بينما تبحث شركات المقاولات عن أساليب جديدة وتبتكر أخرى لجعل تكلفة المسكن(التي ارتفعت إلى أكثر من 100% مؤخرا) أقل من جهة ولكي تديم عملها من جهة أخرى في ظل أسعار بناء مرتفعة وإشارات قوية على ارتفاع أسعار مواد البناء نفسها.
يأتي مالك البيت أو الباحث عن سقف ليعيش فيه مع عائلته في أحيان كثيرة ليضرب كل تلك الأساليب المخفضة للكلفة عرض الحائط، خاصة عندما يكون مالك البيت متأثرا بآخر «صيحات» التصاميم المعمارية التي تخرج بين الحين والآخر بأشكال لمساكن وبيوت اقل ما يمكن وصفها بأنها رائعة وأكثر ما يميزها انها مكلفة للغاية.
وقد تناول هذا الموضوع الباحث عزت عبد المنعم معلم في قسم العمارة كلية الهندسية جامعة أسيوط في ورقة مقدمة لندوة الإسكان الثانية بعنوان تأثير الأبعاد الاجتماعية على نمط وتكلفة المسكن.
والتي تناقش فيها الأفكار الرئيسية المسيطرة للحصول على المسكن فحجم، ونمط المسكن هو انعكاس مباشر للبعد الاجتماعي، هناك إمكان التيسير في الإسكان مع الاحتفاظ بقدرته كوسيلة تعبير اجتماعية من خلال مجموعة من المفاهيم.
هناك مجموعة من الحقائق لا يمكن تجاهلها كتيسير الحصول على مسكن ولكن مع الاحتفاظ بقدرته على التعبير الاجتماعي لأن المسكن هو نتيجة لعادات وتقاليد ذات جذور ضاربة في عمق التاريخ ولا يمكن تجاهلها عند الحديث عن تصميم المسكن كما أن أي محاولة لإلغاء الفروق الشخصية بين المستعملين.
وتقديم نموذج موحد لابد وأن تصطدم بالتطلعات الفردية وتواجه برفض أو عدم رضا يظل موجوداً حتى تتاح الفرصة للتغيير لأن المسكن هو أحد أهم وسائل التعبير التي يستخدمها الأفراد لإظهار صفاتهم كالكرم مثلاً ومعتقداتهم الفكرية وإمكاناتهم الاقتصادية.
وهو ما ينعكس على تصميم مساكنهم وتجهيزها من أهم الأدوات التي تستخدم في التعبير من خلال المسكن كل من الحجم والتشطيبات والتجهيزات وهي العناصر الثلاثة التي ترفع من التكلفة الابتدائية للمسكن وتصعب من فرصة الحصول عليه كما أن عاملي المسطح والتجهيزات لهما تأثير كبير على تكاليف التشغيل والصيانة الدورية.
وفي ضوء ذلك يجب إقناع الأفراد بالتخلي عن التقاليد البالية غير ذات الأساس الشرعي كالمساحات الإضافية دون حاجة فعلية لها والتي تنعكس على تكلفة المسكن والصيانة الدورية .
كما يمكن التخلص من المساحة كتعبير عن المكانة والصفات الشخصية باستخدام أنماط وأفكار تصميمية تبرز ذلك وبالنسبة لمستوى التشطيبات كتعبير اجتماعي يمكن استبدال المواد المستوردة غالية الثمن بأخرى محلية وفي ذات المستوى والجودة وتكلفة أقل.
ومن الممارسات التصميمية والتنفيذية التي ترفع تكلفة بناء المساكن استنتج للدكتور إبراهيم بن راشد بن سعد الجوير في بحثه المقدم لندوة الإسكان الثانية بعنوان دور الممارسات التصميمية والتنفيذية المكلفة في رفع القيمة النهائية لبناء المساكن بمدينة الرياض بن راشد مجموعة من الممارسات مكلفة سواء منها التصميمية أو التنفيذية قد ساهمت في زيادة التكلفة النهائية لبناء الفيلا. الأمر الذي لا يستطيع الكثير من الملاك إكمال البناء بمبلغ القرض مما يضطره للدين لإكمال البناء أو البيع. ومن أهم الممارسات.:
* المبالغة
* وترجع إلى أسباب تنفيذية وتصميمية ويكون مسؤولاً عنها المصمم والمقاول وهي تحدث بنسبة 100 بالمئة وتؤدي إلى زيادة في التكلفة نظراً للزيادة في كمية الدفان المطلوب.
* كثرة الأبواب
* وترجع إلى أسباب تنفيذية وتصميمية ويكون المسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 100 بالمئة وتؤدي إلى زيادة التكلفة نظراً لزيادة عدد الأبواب بدون حاجة ضرورية وماسة.
* بناء السور
* وأسبابها تنفيذية والمسؤول عنها هو المقاول وتحدث بنسبة 100 بالمئة وتؤدي إلى زيادة في التكلفة وضياع جزء من الأرض وتقليل عرض الارتدادات.
* استخدام بلوك اسمنت بعرض أكثر من 10سم في الحوائط الداخلية وأبوابها.
* أسبابها تصميمية وتنفيذية والمسؤول عنها المصمم والمقاول وتحدث بنسبة 100 بالمئة وتؤدي إلى زيادة في التكلفة نظراً لزيادة عروض البلوك وأعمال النجارة والأبواب وضياع جزء من مساحات الفراغات الداخلية.
* تكبير عروض حلوق الأبواب
* وأسبابها تصميمية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 100 بالمئة وينتج عنها زيادة التكلفة نظراً لزيادة مساحة الأبواب.
* استخدام الأعمدة الدائرية أو بزوايا على شكل سماعة تليفون في أركان المبنى وأسبابها تصميمية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 100 بالمئة وتؤدي إلى زيادة في التكلفة نظراً لكبر مساحة العمود والحاجة إلى تفصيل تخشيبه له عند منجرة وهي تخل بشكل الفراغ الداخلي وتعيق الحركة والفرش.
* تصغير فتحات النوافذ
* وأسبابها تصميمية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 75 بالمئة زيادة في التكلفة نظرا لزيادة في عدد النوافذ وتحجب التهوية والإضاءة
* تقويس أعتاب للنوافذ والأبواب
* وأسبابها تصميمية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة75 بالمئة وتؤدي إلى زيادة في تكلفة الشبابيك والألمونيوم بسبب التقوية اعتقاداً أنها تضيف أعباء جمالية على واجهة الفيللا.
تركيب حديد حماية على فتحات النوافذ في الدور الاول
* وأسبابها تنفيذية والمسؤول عنها المالك وتحدث بنسبة 95 بالمئة وترجع إلى نواح أمنية مبالغ فيها وخاصة في النوافذ الصغيرة لان كل شباك حديد اقل من متر مربع يحسب مترا مربعا.
* المبالغة في صافي ارتفاع الفراغات
* وأسبابه تصميمية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 100 بالمئة وفيها تكلفة زائدة في عدد البلوك الأسمنتي ومساحة اللياسة والدهان.
* تبليط الأرضيات
* وأسبابها تنفيذية والمسؤول عنها المالك وتحدث بنسبة 100 بالمئة وزيادة في كمية البلاط ونقله وتركيبه مع العلم أن الأرض تفرش بالموكيت أو السجاد.
* وضع سترة للمبنى بارتفاع 1,8م
* أسبابها تصميمية والمسؤول عنها المصمم وتحدث بنسبة 100 بالمئة وتؤدي إلى زيادة التكلفة لزيادة عدد البلوك الأسمنتي ومساحة اللياسة والدهان لأسباب الاستخدام وفي الحقيقة لا يتم استخدام الأسطح إلا في الدش وخزانات المياه.
* عمل بروز غير ضروري وخاصة في السترة والملاحق العلوية
* وأسبابها تصميمية وتنفيذية والمسؤول عنها المصمم والمقاول وتحدث بنسبة 85 بالمئة وتؤدي إلى زيادة التكلفة نظراً لزيادة الساحات.
استخدام الأسقف المائلة المغطاة بالقرميد
* وأسبابها تصميمية وتنفيذية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 75 بالمئة وتؤدي إلى زيادة في التكلفة نظراً لزيادة المساحات لان هذا الأسلوب مناسب في الدول التي تهطل بها الأمطار أو الثلوج وليس في مدينة الرياض.
استخدام الكرانيش على السترة
* وأسبابها تصميمية وتنفيذية والمسؤول عنها المصمم والمالك وتحدث بنسبة 100 بالمئة وترفع التكلفة نظراً لزيادة المساحات.ومن الواضح أن هذه الممارسات تبدو قليلة للمالك أثناء فترة التشييد ولكن بتراكمها تصبح تلك المبالغ كبيرة جداً وتمثل 44,5 بالمئة من قيمة القرض.
وهنا تثور مشكلة أن هذه الزيادة يتحملها ذوو الدخل المحدود الذين هم أكثر المستفيدين من صندوق التنمية العقارية ويجب عدم المبالغة في هذه الممارسات للحد من تكلفة غير مبررة.
ويقول باحث وخبير في الشئون الاقتصادية الدكتور عبدالله بن أحمد المغلوث: إن استدامة المسكن تعد جزءاً من قضية الاستدامة العالمية التي تشغل الكثير من العلماء والباحثين في كافة المجالات وبخاصة المشتغلين بقضايا الحفاظ على البيئة وتوازنها التي لا تحقق إلا باستدامة كافة إشكال التنمية وبخاصة التنمية السكنية التي توفر احتياج الإنسان من المسكن الملائم المريح .
والتي تمثل نسبة كبيرة من التنمية ومن هذا المنطلق قدم إيهاب محمود عقبة أستاذ مساعد قسم العمارة كلية الهندسة بالفيوم جامعة القاهرة بحثه حول موضوع المبادئ التصميمية المحققة للمسكن المستدام والمقدمة لندوة الإسكان الثانية لمدينة الرياض ومساهمة استدامة المسكن في خفض التكاليف.
ويعرف المسكن: انه مقابلة احتياجات الحاضر دون تدمير الموارد أو الحد من قدرات أجيال المستقبل في مقابلة احتياجاتها وذلك خلال التخطيط طويل المدى والإدراك الواعي لطبيعة الموارد الفانية .
ويعد تحقيق الاستدامة في مجال إنشاء المباني في غاية الأهمية حيث يستهلك هذا النشاط كميات كبيرة من الطاقة والموارد أكثر من أي نشاط اقتصادي آخر ويمثل المسكن اكبر استثمار اقتصادي للمال بالنسبة للأسرة كما انه يمثل أيضا اكبر مستهلك للطاقة والموارد لديها.
* البيت المستدام
وقال إن البعض قد يعتقد ان استدامة المسكن أو محاولة تحقيقها تتطلب تكلفة أعلى من تكلفة المسكن التقليدي إلا أن العكس هو الصحيح حيث إن معظم مبادئ التصميم المستدام للمسكن تعمل على خفض التكلفة.
وخاصة في المشروعات الكبيرة للتنمية السكنية حيث يؤكد مفهوم التنمية المستدامة دائماً على إن الاقتصاد في البيئة الأساسية والمواد المستخدمة للعمل على تيسير المساكن وتحمل تكلفتها بالنسبة لمستخدميها ويمكن ملاحظة ذلك فيما يلي:
* إن مبادئ التصميم المستدام تعمل على المدى الطويل على جعل المسكن ميسراً وموفراً لشاغليه طوال مدة عمر المبنى حيث تشمل كفاءة التعامل على الطاقة كلاً من معدل استخدام الطاقة وكذلك مصدر الطاقة المستخدم .
وحيث إن أنظمة الطاقة المستخدمة تتسم بالكفاءة فإن ذلك يعمل على تقليل الطاقة المستهلكة إثناء التشغيل كما أن المسكن المستدام يعتمد في مصادر الطاقة به على المصادر المتجددة منها كالطاقة الشمسية مما يساهم أيضاً في الحفاظ على الطاقات غير المتجددة بالمبنى ويقلل من حجم المعدات المستخدمة فيه وخاصة عندما يتكامل التصميم الشمسي على المبنى ولا ينفصل عنه.
* يدور التصميم المستدام للمسكن أيضا حول تحقيق كفاءة استخدام المواد والمياه سواء أكان ذلك في مرحلة الإنشاء أو التشغيل أو الصيانة اللازمة للمسكن مما يقلل من استهلاك هذه الموارد كما تشمل الكفاءة أيضا التوجه نحو مبادئ التدوير وإعادة الاستخدام والتي تعمل على التقليل من تكاليف استهلاك المبنى لهذه الموارد.
* يتضمن التصميم المستدام للمسكن استخدام المواد ذات العمر الطويل والتي تتسم بالقدرة على البقاء حيث يتم تجميعها بدقة لتوفير نظام قادر على البقاء والتحمل مما يعمل على تجنب التكلفة الناتجة عن استهلاك المواد التي تهلك سريعاً وتتسم هذه المواد بالقدرة على البقاء والتحمل بتكلفة اقل من صيانتها.
* يعمل الاتجاه نحو التصميم الإقليمي في المسكن المستدام على استهلاك موارد ومياه اقل مما يعنيه هذا الاتجاه من تكلفة بيئية واجتماعية اقل من المساكن الحديثة التقليدية وأضاف إن المسكن المستدام يتميز بالكفاءة في تكلفته في جميع المراحل وتتمثل العناصر الاقتصادية للمسكن المستدام في الآتي:
* تحقيق الوفر في تكلفة الإنشاء: من خلال مجموعة من الأساسيات التصميمية التي تخفض من تكاليف المواد والطاقة وتكنولوجيا التصنيع اللازمة لإنشاء المبنى.
* تحقيق الوفر في تكاليف التشغيل: من خلال مجموعة من الأساسيات التصميمية التي تخفض من تكاليف الأنظمة المختلفة المستخدمة داخل المسكن أثناء مرحلة التشغيل.
* تحقيق الوفر في تكاليف الصيانة على المدى البعيد من خلال استخدام المواد المحلية قليلة الحاجة للصيانة وذات العمر الطويل.
* تحقيق الوفر في تكاليف التغيرات المستقبلية.
* المباني الحديثة
وتتنوع المنازل وتأخذ أشكالا متعددة حسب الأذواق.. لكن الملاحظ أن الكثير من المنازل تتفق في معظم تفاصيلها.. وليس الأصل في التفاصيل الحاجة إليها لكنها متطلبات الموضة التي تفرض وجودها.. فالموضة الدارجة حاليا - على سبيل المثال لا الحصر - إيجاد قبو تحت المنزل.. وتغليف واجهة المنزل بالأحجار.. وفرش أرضيات الغرف بالرخام أو السيراميك... الخ.
والسؤال: هل نحن مقتنعون بهذه التفاصيل.. أم أن الأمر مجرد تقليد أعمى ينتج عنه - على المدى القريب - تغيير كل شيء؟!. يجب أن نفهم أن المنزل لا يخضع لمعايير الموضة وان كل جزئية فيه ترتبط بمدى الحاجة إليها حاليا ومستقبلا.. مما يعني تحديد حاجتنا قبل البدء في تنفيذ التفاصيل..
كما يجب أن نفهم أن ما يناسب غيرنا من تفاصيل وغيرها ليس بالضرورة يناسبنا... فوجود الشرفات المطلة على الشارع مثلا لا يناسب تقاليدنا.. فلم يكن لوجودها أي داع.. وظلت مرفأ للأتربة والغبار.. ولهذا لجأ الكثير إلى إغلاقها.. كما لجأ البعض الآخر إلى تعديلات أخرى في المنزل بسبب وجود تفاصيل لا تناسب وضعه الراهن.
* قلة وعي
إن عدم الاطلاع على الأمور المتعلقة بالمباني يعد السبب الرئيسي في بروز الظاهرة.. لأن الكثير من الناس لا يهتمون بقراءة الموضوعات المتعلقة بالمباني الحديثة.. ويعتمدون على التقليد بشكل أساسي..
ولهذا تجد الكثير من المنازل أو ربما تجد حيا بأكمله تشابه فيه المنازل بعضها البعض مع تغيير طفيف لا يتعدى الألوان أو البوابات فحسب. وليس التشابه في الشكليات الخارجية للمنزل فقط بل هناك أيضا تشابه في نوعيات الأصباغ الخاصة بالغرف والأثاث أيضا.. فالبعض يرى أثاثا لدى جاره فتجده في اليوم الثاني أحضره لمنزله.. وهكذا.
لذا يجب علينا أن نوسع مداركنا وأن ندرب أعيننا على تلمس جماليات المباني أينما توجهنا وأن نهتم بالتفاصيل أكثر من الشكليات باعتبارها الأساس.. وأن نقرأ الكتب المتعلقة بالمعمار والتي عادة تحمل كل التفاصيل عن كل جزئية يحتويها المنزل.. كما يجب أن نهتم بزيارة المباني القديمة والحديثة أثناء تجولنا داخل البلاد أو خارجها.. باعتبار الاطلاع السبيل الوحيد لتطوير مداركنا وأذواقنا.
أن من المهم أن يدرس كل واحد فينا ظروفه قبل أن يشرع في البناء أو التصميم.. فالبعض مثلا يوجد مسبح داخل منزله في وقت لا يستطيع فيه مراقبة أبنائه أثناء استخدامهم للمسبح فينتج عن ذلك غرقهم.
. وحدث هذا أكثر من مرة.. والبعض الآخر يضع سيراميك أو رخاما داخل المنزل في وقت يكون فيه كبار سن لا يستطيعون تحمل برودة السيراميك أو الرخام... وهكذا.
وبينما نحن ننظر إلى حاجتنا قبل كل شيء.. ويجب ألا يكون للموضة دور كبير في التصميم بل يجب أن يكون الدور الأكبر للأشياء التي نحتاجها فعليا.. كي لا نضطر إلى التغيير كل فترة.
وحينما تتوافر لأحدهم المادة للبناء فانه لم يكن ليفكر في البناء بناء على تصاميم رآها هنا أوهناك بل اعتمدت على مخطط اتفقت فيه مع العائلة كاملة.. وليجعل الأبناء أيضا يشاركون في اختيار ما يناسبهم من تصاميم خاصة.