في العام 1984، قدم المخرج والمنتج الإيطالي من الأصل المغربي بوغالب بوريكي عمله السينمائي البكر، تحت عنوان «خيط أبيض خيط أسود»، الذي تدور أحداثه كلها على أرض فلسطين المحتلة، حول مآسي الشعب الفلسطيني ومقاومته لمغتصبي حقوقه.
ومن أجل تحقيق العمل بأسلوب واقعي وروائي، ذهب بوغالب بوريكي وشريكه في كتابة السيناريو الايطالي الشهير سيرجو أميري إلى مواقع الأحداث وتعايشا معها وقدما قصة حقيقية على تماس مباشر مع عذابات الانسان تحت قمع وعنف الاحتلال، وتناقضات المفاهيم داخل المجتمع الإسرائيلي بسبب التنوع الثقافي الذي تكون فيما يسمى «الشتات».
فالجندي أسحق الذي عاش عذاب المعتقل النازي في بولونيا يختلف عن ديفيد الذي ينتمي إلى جماعة إسرائيلية متطرفة تدعى «غوش أمنيم»، وهو يصطدم باحساس سارة المتشبع بالديمقراطية، كونها آتية إلى «الحلم اليهودي» من الولايات المتحدة الأميركية.
انطلقت فكرة قصة الفيلم، من خلال زيارة مجموعة من الحجاج الإيطاليين إلى الأراضي المقدسة، وهناك تقوم ايسابيلا بزيارة لسوق الخضار فتلتقي البائعة أم سعد، التي تقول لها ايسابيلا أنا أعمل في مهنتك ذاتها، فأنت زميلتي»، ثم يدوي انفجار كبير فتصابان وتنقلان إلى المستشفى معاً، ومن ثم تستقبلهما أم سعد في منزلها في بيت لحم.
حيث تأتي من إيطاليا حفيدة ايسابيلا لزيارة جدتها فتلتقي بعيسى أحد أبناء أم سعد، فتقع في غرامه وترتبط معه بعد اكتشافه الحقائق للمأساة الفلسطينية. إلا أن عيسى يعتقل وتطرد خطيبته ومن ثم يتصاعد دور الجندية الإسرائيلية سارة التي ترفض سلوك الجيش الإسرائيلي حين يقوم باحتلال قرية عربية بالقرب من الخليل لتكوين مستوطنة إسرائيلية، فتتعرض للطرد من الجيش،
وهي تشارك سعد في عملية فدائية لانقاذ شقيقه عيسى من الاسر ويستطيعون التغلب على الفريق الاسرائيلي، ويتم التوصل إلى اتفاق باطلاق سراح السجين الإسرائيلي من دون اراقة دماء، لكن طائرة اسرائيلية تكتشف المجموعة الفدائية في صحراء النقب، وتتلقى أمراً من القيادة في تل أبيب بقصف الجميع وقتلهم، ولم ينج من هذه القنبلة سوى سارة التي تقول في نهاية الشريط «إلى متى يا رب، يبقى هذا العنف».
فالشريط المودع حالياً في أهم مختبر سينمائي في العالم شبخةدجدز في روما محفوظ كاملاً على أحسن حالة من الجودة كما تشهد الورقة المرفقة طياً، فقد عمل فيه أهم تقنيي وفنيي وفناني السينما الإيطالية والعالمية، فمدير التصوير كارلودي بالما الذي صور أهم أفلام المخرج الإيطالي ميكلنجاو أنطنيوني والأفلام الأخيرة للمخرج الأميركي وودي آلن.
بينما مهندس الديكور الذي بنى في الشريط مسجد الأقصى وكنيسة القيامة ومهد السيد المسيح وبناء سجن نفحا.. الخ من ديكورات الفيلم الفاخر فهو المهندس جان طيتو بوركيلارو الذي شيد ديكورات أفلام المخرج الإيطالي الشهير فليني، هكذا بالنسبة لملابس الشريط العسكرية والمؤثرات المرئية والصوتية واخراج المعارك فقد وضعوهم أكبر فنيي وتقنيي أهم الأفلام الأميركية.
مثل في هذا الشريط حوالي 15 ممثلاً أميركياً تعاقد وجاء بهم من أميركا من بينهم ممثلة الشريط الأميركي الشهير (سطار تريك تري) انتاج شركة باراموط الأميركية وهي الممثلة «روبين كورتيس» في دور سارة، و«تريشا نوويل» الشهيرة في دور القنصلة الأميركية بالقدس و«دينا كلاستون» الذي مثل أدواراً كثيرة من السينما الأميركية في دور «ديفيد».
أما بالنسبة للايطاليين فقد مثلت الممثلة الايطالية الشهيرة «دنييلا سيلفيريو» في الشريط دور «فاليريا» حيث مثلت مع المخرج الايطالي الشهير انطونيوني كبطلة في شريطه الحاصل على الجائزة بمهرجان كان السينمائي الدولي «ايدينطفكسيوني دي أونادونا»
أما دور ايسلافا الايطالية بائعة الخضر بروما فقد اسند إلى الممثلة الشهيرة «مريسامرليني» التي مثلت ما يزيد على مئة شريط سينمائي وكذلك بالنسبة للفرنسيين، فقد مثل الممثل المسرحي الشهير ايف مساد دور مدير المستشفى بالقدس والممثلة الفرنسية الشهيرة التي مثلت في فيلم «إل إطي مورتيري» مريا متشادو دور الراهبة «طريس».
أما الأدوار العربية فقد اسند دور عيسى لنور الشريف ودور أم سعد لأمينة رزق ودور منى لصفية العمري ودور زوج أم سعد الذي مات في مذبحة دير ياسين فهو المغربي «العربي باطما» ثم الممثل المغربي «حسن الجندي» الذي مثل في شريط «القادسية» للمخرج صلاح أبو سيف و «العربي الدغمي» الذي مثل في كثير من الأفلام العالمية.
وهكذا فالاسماء كثيرة في أدوار بطولية مهمة تعمل من شريط «خيط أبيض، خيط أسود» آية في الابداع الفني وأحسن عمل تقدم للجمهور العالمي يشرح للعالم وجهة النظر العربية في هذا الظرف الحرج الذي تعيشه أمتنا العربية.
* الإجماع العربي
أصدر في صالح الفيلم مجلس الوزراء الإعلام العربي قراراً لدعمه وكذلك الرئيس ياسر عرفات، كما أصدرت فيه اللجنة الفكرية لوزارة الثقافة السورية رأيها الإيجابي للدعم وكذلك ديوان صناعة السينما بالجزائر، وكذلك المركز السينمائي المغربي حيث ساعد المغرب بإعداد طائرات الهيلوكبتر ون 61 لتصوير آخر مشاهد الشريط.
* تكاليف الشريط
لقد كلف الشريط مما يزيد على 5,7 ملايين دولار بينما تقدر قيمته الحالية لو صور في أميركا عن مبلغ لا يقل عن 12 مليون دولار ونتيجة الظرف الحالي وما وصلت إليه القضية الفلسطينية من احتلال منذ أكثر من سنة صدارة وسائل الإعلام العالمية مما يجعل من الشريط الإنتاج السينمائي الوحيد المتوفر عالمياً والفراغ الاعلامي وتشوق جمهور السينما العالمي لمشاهدة فيلم عن القضية
خاصة في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، فتوزيع الشريط بأميركا وطرحه في خمسة آلاف قاعة سينمائية يمكن مشاهدته على الأقل من قبل عشرة ملايين يومياً، وهكذاً بالنسبة لدول الاتحاد الأوروبي وهذا معناه ان الدخل الاسبوعي لا يقل عن 70 مليون دولار.
أما بالنسبة لدخل الشريط في الوطن العربي والعالم الاسلامي فقط لو وزع بمصر والمغرب والجزائر وإيران واندونيسيا والباكستان فإنه لا يقل عن 20 مليون دولار.لذلك يمكن ان يحصد الشريط خلال الأشهر الثلاثة الأولى لتوزيعه مبلغاً لا يقل عن 150 مليون دولار، بالإضافة إلى دخله في البث التلفزيوني وتوزيع الفيديو عالمياً.
حسين قطايا