تتطلع الهند إلى الشرق من حدودها، حيث توجد دولة بنغلاديش، لتأمين احتياجاتها من الغاز عبر خط أنابيب (ماينمار ـ بنغلاديش ـ الهند)، بعدما بدت في الأفق بوادر غيوم تخيم على أفق تنفيذ خط أنابيب الغاز الممتد من إيران والذي سيمر عبر باكستان، ثم الهند.

وجاء الاهتمام الهندي بتنشيط المباحثات بخصوص حصولها على الغاز من ماينمار عبر بنغلاديش، في ظل أوجه عدم اليقين التي باتت تحيط بأفق حصولها على الغاز من إيران، وذلك بعدما صوتت الهند لصالح مشروع قرار بإحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن، وهو ما أطلق إشارة بأن الهند فضلت عدم الدخول في مواجهة مع السياسية الأميركية التي انتقدت سعيها للحصول على الغاز من إيران.

وعليه، يرصد المحللون تنشيط الهند لمباحثاتها مع بنغلاديش وماينمار، مع وجود توقعات بأن تحدث هذه المباحثات اختراقا، وهو الأمر الذي سيجعل المشروع يسير بوتيرة أسرع مما هو متوقع.

ففي مطلع الشهر الماضي، توجه موني شانكار آيير وزير البترول الهندي إلى دكا مباشرة قادما من لندن، حيث كان في زيارة رسمية للمملكة المتحدة، وصرح على هامش زيارته لبنغلاديش بأنه تم إحراز تقدم إيجابي بشأن مشروع خط الأنابيب الذي ستبلغ تكلفته مليار دولار وأن الأمور بدأت تتحرك إلى الأمام قدما، وقد التقى الوزير الهندي مع مرشد خان وزير الخارجية البنغلاديشي.

ويبدو من وجهة نظر البعض أن مانموهان سينج رئيس الوزراء الهندي قد حث كلاً من وزير البترول ووزير الخارجية على النظر إلى خط أنابيب (ميانمار ـ بنغلاديش ـ الهند).

وهو ما مهد الطريق لزيارة وزير البترول الهندي إلى دكا للخوض التفصيلي في مذكرة تفاهم ثلاثية بين الدول الثلاث والتي أُرجئ التوقيع عليها في وقت سابق بسبب طرح بنغلاديش مطالب ترى الهند انه يمكن معالجتها على الصعيد الثنائي بين الدولتين وبشكل منفصل عن مشروع الغاز الطبيعي.

ويتيح المشروع لبنغلاديش تحصيل رسوم ترانزيت انتقال الغاز عبر أراضيها وقيمتها 125 مليون دولار سنويا، بيد أنها طرحت مطالب أخري، تشمل إقامة ممرات تحمل البضائع البنغلاديشية عبر الهند إلى الدول المجاورة الأخرى كنيبال وبوتان فضلا عن اتخاذ خطوات لتقليل عجزها التجاري مع الهند والبالغ 5. 2 مليار دولار.

وفي شهر يناير الماضي، توصلت الهند إلى اتفاق مبدئي مع ماينمار وبنغلاديش حول خط الأنابيب الذي سينقل الغاز الطبيعي من حقول شيوي بماينامار إلى الهند عبر بنغلاديش وبموجب الاتفاق سيكون بمقدور دكا أن تقرر ما إذا كانت ستستخدم هذا الخط في نقل إنتاجها من غاز الطبيعي إلى جارتها الهند أم لا، وهو ما يهدئ مخاوف بنغلاديش بشأن اعتمادها الاقتصادي على الهند جارتها القوية.

وبمعزل عن تأمين احتياجات الهند من الطاقة، فإن الصفقة يمكن أن تسهم في تحسين العلاقات بين الهند وبنغلاديش والتي تدهورت في السنوات القليلة الماضية بسبب شكوك الهند بأن دكا تتجاهل صعود التنظيمات الإرهابية على أراضيها.

وفي شهر أغسطس الماضي، أظهرت الهند حماسة للحصول على الغاز من كل من تركمانستان وإيران، وهو ما عبر عنه مانموهان سينج رئيس الوزراء الهندي خلال زيارته لكابول حينذاك، حيث صرح بأن الهند تفضل الحصول على الغاز من تركمانستان وإيران.

وتكتسب الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير البترول الهندي لبنغلاديش أهمية خاصة بالنسبة لنيودلهي، حيث إنها جاءت في وقت كانت تطلع فيه كل من ماينمار والهند إلى طرق بديلة بسبب إخفاق المباحثات مع بنغلاديش.

حيث تحدث وزير البترول الهندي عن إمكانية إقامة خط أنابيب لنقل الغاز من ماينمار إلى ميزورام وبعد ذلك إلى آسام الواقعتين في شمال شرق الهند ثم يصعد إلى غرب البنغال بطول إجمالي 1400 كيلومتر، وهو ضعف طول خط الأنابيب من بنغلاديش.

وطفت على السطح بوادر الخلاف بين الهند وبنغلاديش، عندما لم يتم توجيه الدعوة للأخيرة لحضور الاجتماع الثالث لمشروع خط أنابيب الغاز في نيودلهي، ولكن بالنظر إلى المزايا التجارية للمشروع وجدوى تنفيذه من الناحية الاقتصادية، فقد أعادت الهند فتح باب التفاوض مع بنغلاديش، وقام وزير الخارجية الهندي بزيارة دكا في شهر أغسطس الماضي، وصرح حينذاك بأن خط الأنابيب الثلاثي لن يمضي قدما بدون مشاركة بنغلاديش.

ويرجع بعض المحللين أسباب تجدد اهتمام الهند بخط الأنابيب الممتد من ماينمار إلى حالة عدم اليقين التي باتت تخيم على مشروع نقل الغاز من إيران، بسبب التحفظات الأميركية عليه، فمع اتخاذ الهند جانب كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وبدا واضحا أن الهند لا تريد أن تعرض علاقاتها مع الولايات المتحدة للمشاكل.

ففي مطلع شهر يونيو الماضي، قام وزير البترول الهندي بجولة لمدة عشرة أيام شملت كلاً من أوزبكستان وباكستان وإيران بهدف تأمين احتياجات الهند النفطية على المدى الطويل.

وما جذب انتباه الولايات المتحدة في هذه الجولة، هو زيارته لإيران، حيث صرح بأن الهند مستعدة للمضي قدما في مشروع تنفيذ خط أنابيب الغاز الإيراني، وعلي فور أعلنت الولايات المتحدة عدم رضائها على المشروع.

ويبدو أن الولايات المتحدة مارست ضغوطها على الهند خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي لنيويورك لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولكن السؤال الذي مازال مطروحا هو: هل تحرك الهند في اتجاه الشرق يأتي في ظل سعيها لامتلاك خيارات متعددة، إما أنه يأتي في سياق تعزيز قدرتها التساومية بما يعزز إمكانياتها في تأمين احتياجاتها من الطاقة على الأجل الطويل.

م.ع