تحتاج أوروبا بالدرجة الأولى إلى تحسين القدرة التنافسية لدولها وزيادة قدرتها على المنافسة من أجل زيادة الإنتاجية حسب دراسة حديثة أجراها معهد مكنزي الدولي.
لكن الكثير من المسؤولين الأوروبيين يعتقدون أن المنافسة وقوى السوق تعوق النمو الاقتصادي، وأن إصلاح القواعد الاقتصادية المالية في أوروبا سوف يعني فقدان شبكة الأمان الاجتماعي والمكاسب الاجتماعية التي حققتها دول القارة. غير أنه لا يجب على أوروبا أن تتخلى عن برامجها الاجتماعية، لكن إجراء بعض التعديلات في برامج المزايا الاجتماعية من أجل استعادة الحافز للعمل والإنتاجية.
وقد خلصت دراسة معهد مكنزي الدولي إلى أن الإنتاجية العمالية في أوروبا، خاصة في فرنسا وألمانيا أقل من نظيرتها في الولايات المتحدة.
وهناك فجوة في بعض الصناعات بين أوروبا وبقية دول العالم المتقدمة ناتجة عن اختلافات هيكلية. في مجال التجزئة مثلاً، يشيع انتشار المتاجر الصغيرة أكثر من نظيرتها في أميركا.
وفي صناعات أخرى تأتي الاختلافات في مستوى الإنتاجية من أسلوب العمليات الإنتاجية، مثلا انتهجت صناعة السيارات الفرنسية إنتاج سيارات صغيرة بإعداد اكبر في التسعينات فأدى ذلك إلى ارتفاع معدل نمو الإنتاجية، ومن ناحية أخرى كانت شركات السيارات الألمانية هي المسيطرة في مطلع التسعينات فلم تشعر بأي ضغط عليها.
وتوصلت الدراسة إلى أدلة واضحة على ان الاختلاف في العمليات والهياكل كان عرضاً لمشكلة أكبر هي الافتقار إلى الضغوط التنافسية.
* المنافسة والإنتاجية
تساهم المنافسة في رفع الإنتاجية لان الشركات تبذل أقصى ما في وسعها والشركات صاحبة الابتكارات هي التي تحقق أفضل النتائج وتستطيع الشركات الناجحة توسيع أسواقها ونصيبها من السوق وتخلق مزيدً من الوظائف لذلك فالشركات الأقل إنتاجية لابد ان تتحسن أو تخرج من الدائرة.
وأكثر الشركات إنتاجية في عديد من الدول الأوروبية لا تنمو أو ترفع من عمالتها فيما لا تزال الشركات الأقل إنتاجية توظف مزيداً من العمالة، والسبب في ذلك ان لوائح أسواق الإنتاج والسياسات التي تحكم العمالة واستغلال الأرض لها تأثير على حماية المستغلين وتحد من دخول لاعبين جدد وتمنع الشركات من تطبيق اقتصادات واسعة النطاق وتغل يد الطرق التي تنفذ بها الاعمال.
؟ ليس الحل في البحث والتطوير
تركز غالبية المناقشات في أوروبا على زيادة الاستثمار في البحث والتطوير وتكنولوجيا المعلومات بدلاً من زيادة القدرة التنافسية من خلال إصلاح اللوائح والقوانين لكن بحث معهد مكنزى الدولي يشير إلى ان هذا المنهج لا يحل المشكلة من جذورها.
ويشدد زعماء أوروبا على الحاجة إلى تعزيز البحث والتطوير لأنهم يرون كيف أفاد قطاع التكنولوجيا المتقدمة الأميركي الاقتصاد هناك.
وقد سجل هذا القطاع نمواً في أميركا يزيد على 15% سنوياً منذ التسعينات. غير ان تأثير هذا القطاع على إجمالي الاقتصاد مبالغ فيه، فهو يساهم في ثلث فارق النمو الاقتصادي بين أوروبا وأميركا في فترة التسعينات. لكن غالبية الفجوة في نمو الإنتاجية في كل من أوروبا وأميركا ترجع إلى الصناعات .
وليس تكنولوجيا المعلومات واتضح من مقارنة الصناعات الأوروبية والأميركية، التي تستعين بتكنولوجيا المعلومات ان مستوى استخدامها واجادة موظفيها لاستخدامها ليس بين الأسباب الرئيسية في اختلاف مستويات الأداء فكثير من الصناعات في أوروبا تستخدم تقنيات تعزز الإنتاجية مثل التي تستخدمها منافساتها الدولية.
والصناعات التي لم تستخدم هذه التقنيات تكبلها اللوائح التي تمنعها من الاستثمار على نطاق واسع في تكنولوجيا المعلومات أو قوانين العمالة التي تحد من التسريح الذي قد ينتج عن استخدام التكنولوجيا المتقدمة.
واصلاح هذه اللوائح والقوانين هو أفضل وسيلة لزيادة استخدام التكنولوجيا حيث تتبنى الشركات التكنولوجيا التي يمكن ان تساعدها في البقاء والازدهار في ظل الضغط التنافسي فقط.
وتؤيد الدراسة اصلاح اللوائح التي تحد من قدرة الشركات في أوروبا على المنافسة والعمل بالأسلوب الصحيح، والتي تعوق الدورة التنافسية والابتكار ونمو الإنتاجية. ولابد أن يقوم الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات على تقديرات واقعية وليس أن تكون مبرراً لتجنب الإصلاح الاقتصادي.
*طريق إصلاح أوروبا
لابد أن يكون هدف وضع لوائح وقوانين اقتصادية هو ضمان المنافسة العادلة، وفي الوقت ذاته لابد ان تحمي اللوائح المستهلكين والبيئة والمواطنين المعرضين للخطر من أخطاء السوق. ويركز جزء من الهيكل التنظيمي في أوروبا على حماية المجتمع، وهذا يحد من المنافسة، مما يجعل الأوروبيين أكثر عرضة لعواقب هبوط مستوى المنافسة.
لكن صناع السياسات يستطيعون تحقيق الأهداف الاجتماعية دون الحد من الإنتاجية أو النمو، وهناك 4 مجالات إصلاح حيوية لرفع القدرة التنافسية الأوروبية.
* إصلاح قطاع الخدمات
يمثل قطاع الخدمات من تصفيف الشعر إلى تجارة التجزئة 70% من إجمالي الناتج المحلي الأوروبي وكل مصادر خلق الوظائف خلال السنوات الخمس الماضية، والصناعة التحويلية ليست مصدراً مهماً للوظائف في أوروبا، أو أي اقتصاد ناضج بغض النظر عن حجم الاستثمار الحكومي في الأبحاث والتطوير.
وبالنسبة لأوروبا سوف يكون تعزيز قطاع الخدمات مفتاح دفع العجلة الاقتصادية والنمو وتوفير الوظائف. غير أن الشركات في هذا القطاع تعاني من المكبلات. في ألمانيا مثلاً الحدود على ساعات العمل تمنع شركات التجزئة من توفير خدمات أكثر راحة واستخدام مزيد من العمالة للعمل ساعات أطول.
في البرتغال تطلب الحكومة من الفنادق توظيف عدد محدود في كل تخصص بناء على حجم الفندق، والمتاجر الصغيرة التي تديرها العائلات في أنحاء أوروبا ومنخفضة الإنتاجية تحميها قوانين الضرائب. هذه العوائق تهدف إلى الحفاظ على ثقافة وتقاليد أوروبا وأسلوب الحياة فيها، لكنها تحد من النمو والازدهار الذي تعتمد عليه أوروبا في استمراريتها وبقائها.
* تشجيع اقتصاديات النطاق الواسع
من أهم سبل تعزيز الإنتاجية في الدول تمكين الشركات من تطبيق اقتصاديات النطاق الواسع. وكان هذا الهدف أحد الأسباب التي جعلت أوروبا تنشئ السوق الأوروبية المشتركة في البداية.
ويمكن لأصحاب القرار تشجيع الاستخدام الفعال لاقتصاديات النطاق الواسع بطريقتين هما تسهيل عمليات الحيازة والاندماج وتوحيد اللوائح في دول الاتحاد الأوروبي حتى تستطيع الشركات التوسع بسهولة في أسواق دول أوروبية أخرى.
ولوائح مكافحة الاحتكار تمنع الاندماجات والحيازات الكبرى من أجل منع الاحتكار لكن اللوائح التي تحد من الاندماج ليس لها بالضرورة تأثير السماح للشركات غير الكفء، أن تظل في السوق في الوقت الذي تستطيع شركات أخرى توفير نفس الخدمات بكفاءة أكبر.
كما أن توحيد اللوائح والقوانين في أنحاء أوروبا يمكن أن يتيح الفرصة للشركات للتوسع خارج الحدود، وعدم التمكن من هذا التوسع يحد من نمو الإنتاجية.
* زيادة مرونة سوق العمل
لا يزال معدل البطالة في أوروبا مرتفعاً خاصة بين الشباب والذين قاربوا سن التقاعد وقد يبدو أن هناك تناقضاً في ذلك، لأن هناك كثير من الدول الأوروبية تطبق قواعد ولوائح صارمة لحماية الوظائف.
لكن القيود على تسريح العمالة مع ارتفاع ضرائب العمل لتمويل المزايا الاجتماعية السخية للعمال يمنع الشركات من توظيف عمالة جديدة.
وقد تخفض هذه المزايا المقدمة للعاملين من الحافز على الإنتاج بناء على طريقة تنظيمها. ولا بد أن تهدف كل لوائح العمل في أوروبا إلى تعزيز توفير الوظائف وانتقال العمالة بسهولة بين مختلف الوظائف.
الحد الأدنى للأجور في فرنسا مثلا يصل إلى ضعف نظيره في أميركا، ولوائح التوظيف والتسريح الفرنسية لها تأثير شديد على مستويات التوظيف، مثلا مشاريع التجزئة الفرنسية تستخدم أقل من العمالة المطلوبة بنسبة 50% بالنسبة لعدد السكان، مقارنة بنظيرتها الأميركية.
ويعتقد الأوروبيون أن أي شخص يشغل وظيفة لوقت كامل لابد أن يكون قادراً على اعالة أسرة كاملة بشكل جيد. فإذا طلبنا من كل الشركات أن تدفع أجوراً تناسب العمالة الماهرة، لكن العمالة غير ماهرة، سوف تختفي كثيراً من الوظائف.
والإجراءات تمثل مشكلة أيضاً. فلا بد ان توظف الفنادق في فرنسا قوة لا يستهان بها من المحامين لعلاج قضايا العمالة. فلا عجب ان هذه اللوائح تحد من التوظيف ولا تنفع خدمة العملاء.
* إنهاء الانحياز في استغلال الأرض
هناك مواقع تاريخية بين الحدود الوطنية الأوروبية ذات جمال طبيعي رائع، وتريد أوروبا بالطبع أن تحافظ على هذا التراث. غير أن قليلا جدا يلاحظون ان الحدود على استغلال الأرض لا تشجع الإنتاجية والتوظيف.
فإن ارتفاع أسعار الأراضي وتوفرها والعوائق الأخرى تحد من قدرة الشركات على التوسع وخلق فرص عمل جديدة. فقد عانت شركتا كارفور ايكيا مثلاً في ايجاد أماكن لفتح أفرع جديدة كبيرة، وبالتالي تأثرت الإنتاجية وخلق الوظائف في قطاع التجزئة، خاصة في ألمانيا حيث لابد من تراخيص حتى لتحويل مبنى لاستقلاله في نشاط تجارة التجزئة.
وفي فرنسا يحتاج الأمر إلى عشرات الاجراءات الإدارية ونحو 200 يوم لتسجيل ارض أو عقار لمشروع تجاري، حتى لو لم يكن هناك حاجة إلى تحويل طبيعة العقار. ويستغرق نفس الأمر في السويد يومين فقط.
وسوق العقارات السكنية في هولندا مثال على سياسة أوروبا نحو تعزيز الإنتاجية. فقد استطاع الهولنديون باستصلاح مساحات في البحر وتحويلها إلى ارض تعزيز الإنتاجية في العقارات السكنية، القطاع الذي يخلق عدداً كبيراً من الوظائف ومحرك الإنتاج في كل البلدان، لتصل إلى ما يقارب مستواها في أميركا.
من هذا يتضح أن اللوائح في أوروبا تحتاج إلى تعديل وتغيير ومرة اخرى تستطيع أوروبا أن تدفع اقتصادها دون التخلي عن القيم والمزايا الاجتماعية التي تعتز بها.
ترجمة: أشرف رفيق