إذا أخذنا بعين الاعتبار التحديات والصعوبات التي طرأت خلال العقد الماضي على اقتصادنا، يمكن الخروج بنتيجة واضحة تؤكد أن العالم العربي يسير بخطى سريعة ليكون مركزاً اقتصادياً رئيسياً.
وبالرغم من أن هذه التحديات والتغيّرات حملت معها العديد من الجوانب الإيجابية والمساهمة الفعالة في رفع إنتاجية قطاعات الأعمال، يتزايد عدد المؤسسات التي تدرك مدى صعوبة المحافظة على معدلات نمو مرتفعة بدون الاستثمار في العنصر البشري لتوظيفه بشكل بناء. وتواجه الشركات العالمية والمؤسسات متوسطة وصغيرة الحجم على السواء مشكلات مشابهة تتمثل في تطوير كوادرها البشرية.
وتبين الأبحاث والدراسات أن ما يزيد على 50% من مخططات التطوير في الشركات والمؤسسات تحقق أقل من نصف فوائدها المتوقعة، ويرتبط هذا الخلل في الأداء بشكل مباشر بالعامل البشري. وفي هذا الخصوص باتت عملية الحصول على الخبرات المتخصصة والمحافظة عليها أساس تفوق المؤسسات وضمان مواصلة تحقيقها لمعدلات نمو منتظمة وثابتة.
وبالمقارنة مع غيرها من الأصول الاستراتيجية، تحتاج الموارد البشرية إلى عناية أكبر من قبل الإدارة، لكن لم يحظ هذا الشأن بالاهتمام الكافي حتى الآن. وفي حين كان الجانب الأكبر من تركيز المؤسسات سابقاً ينصب على الميزانية والربحية والنظم الإدارية، يتم التشديد حالياً على تطوير الموارد البشرية وطاقاتها، الأمر الذي يؤدي بشكل مباشر إلى تفعيل أداء المؤسسة.
ويمكن تعريف صناعة الموارد البشرية الناجحة اختصاراً بأنها القدرة على تحديد الكفاءات التي تستطيع خدمة الاستراتيجيات العامة وتطويرها والمحافظة عليها على المدى الطويل. وسرعان ما أصبح هذا المفهوم محوراً رئيسياً ضمن عمليات التخطيط الاستراتيجي بغية التوفيق بين العامل البشري والأهداف الاستراتيجية والرؤية الشاملة للمؤسسات.
وفي الوقت الذي يتجه فيه العالم نحو الاقتصاد المعتمد على المعرفة، تكتسب صناعة الموارد البشرية أهمية أكبر، حيث يعتمد هذا النمط الاقتصادي بشكل أساسي على العامل البشري للحصول على المعرفة الملائمة ومكاملتها ومعالجتها ونشرها.
وبات تأمين أطقم عمل عالية الكفاءة أكثر صعوبة بسبب تزايد تطلعات الموظفين ومتطلباتهم كالترقيات وبدلات العمل. ويتوقع المراقبون أن المنافسة في المستقبل لن تنصب على الحصة السوقية فحسب، بل أيضاً على جذب الكفاءات والاحتفاظ بها.
ولا يجري تمثيل الموارد البشرية العربية والوطنية، والإماراتية من بينها، بشكل مناسب في سوق العمل الإقليمية، الأمر الذي يفسح المجال أمام الخبرات الأجنبية ويحرم القوى العاملة المحلية من اكتساب المعرفة والخبرة اللازمتين. وبهذا الشكل يتم تهميش الفئات المواطنة عن شرائح القوى العاملة، مما سيساهم في خلق مشكلة كبيرة خلال السنوات المقبلة إذا ما استمر الأمر على هذا النحو.
وبالرغم من أن الاعتماد على المديرين الأجانب الأكفاء قد ساعد العديد من الأعمال، يفترض بالمؤسسات أن تركز بشكل أكبر على تدريب الفئات المواطنة لتلبية حاجات العملاء بصورة أمثل.
وقد يحمل الاعتماد على الأجانب فقط في بعض الصناعات، وبشكل خاص تلك التي تتعامل مباشرة مع المستخدمين النهائيين، تأثيراً سلبياً يتمثل بعدم كفاية عملية التواصل مع الزبائن. وذلك ناتج بشكل رئيسي عن الفوارق الاجتماعية واختلاف أنماط التصرف.
وبالرغم من أن المجتمع العربي يتميز بانفتاحه على الثقافات العالمية، فهو يمتلك أيضاً خصوصيات ثقافية لا يستطيع الأجانب فهمها وتقديرها قبل مرور عدة سنين. وهذا يعني أن التواصل مع العميل قد لا ينجح أو لا يتم تقبله في حالة عدم تقديمه بالأسلوب الملائم.
من جهة أخرى، يعتبر تطوير الموارد البشرية المواطنة النامية وتوظيفها وإعدادها لتواجه التحديات المقبلة أمراً لا غنى عنه. ولا تقتصر المشكلة على إحداث تغييرات جذرية وفرض قوانين جديدة ومحاولة تطبيقها بالقوة لتنظيم سوق العمل فحسب، بل في بناء نظام شامل متماسك لتطوير هذه الموارد.
ولهذا يعتبر التنوع في القوى العاملة أمراً ذا أهمية كبيرة بهدف خلق المزيج المطلوب من المعارف والكفاءات. وتشير كل هذه النقاط إلى أن الاستثمار في العنصر البشري هو مفتاح عملية التطور.
لذا يجب أن يشمل التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية كافة جوانب الاقتصاد ذات الصلة وأن يتضمن تفصيلاً عملياً دقيقاً مع تسليط الضوء على الإطار الأشمل للاقتصاد، وبشكل خاص في الحالات التي تكون فيها هذه الموارد محدودة وصعبة المنال.
ويتطلب الأمر تبني استراتيجيات صحيحة للتعامل مع الموارد البشرية ومشرفين مناسبين بهدف تحقيق التطور ودعم استخدام تقنيات أتمتة الإجراءات لتكوين شريحة متكاملة من الموارد البشرية تخدم الأهداف الاستراتيجية المؤسساتية بصورة دائمة.
وبشكل عام تلعب الموارد البشرية دوراً أساسياً في استراتيجيات التطوير، حيث يجب إعطاؤها الأولوية القصوى، ليس على المستوى الوطني فقط، بل على المستوى المؤسساتي أيضاً. ويجب التأكد من منح كل فرد فرصة متساوية للمشاركة الفعالة في خطط التنمية بعيدة المدى.
ـ المدير التنفيذي لشركة «إمباكتا»