في مواجهة تحدي الفقر والجوع الذي يهدد بعض دول الجنوب، وفي الوقت الذي تتسع فيه الفجوة مع دول الشمال حيث يزداد الفقراء فقراً بينما يزداد الأغنياء غنى! فإن «تخفيض نسبة شعوب العالم الذين يقل دخلهم اليومي عن دولار واحد»®. كانت واحدة من بين أهم القضايا التي تبتها القمة العالمية للأمم المتحدة عام 2000 والتي تعهدت بتحقيقها 191 دولة بحلول عام 2015.

وكانت القضية الثانية في الأهمية هي «تخفيض نسبة السكان الذين يعانون من الجوع إلى النصف»، وجاءت هاتان المسألتان في الهدف الأول تحت عنوان واحد في إعلان الألفية الثالثة على رأس الأهداف الإنمائية الثمانية التي تضمنها الإعلان بعنوان «القضاء على الفقر المدقع والجوع»®. وبعد القمة العالمية التالية التي شهدتها الأمم المتحدة في سبتمبر من هذا العام .

والتي جاءت مخيبة للآمال فيما يخص جهود مكافحة الفقر والجوع بعد مرور خمسة أعوام على إعلان الألفية، وقبل عشر سنوات من موعد الوفاء بتنفيذها.. يبدو من الضروري التساؤل عن مدى التقدم في تنفيذ إعلان الألفية.. وما هي مؤشرات تحقيق هذا الهدف الأول البالغ الأهمية فضلاً عن بقية الأهداف السبعة الإنمائية؟

وإذا كنا نعتبر الفقر هو مصدر الشرور كلها، والجوع في عالم الجنوب هو خطر استراتيجي على عالم الشمال، وعار على جبين الإنسانية والدول الكبرى بالذات وكل المتشدقين بالحديث عن حقوق الإنسان في القرن الحادي والعشرين.

. فإن بقاء مليار إنسان يعيش يومياً على أقل من دولار واحد في اليوم أي ما يساوي ثلاثة دراهم فقط، هو وصمة عار مخجلة ومؤلمة تفرغ التقدم من مضمونه وتجعله مجرد مبان صخرية بغير معان.

ولأن العالم خصوصاً في عصر العولمة وتلاشي المسافات، وتهاوي الحدود أصبحت قضاياه متشابكة، مؤثرة ومتأثرة، فمن الصعب أن يتجاهل الأقوياء والأغنياء من دول العالم مخاطر الفقر والجوع.

وإذا كان من بين مخاطر تدفق الهجرة غير الشرعية من الجنوب إلى الشمال، فإن واحداً من بين شروره هو صنع البيئة المفرخة للجريمة والعنف والإرهاب.

لقد حذرت منظمة «الفاو» قادة العالم في قمتهم الأخيرة من أن بقاء 843 مليون إنسان جائع في الدول النامية هو أمر غير مقبول.. وأن وجود مليار إنسان يعيش حالياً بأقل من دولار واحد في اليوم هو أمر غير أخلاقي.

وانتقد تقرير منظمة الأغذية والزراعة بطء المساعي العالمية للحد من ظاهرة الجوع والذي يبدو غير قادر بوتيرته الحالية على تحقيق الهدف الذي وضعه مؤتمر القمة العالمي للأغذية، خاصة فيما يتعلق بدول إفريقيا.وكانت قمة عالمية خاصة للغذاء عقدت عام 1996 وضمت 186 دولة قد تعهدت بخفض عدد الجياع في العالم خلال فترة أقصاها عام 2015.

ودعت منظمة «الفاو» في بيانها هذه الدول إلى احترام التزاماتهما والوفاء بتعهداتهما، كما حثت الحكومات ومؤسسات القطاع الخاص في دول العالم على ضرورة تمويل الأعمال والمبادرات التي تواجه مشكلة الفقر والجوع، وذلك من خلال زيادة مشروعات التنمية.

من جانب آخر حذر تقرير للتنمية البشرية في العالم أصدره البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة من تعثر الجهود الرامية إلى تخفيض عدد فقراء العالم إلى النصف، وهي القضية المتصلة بالقضية الأولى في إعلان الألفية وأشار التقرير إلى أن الوقت آخذ في النفاد أمام الدول الغنية للوفاء بوعودها بمساعدة الدول الفقيرة، وأنه على الرغم من مرور 5 سنوات على بدء المشروع الطموح لمكافحة الفقر، ازدادت بعض الدول فقراً!

وشدد التقرير على أنه مع تعثر برامج مكافحة الفقر وضعف المساعدات الإنمائية للدول الفقيرة، فإن بعض الدول الإفريقية لن تتمكن من الخروج من دائرة الفقر حتى عام 2165.

وفي الوقت الذي دعا فيه التقرير الدول الفقيرة للقيام بإصلاحات اقتصادية، أوجب على الدول الغنية تحسين شروط التجارة مع الدول الفقيرة، وضرورة زيادة المساعدات الإنمائية.

وأشار تقرير الأمم المتحدة إلى أن أكثر المناطق في العالم التي يتزايد فيها نمو الفقر هي أفريقيا جنوب الصحراء وقد تنامى فيها عدد الذين يعيشون في فقر مدقع على مدار العقدين الماضيين.

وبالرغم من إشارة التقرير إلى انخفاض الفقر المدقع في العالم من 40% إلى 21% إلا أن معدل الفقر المدقع في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء ارتفع بنسبة 42% حتى وصل إلى 47% في الفترة من 1981 إلى 2001.

إن جبهة الحرب ضد الفقر عموماً وفي هذه المنطقة الأفريقية خصوصاً هي الأولى بالحشد والكفاح، والمجتمع الدولي والدول الثماني الكبرى في العالم والدول الغنية والمتقدمة مدعوة إلى تكوين تحالف دولي للمشاركة فيها بكل جدية وإحساس بالمسؤولية الإنسانية، وذلك بالمساعدة على تنمية هذه البلدان وحل مشاكل الديون المتراكمة عليها وتحسين شروط التجارة معها.

وقد ثبت من التجارب التنموية لدول متقدمة مثل الصين والهند وكوريا وتايلاند أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية هي الوسيلة الوحيدة لمكافحة الفقر ورفع مستوى معيشة السكان، فلقد كانت هذه الدول في يوم ما من الدول الأكثر فقراً.. والمهم أن نبدأ بالجدية اللازمة وقديماً صدق من قال: «لو كان الفقر رجلاً لقتلته».