منذ بداية عملية التنظير لحركة المصارف الإسلامية قامت جهود الباحثين بالتنقيب في كتب الفقه الإسلامي بحثاً عن صيغ العقود الاستثمارية التي يمكن أن تصبح أساليب تمويلية ملائمة لعمل هذه المصارف، ثم حاولت تطويعها وتكييفها لتلائم طبيعة المتغيرات العصرية للاستثمار والعمل المصرفي الحديث.

وقد استمرت هذه الجهود بعد نشأة المصارف الإسلامية الخليجية، وظلت ملازمة لها فيما يعرف بفقه التنظير والمصاحب للتجربة، الذي امتد دوره بعد ذلك للبحث عن أساليب استثمارية أخرى جديدة، مع محاولة البحث عن حلول عملية للمشكلات التي واجهت الأساليب السابقة التي اعتمدت عليها هذه المصارف منذ بداية التجربة.

ويعد أسلوب الاستثمار المباشر من الأساليب الفاعلة في عمليات الصيرفة الإسلامية، حيث يقصد بالاستثمار المباشر قيام المصرف الإسلامي بتنفيذ المشروعات الاستثمارية بصورة كاملة بحيث يكون مسؤولاً عنها مسؤولية تامة، سواء من حيث دراستها أو تمويلها أو إنشائها أو إدارتها.

وقد امتاز تطبيق أسلوب المشاركة في المصارف الإسلامية في دول مجلس التعاون وذلك بالاعتماد على إمكاناتها وخبراتها الاستثمارية والفنية والمالية المتوفرة لديها.

وقد يستمر المصرف في تملك المشروع لفترة طويلة، وقد يقوم بعد فترة قصيرة بطرحه للاكتتاب العام بعد أن تتوافر له عوامل النجاح التي تساعد على تسويقه استثمارياً، ويحقق أسلوب الاستثمار المباشر للمصارف الإسلامية عدداً من المميزات والفوائد منها:

إبراز الطبيعة المميزة للمصرف الإسلامي كمؤسسة استثمارية: فعلى الرغم من أن المصرف الإسلامي يعتبر مؤسسة وساطة مالية، إلا أن طبيعته المختلفة تجعل من النشاط الاستثماري له هو النشاط الأساسي الذي يتوقف عليه وجوده من عدمه، ولذلك فإن قيام المصرف الإسلامي بتنفيذ استثمارات حقيقية مباشرة من خلال هذا الأسلوب سوف يبرز بصورة أكبر هذه الطبيعة الاستثمارية.

لأن المصرف سوف يقوم في هذه الحالة بالبحث عن الفرص الاستثمارية ودراسة جدواها وتقييمها والعمل على تنفيذها وإدارتها، وليس مجرد الانتظار إلى حين قيام المستثمرين بهذه الأعمال كاملة ثم يقتصر دوره على تقديم التمويل المطلوب لهم فقط بعد ذلك.

البديل الملائم في حالة ضعف الطلب على الأساليب الاستثمارية الأخرى التي يمكن أن تبرز هذه الطبيعة أكثر من غيرها: فقد تواجه المصرف الإسلامي بعض الصعوبات التي تحد من إمكانية اعتماده على الأساليب الاستثمارية القائمة على المشاركة في المخاطرة وفي الربح والخسارة، ـ كالمشاركة والمضاربة.

ـ والتي تبرز طبيعته الاستثمارية بصورة أكبر من بعض الأساليب الأخرى ـ كالمرابحة والبيع الآجل والإجارة ـ، مما يجعل المصرف مضطراً إلى الاعتماد على هذا الأسلوب لتوظيف موارده وعدم تركها عاطلة من ناحية، ولإبراز طبيعته الاستثمارية المميزة من ناحية أخرى.

استغلال بعض الفرص الاستثمارية الجيدة المتاحة: فقد تكون هناك بعض الفرص الاستثمارية الجيدة المتاحة أمام المصرف والتي تستطيع تلبية العديد من أهدافه سواء من حيث عامل الربحية، أو من حيث قدرتها على دعم مشروعات أخرى للمصرف.

. أو غيرها، ولا يجد من يرغب في تنفيذها عن طريق تمويل المصرف له، فيكون قيامه بتنفيذها عن طريق الاستثمار المباشر هو الأسلوب الملائم الذي يمكنه من استغلال هذه الفرص الاستثمارية وجني المميزات التي سوف تترتب على تنفيذها بصورة مباشرة.

المساعدة على تدعيم سوق الأوراق المالية الإسلامية: فاستخدام هذا الأسلوب يمكن أن يساعد على تدعيم سوق الأوراق المالية، عن طريق قيام المصرف بإنشاء المشروعات الاستثمارية الإسلامية وطرحها للاكتتاب العام.

مما يؤدي إلى زيادة حصة الأوراق المالية الإسلامية في البورصة، وهو أحد المطالب الرئيسية لتدعيم وتوسيع سوق الأوراق المالية، ويلبي هذا الأمر حاجة هذه المصارف الشديدة لوجود سوق مالية إسلامية كبيرة، تتيح لها متطلبات الجمع بين السيولة والتوظيف في آن واحد.

وعلى الرغم من توافر هذه المميزات التي يحققها تطبيق هذا الأسلوب بالنسبة للمصارف الإسلامية في دول التعاون فإن هناك بعض الصعوبات التي تواجهه والمآخذ التي تؤخذ عليه ومنها:

يتطلب أسلوب الاستثمار المباشر من المصارف الإسلامية توافر إمكانيات استثمارية كبيرة في مجالات عديدة، سواء للبحث عن الفرص الاستثمارية ودراستها وتقييمها، أو من حيث إنشاء وتنفيذ المشروعات، أو من حيث إدارتها وتيسيرها، وهو ما يتطلب ضرورة وجود كوادر بشرية عديدة، وأجهزة فنية متنوعة..

.. وغيرها من المتطلبات الاستثمارية التي يصعب على المصارف الإسلامية وخاصة في المراحل الأولى لنشأتها توفيرها بالمستوى المقبول والملائم، والذي يحقق لهذه الاستثمارات القدر الملائم من الأمان الذي يعمل على تدنيه مستوى المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها.

رغم فوائد هذا الأسلوب للمصارف الإسلامية إلا أنه يعجز عن تلبية كل أهداف هذه المصارف، ومنها تمويل قطاع كبير من غير القادرين من أصحاب الكفاءات وتحويلهم من فقراء إلى مالكين، وهي إحدى السمات الأساسية التي تميز هذا النموذج التمويلي والمصرفي الجديد.

هناك من يعترض على قيام المصارف الإسلامية بالاستثمار المباشر وإنشاء الشركات بدعوى أن ذلك يعد خروجاً على الوظيفة الأساسية للعمل المصرفي والمتمثلة في الوساطة المالية، حيث يرى أن البنوك شيء والشركات التجارية والصناعية والزراعية شيء آخر، ولو كان الغرض من إنشاء البنوك الإسلامية.

هو ممارسة هذه الأنشطة لكان بالإمكان إنشاء شركات تقوم بهذا النشاط مباشرة، ولكن الفكرة الرئيسية من إنشاء البنك الإسلامي هي إنشاء بنك، ووظيفة البنوك الرئيسية هي الوساطة المالية بين المدخرين والمستثمرين، حتى وإن كانت هذه الوساطة في البنك الإسلامي سوف تتم من خلال منهجية مختلفة.

وحقيقة الأمر أن قيام المصارف الإسلامية بالاستثمار المباشر، رغم ما يعترضه من صعوبات ومشاكل، وما يتطلبه من أعباء وإمكانيات وكفاءات كثيرة يعد من أهم الأساليب الاستثمارية لهذه المصارف وأكثرها قدرة على تحقيق أهدافها .

وذلك للاعتبارات التي ذكرت سابقاً، وخاصة حينما تعجز الأساليب الأخرى عن تلبية متطلباتها هذه، فلا يكون أمامها إلا تنفيذ هذه الاستثمارات عن طريق هذا الأسلوب الذي يمكن أن يكون تحت السيطرة الكاملة للمصرف.

بعكس الأساليب الأخرى التي يكون للعميل المستثمر ضلع في تحديد مدى إمكانية تنفيذ تلك الاستثمارات عن طريقها بل وحتى نجاحها أو فشلها ككل أما من حيث خروج هذه المصارف عن وظيفة الوساطة المالية فإن ذلك أمر مستبعد، لأن هذا الأسلوب لن يكون الوحيد الذي سوف تعتمد عليه المصارف الإسلامية الخليجية وبصورة دائمة.

وإنما سيكون أسلوباً مهماً بجانب غيره من الأساليب التي تقوم على مد الآخرين بالتمويل المطلوب، ولذلك فإن القول بأن الاعتماد عليه سوف يؤدي إلى حرمان المصارف الإسلامية من القيام بأحد أدوارها الرئيسية.

وهو تمويل غير القادرين من أصحاب الكفاءات قول غير صحيح في ضوء ما سبقت الإشارة إليه، ولكن لابد من التأكيد على أن الطبيعة الاستثمارية المختلفة للمصرف الإسلامي تقتضي ضرورة وجود منهج مختلف وآليات مختلفة للعمل المصرفي الإسلامي عن العمل المصرفي التقليدي.

ـ باحث اقتصادي

E-mail: Kutaiba @ emirates.net.ae