وأنت تتجوّل في أروقة «سبينيس» أو «كارفور» أو «جاينت» وغيرها من المتاجر الكبرى المنتشرة في دبي، لا بد أنك لاحظت تلك اللافتات الحمراء التي تخرج عن الرفوف كأعلام صغيرة كتب عليها «السعر الأفضل». أعلام ترفرف فوق عبوّات لا يزال المستهلك المحلّي يتردد كثيرا قبل شرائها.

ليس لأنها تفتقر إلى الجودة ولا لكون تغليفها غير جذاب، إنما، ببساطة، كونها لا تحمل علامة تجارية مشهورة. ولكن ماذا لو حمل المنتج علامة المتجر نفسه؟ كأن نجد مسحوق غسيل ماركته «سبينيس» أو علبة فول مهرت بعلامة «كارفور» أو صابون «اللولو» أو علبة حبيبات القمح تحمل اسما غير «كورنفلاكس».

إنها حالة منتجات «العلامة الخاصة» التي تخوض هذه الأيام حربا شرسة مع منتجات العلامات المعروفة، وتكاد تكتسح رفوف المتاجر في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.. لكن ليس في بلادنا.

ما هي منتجات «العلامة الخاصة»؟ لنضرب مثالا إيضاحيا. تقوم مصانع عملاقة بتصنيع مادة شامبو «بانتين» لصالح شركات عابرة للقارات مثل «بروكتر أند غامبل».

تضع الشركة المذكورة السائل في عبوة مكتوب عليها اسم «بانتين». يشتري المستهلك هذه العبوة ويدفع 30 إلى 40% من ثمنها سعر العلامة التجارية فقط، أي سعر اسم «بانتين» فقط. من جهة أخرى، يقوم المصنّع ذاته ببيع السائل إلى شركات أخرى لا تملك علامات مشهورة. تعبئ السائل في علب وتبيعه بسعر أقل لان عليه اسم من قبيل: «تانغو» أو «فيو» أو ما شابه من العلامات.

. الآن قد يطرح السؤال: بما أنّ المصنّع واحد لماذا يدفع المستهلك ثمن «بانتين» ضعفي ثمن «فيو»؟ لثلاثة أسباب: كون المصنّع واحدا لا يعني هذا أن تركيبة السائل واحدة في الحالتين، فـ «بروكتر أند غامبل» لن ترضى بأقل من تركيبة سريّة خاصة بها تليق بتاريخها الطويل الذي يمتد لقرن وأكثر، ولن تسمح بالتأكيد للشركة المصنّعة أن تمنح شركات أخرى التركيبة ذاتها.

هذا لا يعني الجزم بأن سائلا يتفوّق على الآخر. السبب الثاني يتمثل في الإنفاق الترويجي الذي تقوم به الشركات ذات العلامات الشهيرة، وبخاصة ما تنفقه على الحملات الإعلانية والرعايات، ما يجعلها تعوّض الصرف برفع سعر المنتج.

والسبب الثالث يلتقي مع حاجة المستهلك النفسية التي تدفعه لشراء منتج ذي ماركة معروفة، فهذا يزوّده بشعور بالأمان كونه غير مضطر للبحث والتنقيب عن المنتج الأصلح، فالماركة تمنحه البديل وتقوم بمهمة الاختيار نيابة عنه، كما أنّ إحساسه بالتضامن مع المجموعة كونه يشتري ذات المنتج الذي يشتريه صديقه وجاره وقريبه، ويعلن عنه التلفاز، يدعّم ذلك الشعور بالأمان ويرسّخه.

معركة الرفوف

ولكن، على الرغم من كل تلك العوامل، فإن المستهلك الغربي قرر أن يقلب الطاولة محاربا سطوة العلامات، وان يركّز اهتمامه حصريا على سعر المنتج، فكان أن انتشرت منتجات ذات علامات غير مشهورة وإن كانت تتمتّع بقيمة جيّدة.

تقول الأرقام أن سلعة من أصل أربعة في الولايات المتحدة الأميركية تحمل ماركة غير معروفة، اي ما يعادل 25% وينمو القطاع هناك 1. 1% في منتجات الأغذية مقابل 2. 12% في قطاع منتجات الخردوات بمبيعات إجمالية تقارب 50 مليار دولار سنويا.

في أوروبا، يضع المستهلك، في المتاجر البارزة متعددة الأقسام، في سلته 9 منتجات تحمل علامات خاصة مقابل منتج واحد يحمل ماركة معروفة اي ما يعادل 90% من مشترياته وتنخفض هذه النسبة إلى 50% في مجمل المتاجر الأخرى وتستأثر الماركات الخاصة ما يقارب 45% من مجمل مبيعات التجزئة.

وإذا كان السبق في النمو يسجّل للمنتجات الغذائية، فإن لائحة المنتجات التي تحمل علامات خاصة تشمل كل شيء تقريبا من مستحضرات التنظيف والتعقيم والأدوات المنزلية مرورا بأدوات المائدة والقرطاسية والألبسة والأقمشة والمنتجات البلاستيكية والورقية والالكترونيات وصولا إلى زيوت المحركات بالإضافة إلى المستهلكات الصناعية المختلفة.

ولأنّ هذه النوعية من المنتجات تتيح للتجار هوامش ربحية أعلى، وينظر إليها المستهلك بوصفها قيمة مضافة تقدّم نوعية جيدة بسعر ملائم، فإن انتشارها في السوق الغربي قد بلغ مرحلة زرعت الرعب في صدور الشركات مالكة العلامات التجارية الكبرى.. وابتدأت الحرب التي دارت رحاها بشكل رئيسي في عالم الغذاء.

وبرز معسكران: شركات تصنيع أغذية التي تمتلك علامات تجارية شهيرة وتحاول تطويرها على الرغم من التكاليف الإنتاجية الإضافية التي ترتبط بها، وشركات صغيرة تحاول تقليل تكلفة الإنتاج على حساب علاماتها التجارية والعبوات الزهيدة التكلفة التي تستخدمها. المعركة ما لبثت أن تعقدت بارتفاع غير مسبوق نال من المواد الخام في أسعار سلع مثل النفط والسكر ومركب البوليمير المستخدم في التعليب.

وهذا ما جعل مهمة شركات المواد الغذائية أكثر صعوبة في التحكم بالفجوة السعرية بين منتجاتها ذات الماركات التجارية الغالية الثمن، وبدائل الأصناف الخاصة الأرخص سعراً.

واحتدمت المعركة بين سلع المتاجر الخاصة والمصنعين أصحاب الأسماء التجارية العالمية بشراسة على صعيد الحبوب الغذائية التي تقدم في وجبات الإفطار. وكانت شركات المواد الغذائية أجبرت على تعويض نفقات الإنتاج المتصاعدة برفع الأسعار، غير أن الخطر يكمن في أنّ المستهلكين الذين يتمتعون بحساسية تجاه الأسعار يتجنّبون الأصناف غالية الثمن ويتجهون إلى منتجات الأصناف الأهلية الخاصة.

مما يجعل مهمة التحكم بفجوة الأسعار صعبة. على سبيل المثال، بلغت فجوة السعر المتوسطية بين شركات تصنيع الحبوب الغذائية من العلامات المشهورة مثل «جنرال ميلز» و«كيلوغ» وبين منتجات شبيهة من منتجات الأصناف الخاصة بحدود 3 بالمائة نقطة في الفترة التي عرفت أقصى أجواء «التوتّر».

* المتجر الأوروبي

وعلى مستوى منطقة الشرق الأوسط، تبدو تركيا البلد الأنشط في قطاع العلامات الخاصة وتستأثر بالنصيب الأوفر من الحصة الكلية لحجم القطاع والتي قدّرت العام الماضي بحوالى 250 مليون دولار أميركي.

تقول سوزان سناجير، المنّسقة الدولية للمبيعات في شركة «ميديا فورس» التركية، أن الشركات المصنّعة للعلامات التجارية الشهيرة اضطرت لطرح منتجات ذات علامات خاصة كمحاولة منها للافادة من النمو القوي الذي يشهده القطاع.

وتقول أن قطاع التجميل هو الأكثر نموا في هذا المجال. وتلحظ سناجير أن السنوات الأخيرة قد شهدت تغيّرا رئيسيا في نظرة المستهلك إلى هذه المنتجات «حيث كان يعتقد أنها قليلة الجودة لأنها رخيصة، لكن الوضع تغيّر». وهناك أكثر من 200 منتج مختلف تحمل أسماء المتاجر تباع في تركيا.

وتتوافق النظرة التركية إلى العلامة الخاصة مع النظرة الأوروبية. إذ تنشط شركة مستحضرات العناية الشخصية «أوتو»، وهي شركة ألمانية تحاول تسويق منتجاتها في المنطقة عبر بوابة دبي والبحث عن شركاء يشترون منتجها ويضعون عليه علاماتهم الخاصة.. تنشط في هذا القطاع وتبيع لشركات الماركات وشركات العلامات الخاصة بحصص متساوية.

ويقول ديرك أوتو، رئيس الشركة الألمانية ذات الطابع العائلي، أنّ منتجات العلامات الخاصة تستقطب بشكل رئيسي شريحة المستهلكين الذين لا يهتمون بالماركة قدر اهتمامهم بالسعر، من جهة أخرى لمنتج الماركة جمهوره الذي لن يتخلى عنه، لكنّ المأزق سيكون ماثلا في تواجد طبقة وسيطة بين الاثنتين.

ويكشف أوتو أن جودة المنتج الذي تصنّعه شركته لصالح شركات الماركات هي مماثلة لتلك التي تضع عليها المتاجر الكبرى أسماءها: «الجودة واحدة لكن هناك اختلاف في المنتج». وتستهدف الشركة السوق الإماراتي وأسواق الخليج وإيران عبره وتريد «نشر مفهوم العلامات الخاصة قدر المستطاع».

ويعتقد أنه على الرغم من كل شيء، فإن هذا لا يعني أن الماركات المشهورة سوف تزول، فهي ترتبط بعلاقة عريقة مع المستهلك، وهي قادرة دوما على طرح الأفكار الجديدة والمبدعة.

ولا يتفق فابيو بيزولوتو، صاحب منتجعات بيزولوتو الايطالية، مع أوتو ويعتقد أن منتجات العلامة الخاصة لا تفتقد إلى النزعة الابتكارية وأن المستقبل لها، خاصة أنّ المتاجر الكبرى آخذة ببناء علاقة قوية مع المستهلك تمكّنه من الوثوق بالمنتجات التي تعرضها على رفوفها ومن ثمّ بأي منتج تضع علامتها التجارية عليه.

ويصف بيزولوتو المستهلك الحديث بأنه مستهلك «تقليدي»، بمعنى أنه يصبح مطيعا جدا للمتجر الذي يتعامل معه طالما هو يثق به، ويشدد على أن المتاجر الكبرى لعبت دورا رئيسيا في ترويج مفهوم العلامات الخاصة بأوروبا، متوقعا أن يتكرر الأمر ذاته في منطقتنا.

ويحاول مكسيم جبارة، صاحب شركة «ماكس بروديس» المتخصصة في منتجات النظافة ومركزها بلغاريا، أن يجد سوقا لمنتجاته في دبي، ويعيد التأكيد على أن منتجات العلامات الخاصة هي الأكثر مبيعا في أوروبا اليوم ويقدّر حصّتها بحوالي 70%.

عطور وصابون

ولا يزال انتشار سلع العلامات الخاصة متأخرا كثيرا في بلادنا، مقارنة مع انتشارها في أوروبا والولايات المتحدة. وعلى الرغم من إقدام المتاجر الكبرى على عرض منتجات تحمل علاماتها الخاصة على الرفوف، إلا أنّ نسبتها لا تتجاوز 4% من المعروض. ويعود ذلك إلى الثقة العمياء التي يوليها المستهلك المحلي للماركة المعروفة، خاصة إذا كانت أجنبية.

وتستغل الشركات صاحبة العلامات المشهورة هذا الوضع وتفرض شروطها على أصحاب المتاجر وبائعي التجزئة الذي يطمحون بدورهم إلى ربح خاص بهم ما يزيد من سعر السلعة، فيدفع المستهلك الجزء الأكبر من قيمتها ثمنا للعلامة وربحا للمتجر.

يقول صابر البطاش، الذي يمتلك شركة «علياء القمر» للعطور ومستحضرات التجميل، أن تجربة العلامات الخاصة في الإمارات ليست جديدة إذ «سبق وتعاملت مع ماركات خاصة للمرة الأولى في العام 1997». وتبيع شركة «علياء القمر» العطورات العربية بأسماء مثل «فزّاع» و«غلا زايد» و«جميرا» وتحاول منافسة الماركات الأجنبية المهيمنة على السوق.

وماركات عربية لها باع طويل مثل «أجمل»: «سنفتتح مصنعنا الخاص في جبل علي مطلع العام المقبل. لدينا حاليا ثلاثة فروع ستصبح 10 بحلول العام المقبل، كما أننا نبيع خارج السوق الإماراتي». ولا يبيع البطاش إلى شركات تضع أسماءها الخاصة على عطوره مفضلا أن تعود ملكية العلامات لشركته.

من جهة أخرى، يتوقّع كمال الخطيب، المدير التنفيذي لمصنع الكمال لصناعة الشامبو والمنظفّات في الشارقة، أن يدفع غلاء المعيشة بالمستهلك المحلي لمزيد من الإقبال على سلع العلامات الخاصة التي يتفاءل كثيرا بشأن مستقبلها: «أبيع عبوّات الشامبو إلى متاجر سبينيس وكارفور التي تضع عليها علاماتها الخاصة وتبيعها بأسعار أقل».

ويبيع العبوّة من أحد أنواع الصابون بقيمة 95. 2 ويعود للمتجر حرية بيعها بالسعر الذي يناسبه. ويشرح أن عملية قبول هذه المتاجر لعرض منتجاته على رفوفها استغرقت وقتا طويلا، «حيث تم فحص المنتج بعناية وأرسل إلى مختبرات في لندن للتأكّد من أنه يضاهي جودة منتجات الشركات ذات العلامات المشهورة».

وينتقد الفكرة التي تسيطر أحيانا على المستهلك باعتباره منتج العلامة الخاصة تقليدا، بينما الأصل، بنظره، هو منتج العلامة المشهور: «هذا وهم». ويقول أنه خلال السنة الأولى من افتتاح مصنعه حقق مبيعات تجاوزت 10 مليون درهم، بغت حصّة منتجات العلامات الخاصة جزءا كبيرا منها. ويصدّر مصنعه المنتجات لأسواق السعودية وعمان وسوريا إضافة إلى السوق الإماراتي.

وينشط المستهلك الكويتي في الإقبال على سلع العلامات الخاصة، معتبرا أنّ في ذلك سلوكاً يشجع على دعم الاقتصاد الوطني. وقد أثمرت حملة «في كويتي» التي عرفتها أسواق الكويت مؤخرا على تحريض المستهلك على الإقبال على المنتج المحلي بشكل كبير. ولكن بعض الشركات الكويتية تواجه صعوبات في تسويق منتجها خارج بلدها لمنافسة المنتجات الأجنبية.

ويرجع صفا عمران، مسؤول التسويق في الشركة الصناعية للمنتجات الطبية، هذا الأمر إلى «عقدة المنتج الأجنبي التي لا تزال تسيطر على ذهنية المستهلك العربي».

ويقول أن منتجات الشركة من حفاضات الأطفال والبالغين والفوط الصحية النسائية تضاهي، «بل تتفوّق»، على منتجات شبيهة تحمل ماركات عالمية. وتصنّع الشركة الكويتية لصالح شركات أخرى في سوريا والأردن ومصر ولبنان، لكنها تمتلك علاماتها الخاصة مثل:

دارلينغ وفلفت وبيرفكت وليدي سوفت وأكتف وريلاكس. وتحقق الشركة مبيعات تبلغ 5 مليون دينار كويتي سنويا، 20% مبيعات لشركات تشتري المنتج وتبيعه بعلاماتها الخاصة.

وتمتد تجربة العلامات الخاصة إلى الأردن أيضا، وتبرز بشكل خاص تجربة شركة المدائن الصناعية المتواجدة في السوق منذ ثماني سنوات وتختص بتصنيع الصابون من مواد طبيعية. وتبلغ حصة منتجات العلامات الخاصة من إجمالي مبيعات الشركة 30% وتتواجد في بلدان عربية كثيرة منها الأردن ومصر والسعودية ولبنان وقريبا الإمارات.

يقول فرج فنّوش، المدير التنفيذي للشركة، أنّ انتعاش متاجر العلامات الخاصة في أوروبا أتى كرد طبيعي على تقاعس الشركات الأوروبية عن الاستثمار في النشاط التصنيعي، الأمر الذي جعل أكثر من شركة تعتمد على مصنع واحد لتلبية طلباتها. وتقوم هذه المصانع ببيع منتجها للشركات ذات العلامات المشهورة وأخرى ذات علامات خاصة.

ويضيف فنّوش أنّ العقلية العربية الراغبة بامتلاك كل شيء من الألف إلى الياء حالت دون لجوء المستثمر إلى مصانع أخرى لكي تصنع له منتجات يضع عليها علامته الخاصة: «لا يزال المستثمر العرب يفضّل الإمساك بكافة حلقات السلسلة».

وتبيع شركة المدائن منتجاتها لشركات في هولندا وأوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة الأميركية، ويقول فنّوش أن منتجات العلامات الخاصة رائجة جدا في الأردن وهناك الكثير من المتاجر التي تبيع سلعا تسميها بأسماء المتجر، مثل متجر «سي تاون».

تحقيق وتصوير: إبراهيم توتونجي