتم تصورها مقدما والتعبير عنها في صورة الرسومات المعمارية.

* المنتج أم الطريقة ؟

و المنتج النهائي سواء كان المبنى أو الرسومات يتم من خلال طريقة او استراتيجية محددة تضمن الوصول إلى الهدف المطلوب بطريقة سليمة ودقيقة.

حتى وقت قريب اعتمد المصممون تماما على الطرق المدركة بداهة والقدرة التصميمية على أنها إحساس داخلي غير قابل للتعليم. وكان تأثير مدرسة البوزار للتصميم بباريس كبيرا في هذا المجال حيث اعتبرت أهم المؤثرات على التصميم هو المنتج النهائي للتصميم. وتحت نظام البوزار كان الطلبة يتلقون وصف للمشروع يأخذونه للمراسم للعمل عليه ويتقابلون مع أساتذتهم بصورة رسمية عندما ينتهون من الرسومات حيث ينتقدون من خلال لجنة تحكيم.

وكانت المشاريع تعطى درجات حسب زيادة التعقيد والتركيب في الحلول. وكان المشروع يوصف كإنتاج لحل وليس كحل لمشكلة. وتتطور المشاريع التي يقوم بها الطالب حسب رضا معلمه عنه في كل مرحلة ومن فترة إلى أخرى يطلب منه تقديم رسومات رسومات قياسية لتطوير مهارات الرسم والقياس لديه و«الاسكيز» أو المشروع السريع لتطوير قدرات التصميم السريع لديه. كان الاهتمام التعليمي على المنتج وليس الطريقة.

و قد أدي هذا الاتجاه إلى إهمال طويل لدراسة طرق ونظريات التصميم المعماري والوصول إلى علم للتصميم. فقد اعتبر العديد من المعماريين أن التصميم المعماري هو خبرات تنتقل من خلال مراسم التصميم وبدون الحاجة للتعبير عنها وتسجيلها. ويتم داخل المرسم مناقشة التصميمات المقدمة من الطلبة وتوجيههم إلى مشاكل وأخطاء قد يراها المعلم.

ويجد العديد من الطلبة أنفسهم في حيرة أمام تضارب آراء المعلمين. ويتم إقناع الطلبة أحيانا بالمنطق السليم وأحيانا بالشخصية الجذابة للمعلم وأحيانا أخرى بالأمثلة والصور بآراء متضاربة ومختلفة كل الاختلاف. ويجد الطالب نفسه مضطرا لتقبل وتنفيذ آراء غير مقتنع هو بها شخصيا كل الاقتناع.

* علم التصميم

علم التصميم هو دراسة الطرق والأسس والتطبيقات والإجراءات المتبعة في التصميم بصفة عامة. والاهتمام الأساسي لها يكون في «ما هو التصميم» و«كيف يمكن تطبيقه».

وهذا الاهتمام يحتوى على دراسة كيف يعمل المصممون وكيف يفكرون وكيفية وضع هيكل مناسب للعملية التصميمية وتطوير التطبيقات والتقنيات والإجراءات لطرق تصميم جديدة والتفكير في طبيعة وامتداد المعلومات التصميمية وتطبيقاتها على مشاكل تصميمية.الأبعاد المختلفة للتصميم المعماري وهي:الطبيعية/الإنسانية/ الاجتماعية/ الثقافية/ السياسية/ الاقتصادية/الدينية.

أما المراحل الأساسية للتصميم المعماري فهي برنامج التصميم

وأول مهمة من مهام المهندس المعماري هي إعداد برنامج التصميم وهى في الواقع أهمها. هناك عدد من الأساسيات الواجب تطبيقها لوضع برنامج للتصميم سواء كان التصميم مركب مثل مستشفى أو بسيط مثل مسكن.

* خطوات وضع البرنامج

* تحديد الأهداف

* جمع وتحليل الحقائق

* إظهار واختبار الأفكار

* تحديد الاحتياجات

* تقرير المشكلة

* المشكلة التصميمية

يعرف المصممون غالبا بالحلول التي يقدمونها وليس بنوع المشاكل التي يتعاملون معها. فالمصمم الداخلي يتعامل مع الفراغات الداخلية والمهندس المعماري يتعامل مع المبنى كله. وفي الواقع العملي لا يلتزم أي منهم بتلك المحددات. ويعتقد البعض خطا ان مجالات التصميم تختلف بمدى صعوبة المشاكل التى يتعاملون معها في حين ان الصعوبة معامل كيفي يختلف الإحساس به من شخص إلى آخر.

و من الصفات الأساسية للمشكلة التصميمية انها غالبا ما تكون غير مرئية بل يجب البحث عنها. ففي المشكلة التصميمية لا نجد الهدف ولا عوائق الوصول إليه واضحة.

ومن الأساليب التي اقترحها ايبرهارد سنة 1970 هو اللجوء إلى «تصعيد أو تبسيط» المشكلة لرؤيتها بصورة مختلفة. وتتسم المشكلة التصميمية كذلك بصعوبة تحديدها ومعرفة نوعية المعلومات مناسبة لها.

* مستويات مجالات التصميم البيئي

تتسم المشكلة التصميمية بوجود ابعاد متعددة لها. من النادر ان نقوم بتصميم شئ له هدف واحد محدد. فالمصمم يتعامل مع التصميم لتأدية وظيفة مطلوبة وان يكون شكله جميل وان تكون تكلفته مقبولة ووسائل تصنيعه متاحة والمواد المصنوع منها متوفرة مع التفكير في متانته وصيانته.

فعلى سبيل المثال يتضمن تصميم شباك لغرفة عناصر متعددة تؤثر جميعها على التصميم. فالشباك ينبغي ان يوفر الاحتياجات الفيزيائية والنفسية لمستعمل الغرفة.

* المحددات التصميمية

يشارك في وضع المحددات التصميمية العديد من الأشخاص منهم المصمم والمالك والمستعمل والمشرع. ويقوم المصمم بوضع محددات يراها هو مناسبة للمشكلة التصميمية. وتتسم تلك المحددات بقابليتها للتغيير ومرونتها حيث يستطيع المصمم ان يغيرها وقتما يشاء. ويقوم المالك بوضع محددات لما يريده من التصميم.

وفي العديد من المشروعات يكون المالك مستثمر يريد الوصول إلى أقصى انتفاع من أمواله. أما مستعمل التصميم فربما يكون المالك نفسه أو شخص أو أشخاص آخرون.

وفي بعض الأحيان يستطيع المصمم معرفة مستعمل التصميم ومعرفة المحددات التي يريدها من التصميم. وأخيراً هناك المشرع والتشريعات المحددة للتصميم من قبل المجتمع والدولة. وغالبا ما تكون تلك التشريعات ملزمة للجميع وهى جامدة غير قابلة للتغيير في اغلب الأحيان.

*غاية المهندس

غاية المهندس المعماري العربي هي غاية سامية هدفها الوصول إلى عمارة عربية سوية لها شخصيتها وطابعها، رغم أن هذا المهندس المعماري يقع تحت تأثير تيارين متناقضين احدها يشده نحو التمثل بالعمارة الغربية المعاصرة والآخر يربطه بالتراث المعماري العربي.

و قبل الخوض في التفاصيل الفلسفية علينا أن نحدد لب المشكلة وتحليل الخلاف الحاصل على الساحة المعمارية وأسبابه: الخلاف بين التيارين الحديث والتراث تعود لأسباب: (سياسية- اجتماعية اقتصادية- تكنولوجية ثقافية).

أن مفهوم الفن في العصر الحديث لا يرتبط كثيراً بعلاقة « الفن والجمال» كما كان سابقاً وإنما بعلاقة « الفن والتعبير». مع بداية القرن العشرين كانت الحرب العالمية الأولى التي انتهت بسقوط الخلافة الإسلامية وسقوط البلاد العربية في براثن الاستعمار الغربي مما جعل المثقف الشرقي يشك في قوة تراثه وحضارته التي انهزمت أمام التكنولوجيا والعلم الغربي.

مما ساعد على تسارع السباق باللحاق بالركب الغربي تاركين خلفهم تراثهم ولغتهم ودينهم ومعتقداتهم وأزياءهم وفنونهم.. فلما أدرك المثقفون العرب زيف السراب الغربي وان العيب فينا وليس في تراثنا رجعنا القهقرى لنبحث عن هذا التراث فلم نجده لأننا أضعناه حينما تركناه. والحقيقة أن للغرب فضل كبير في لفت انتباهنا إلى تراثنا.

إن الكلام عن التراث والعمارة الإسلامية لا يزال كلاماً عاطفياً وسطحياً. إن الرجوع إلى التراث لا يكون في الحجلا الأبلق ولا في استعمال القوس أو الدائرة. إن التراث هو في نمط الحياة. وطالما هذا المجتمع يتبع الأسلوب الغربي فلا بد من محاكاة العمارة الغربية. إن المدينة العربية كانت تعتمد على أسلوب واضح في الحياة والمعيشة.

مدينة القدس القديمة مثلاً لا تزال مثالاً قائماً لإمكانية خلود المدينة العربية الإسلامية رغم الظروف التاريخية والسياسية المتغيرة: فمدينة القدس لا تزال مدينة لا تعتمد على السيارة واعلاها هم من المشاة. وفيها مجارٍ قديمة لا تزال تعمل والعيقة بين أهلها يعتمد التعاون ويجمعون الماء في الآبار. وفيها الباعة المتجولون والحرف التقليدية.

*صمود معماري

إن التعلق بالمكان واسترجاع الصور الصامدة في المخيلة لهي عوامل صمود الفنانين من معماريين ورسامين لجلاء الصور الضبابية واستشفاف المشاهد الخالدة التي ميزت الذاكرة بصورة فريدة لمن تجول في القدس ليحمل في طيات بصيرته من صفات فنية وجمالية لا تلتحم مع مناظر الدنيا ومدنها مهما انتقل وسافر ومكث وتنقل.

إن القدس هي المكان الذي يجمع في رحابه أزمنة المكان الذي يصبح زماناً. فالطرقات القديمة والملامح العريقة للمدينة تتداخل في الدهر كما لا تتداخل في مدنٍ كثيرة من مدن العالم مهما كانت من مدن عظيمة عربية وشرقية وغربية.

* خصوصية التصاميم

إن خصوصية المكان في القدس هو تداخل حي واتصال مستمر بين الزمان والإنسان. إنه مكان « مقدسي» لا هو روماني أو بيزنطي ولا هو أموي أو عباسي ولا هو أيوبي أو مملوكي ولا هو تركي أو عبري. إن الفراغات والكتل والحيازات المعمارية نمت فيها نمواً عضوياً اتحدت فيه وتواصلت الأجيال المعمارية. هذا هو التراث الاتصال والتواصل.

. أما التقطع والانفصال يقود إلى الضلال والتيه والى الحوار والجدل الثقة بالنفس واحترام الذات وتفهم الواقع هو المسار الذي يقود إلى اكتشاف هوية جديدة لا تق بهاءً عما سبق. علينا أن نتذكر أن الفن الحديث الذي ظهر بعد الحرب الأولى لما كان لولا شمال أفريقيا ولولا الجوامع الإسلامية والمدن الشرقية.

إن نيكاسّو لجأ إلى الفن الأفريقي ليتعلم الاختزال وكاندنسكي إلى الخط العربي وموندريان إلى الزخرفة الإسلامية وقبلهم ذهب ديلاكوروا إلى الجزائر ومايتيس إلى تونس ومن هذه الكنوز غرفوا وجدّدوا. فالتكعيبة اعتمدت على الزمان الطفولي والتجريد على الزمان الصوفي.

عندما ننظر إلى الفن الغربي يجب أن ننظر في أعماقه.. في تاريخه وخباياه وزواياه الخفية. وعندما ننظر إلى العمارة يجب أن ننظر إلى المدينة. العمارة ليست شيئاً ذاتياً «Object» انما العمارة هي عملية « Process» وهي تفاعل مستمر بين الإنسان والمكان، المكان والزمان، الزمان والثقافة، الثقافة والناس. فالعمارة فن والفن هو لغة تعبير هدفه الإثارة لتفعيل الإبداع من اجل مغزى وهدف.

* تطور طرق التصميم المعماري

في بداية الستينات توافرت النظم الهندسية والبحوث التطبيقية ونظريات المعلومات والرياضيات الحديثة والحاسبات لمطوري نظريات التصميم في أشكال متطورة وساعدت العديد من الأحداث على ظهور طرق التصميم من هذه المصادر كمجال متخصص.

* 1950 مالدونادو

و ظهر ذلك في بداية الخمسينات في مدرسة أولم للتصميم Ulm School of Designحيث حاول مالدونادو وآخرون إرساء قواعد «علم الإنسان التطبيقي» الذي يجعل المصمم جزء متكامل مع المجتمع ويتعامل مع مراكز الحضارة الصناعية حيث تقوم الصناعة باتخاذ القرارات الهامة التي تؤثر على الحياة اليومية.

* 1956 ماكس بل

حاول ماكس بل وزملاؤه تحرير أنفسهم من سيطرة أسطورة مدرسة البوزار وحاولوا الوصول إلى طريقة أكثر حزما وتتبع الاتجاه العلمي. وتم استبدال الأحاسيس والفن بالطرق التحليلية والعلمية.

* 1962 موريس اسيمو

قدم موريس اسيمو كتاباً بعنوان «مقدمة للتصميم» حيث يصف التصميم كأنساق معلومات التي تتضمن الجمع والمعالجة والتنظيم الإبداعي للمعلومات المتعلقة بالمشكلة. ويصف طرق الوصول للقرارات المثالية وتوصيلها واختبارها وتقييمها. ولطريقة موريس اسمو خاصية التفاعل حيث يتم غالبا أثناء العمل ظهور معلومات جديدة ورؤية جديدة مما يتطلب العودة لخطوات السابقة. وطريقته مأخوذة بوضوح من النظم الهندسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات