يكاد لا يمر يوم في الولايات المتحدة من دون حديث للصحافة عن شركة «بوينغ» العملاقة في مجال صناعة الطائرات المدنية والعسكرية. وتزايدت وتيرة أخبار هذه الشركة في الآونة الأخيرة بسبب استمرار إضراب آلاف العمال فيها بالتزامن مع اكتمال ملامح تصميم «الطائرة الحلم» الجديدة «بوينغ 787» التي تعد ثورة في عالم الطيران.
يدرك زوار مصانع شركة «بوينغ» الضخمة على الأطراف المترامية لمدينة سياتل، أن سحر الطائرة الجديدة يطغى على المشكلات العمالية وبعض الفضائح التي تهز هذه الشركة، بحسب ما تورده الصحف هناك على صدر صفحاتها الأولى. وكخطوة أولى توصلت الشركة إلى تسوية المشكلة التي نشأت قبل شهر حين أضرب قرابة 20 ألفاً من مهندسيها وعمالها،
مما يتيح عودتهم إلى الإنتاج في قطاع الطائرات التجارية، ومباشرة تصنيع «الطائرة الحلم» الموعودة. بينما لا تزال المساعي جارية لتسوية مشكلات أخرى مع القضاء الفيدرالي الأميركي تتعلق بتلاعب أحد موظفي الشركة بأوراق مرتبطة بالفرع العسكري للشركة «لوكهيد مارتن»، مما قد يرتب على «بوينغ» دفع غرامة تصل إلى 500 مليون دولار.
غير أن شركة «بوينغ» التي أنشئت قبل نحو قرن، تضع هذه المشكلات خلفها، استعداداً لاندفاعة جديدة عبر طائرة «بوينغ 787» الجديدة المقرر أن تباشر خدماتها التجارية سنة 2008، لتنضم إلى شقيقاتها من أجيال «بوينغ 737» و«747» و«767» و«777». ويتوقع أن تعلن «بوينغ» هذا الشهر اكتمال تصميم «الطائرة الحلم»، في إشارة إلى انتقال العمل في مكوناتها التصميمية من مقر الشركة في ضاحية أفيريت بسياتل إلى الشركاء الصناعيين العالميين للشركة،
ذلك أن تصنيع هذه المكونات سيجري من خلال شركاء عبر البحار في دول مثل اليابان وإيطاليا وكوريا الجنوبية وبريطانيا وروسيا وكندا والسويد والصين وغيرها. على أن تشحن هذه المكونات إلى مصانع الشركة في سياتل لتركيبها وتجميعها. وبذلك تكون «بوينغ 787» طائرة عالمية بكل معنى الكلمة، وللمرة الأولى في العالم.
وحدها جنيحات الطائرة ستصنع في الولايات المتحدة، أما بقية مكونات الهيكل فستشحن عبر وسائل النقل البرية (شاحنات، قطارات) والبحرية (السفن، العبارات) المختلفة، وعبر عنابر الشحن الضخمة المتوافرة في طائرات «بوينغ 747» العملاقة.
«الطائرة الحلم» العالمي
وما أن تدخل «بوينغ 787» الخدمة الفعلية عام 2008، ستصبح هذه الطائرة المميزة ـ المصممة بمساعدة المركز الهندسي التابع لـ «بوينغ» في موسكو وتايوان ـ علامة فارقة في سماء أفيريت في سياتل، حيث يستغرق التجميع النهائي للطائرة ثلاثة أيام فقط، من دون الأخذ في الحسبان ذيل الطائرة الذي سيجمع وحده على حدة قبل إضافته إلى جسم الطائرة، ومن دون حسبان الوقت الذي يستهلكه طلي الطائرة والتجارب عليها.
وبحسب الوثائق الداخلية للشركة، يتبين أن «بوينغ» ستتمكن من إنتاج طائرة واحدة من طراز «بوينغ 787» كل يومين بحلول عام 2011. وبسبب الطلبات المتزايدة من الآن على «الطائرة الحلم»، تدرس الشركة إمكانات تقريب هذا الموعد إلى سنة 2010، وإنتاج طائرتين كل ثلاثة أيام. وتشمل الدراسة أيضاً إمكانات ما إذا كان الشركاء العالميون سيتمكنون من زيادة إنتاجهم لتحقيق هذا الهدف الصعب المنال، وإن كان غير مستحيل.
وفي عرض قدمه النائب الأول لرئيس دائرة المبيعات التجارية في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا لي مونسون، أشار إلى تزايد الطلبات على طائرات «بوينغ» في المنطقة العربية، ولاسيما «الطائرة الحلم» لمزاياها الفريدة. ويوضح لي أن «بوينغ» ليست وكالة حكومية، بل هي شركة تركز على تلبية حاجات الزبائن، علماً أنها تراعي السياسة الخارجية للولايات المتحدة ومعايير الأمان المفروضة على جميع الطائرات من دون استثناء،
وتلتزم القيود التي تفرضها القوانين الأميركية لجهة عدم بيع منتجات لدول مثل إيران وسوريا والسودان وكوبا وكوريا الشمالية. وقدم المدير الإقليمي لتسويق منتجات الطائرة التجارية جورج حلبي، وهو من أصل عربي، عرضاً شاملاً عن مميزات طائرات «بوينغ 777» و«بوينغ 787» المكملة لبعضها البعض في أساطيل شركات الطيران العالمية التي تشغل حالياً نحو 17 ألف طائرة ركاب مدنية، بينها 12 ألفاً من طرازات «بوينغ» المختلفة،
أي أن الشركة الأميركية تحتل ما نسبته 75 في المئة من سوق الطيران المدني في العالم. وفي توقعاته لسنة 2024، ينتظر أن يصير عدد الطائرات العاملة قرابة 35 ألفاً، أي أن 18500 طائرة جديدة ستدخل السوق، فضلاً عن استبدال 7200 طائرة وإنهاء خدمات 9600 طائرة، مما يجعل مجموع الطائرات الجديدة 25700 تتوزع بالنسب المئوية
كالتالي: 60 في المئة للطائرات المتوسطة الحجم ذات الممر الواحد بين المقاعد، و22 في المئة للطائرات الكبيرة ذات الممرين بين مقاعد الركاب و15 في المئة للطيران الداخلي و3 في المئة فقط للطائرات العملاقة، علماً أن مبيعات سنة 2004 بلغت أكثر من تريليوني دولار توزعت نسبها
كالآتي: 45 في المئة للطائرات الكبيرة، 39 في المئة للطائرات المتوسطة الحجم، 11 في المئة للطائرات العملاقة و5 في المئة للطيران الداخلي.وتبيّن أن الطائرات الأكثر فاعلية، بحسب حلبي، هي الأقل استهلاكاً للوقود وفي تكاليف التشغيل وذات القدرات العالية. أما الأكثر راحة للزبائن فهي ذات القمرات الواسعة والمقاعد المريحة والممرات الفسيحة.
260 طلبية
وسجلت الشركة حتى الآن (منذ الإعلان عن «الطائرة الحلم» عام 2004) طلبيات لشراء 260 طائرة بوينغ «787» من خطوط جوية عالمية مختلفة، بينما سجلت شركة ايرباص الأوروبية طلبات لشراء 150 طائرة سوبر جمبو العملاقة «ابرباص إي 380» منذ الإعلان عنها عام 2002، بحسب تأكيدات لي مونسون الذي رد السبب إلى تضاؤل حاجة السوق إلى الطائرات العملاقة،
لافتاً إلى أن شركة «بوينغ» أنتجت عام 1968 طائرة «بوينغ 747» (الجمبو) العملاقة التي بيع منها 1500 طائرة فقط، بينما بيعت آلاف عدة من الطائرات الأخرى الأصغر حجماً. ويقول جورج حلبي إن «بوينغ» تعول كثيراً على طراز 787 ذي الفئتين 8 و9، تلبية لحاجات سوق الطيران، إذ إن الأولى تتسع لـ 223 راكباً،
والثانية لـ 259 راكباً، فيما يتسع طراز «777 ـ 200 إي آر» لـ 300 راكب، و«777 ـ 300 إي آر» لـ 365 راكباً. وأضاف أن طراز «بوينغ 777» سجل في السنوات الـ 15 الماضية بيع 693 طائرة (63 في المئة من مبيعات السوق) مقابل بيع شركة «ايرباص» 402 طائرتين من فئة «إي 340/إي 330 ـ 300».
وتعد فئة السبعات الثلاث (777) لدى «بوينغ» أسرع طائرة ذات ممرين بالمبيعات في تاريخ الطيران. وقد بيع منها حتى الآن 703 طائرات لخطوط جوية عالمية مرموقة مثل «ايرفرانس» (73 طائرة)، و«أميركان اير لاينز» (45) و«بريتيش اير وايز» والخطوط الجوية الإماراتية (13 طائرة) و«كيه.ال.ام» (6 طائرات) و«الاتحاد» (5 طائرات) وغيرها.
وأكد حلبي أن هذه الفئة هي الأكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية ولا توجد طائرة ركاب مدنية تضاهي مدى أسفارها وسرعتها، قائلاً إن الدراسات تبيّن أن ثلاثة من كل أربعة ركاب عبر العالم يفضلون السفر على متن «بوينغ 777». وقارن بين طائرة «بوينغ 777 ـ 300 ال آر» التي تتسع لـ 301 راكب وطائرة «ايرباص 340 ـ 500» التي تتسع لـ 280 راكباً، مشيراً إلى المسافات الأبعد التي يمكن للطائرة الأميركية اجتيازها على رغم وجود 21 مسافراً إضافياً عليها مقارنة بالطائرة الفرنسية.
المميزات
وتحدث حلبي طويلاً عن «الطائرة الحلم» من طراز «بوينغ 787» باعتبارها «طائرة جديدة لعالم جديد» تمثل نموذج النجاح الجديد بالنسبة إلى عالم الطيران، والإحساس الجديد بالنسبة إلى المسافرين، والعالم الجديد من الإمكانات بالنسبة إلى البيئة، متوقعاً طلباً قوياً عليها من خطوط الطيران العالمية، ولاسيما أن تصميمها وبناءها حصلا بموجب شراكات عالمية هي الأولى من نوعها عبر شركات تنتمي إلى دول مختلفة،
أدت إلى ابتكار عائلة كاملة هي «بوينغ 787 ـ 8» المؤلفة من ثلاث درجات (الدرجة الأولى، درجة رجال الأعمال والدرجة الاقتصادية)، وتتسع لـ 223 مسافراً ويمكنها اجتياز مسافة 15700 كيلومتر من دون توقف، و«بوينغ 787 ـ 9» المؤلفة أيضاً من ثلاث درجات، وتتسع لـ 259 مسافراً ويمكنها اجتياز 15400 كيلومتر، و«بوينغ 787 ـ 3» المؤلفة من درجتين وتتسع لـ 296 راكباً، ويمكنها اجتياز مسافة 6500 كيلومتر.
ومن أسباب نجاح هذه الطائرة، بحسب مصنّعيها، أنها تتمتع بتصميم متقدم للجناحين وقمرة قيادة واسعة وحجرات ركاب فسيحة ومريحة وأنظمة تكنولوجية مبتكرة وعنابر واسعة للشحن ومحركات من طرازات متقدمة للغاية. ومن أهم مميزاتها أنها قادرة على توفير الوقود بصورة لا سابقة لها في تاريخ وسائل النقل.
وفي مقارنة بعدد الركاب نسبة إلى استهلاك الوقود في وسائل النقل، يتبيّن أن كل راكب واحد يستهلك أكثر من عشر لترات من الوقود في السيارات الرباعية الدفع، وأكثر من ستة لترات لسيارات السيدان، ونحو أربعة لترات للقطارات السريعة، مقابل أقل من لترين ونصف اللتر في طائرة «بوينغ 787» التي يتميز محركها بأنه قليل الضجيج وأكثر تحملاً وقابل للتغيير،
وعلاوة على ذلك أن تكاليف صيانة الطائرة أقل من صيانة الطائرات الأخرى، فضلاً عن أن التكاليف التشغيلية للطائرة أقل من سواها. ولعل المفخرة الكبرى للطائرة الحلم أنها عالمية التصميم والتصنيع، بعدما اعتمدت شركاء من دول عدة في سابقة هي الأولى في صناعة الطائرات المدنية التجارية.
ومن أبرز الشركاء اليابانيين في صنع مكوِّنات «الطائرة الحلم»، والذين يبنون مصانع جديدة أو يوسِّعون المصانع الموجودة في محيط منطقة ناغويا الصناعية: شركة «كاوازكي للصناعات الثقيلة» التي تصنع جزءاً صغيراً من هيكل الطائرة في مقدمة الجناحين،
بالإضافة إلى أطراف الساحب الثابت للجناح بالتعاون مع معامل شركة «ميتسوبيشي» وشركة «فوجي للصناعات الثقيلة» التي تبني الصندوق المركزي للجناحين والهيكل المقوّي في الجزء الأسفل للساحب المركزي الذي يحمل الجناحين وناقل سرعة الهبوط. وشركة «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» التي تبني الجناحين،
على أن يجمع العمال أطراف الساحب الثابت للجناح وأطراف التوجيه الثابتة التي تُصنع في معامل «بوينغ» القديمة في مدينة تولسا اليابانية (تديرها الآن شركة «سبيريت ايروسيستمز»). ومن المقرر أن تشحن «بوينغ» هذا الجزء المجموع من اليابان إلى معامل الشركة في أفيريت عبر طائرات شحن عملاقة.
وفي مدينة فوغيا بجنوب إيطاليا، تبني شركة «آلينيا» حافظ التوازن الالكتروني الذي يبلغ عرضه 64 قدماً. وفي غروتاغلي الإيطالية أيضاً، تصنع «آلينيا» سطح الهيكل المركزي والجزء الخلفي من الهيكل، وتضيف إليه باب عنبر الشحن الذي ستصنعه شركة «ساب» السويدية.
ومن المملكة المتحدة، تشارك شركة «ميسيير ـ داوتي» عبر مقرها الرئيسي في فرنسا، ببناء مبدّل سرعة الهبوط فيما تبني في معاملها البريطانية غلاف مقدمة الطائرة. وفي الولايات المتحدة نفسها، تبني شركة «سبيريت آيروسيستمز» في مدينة ويتشيتا أنف الطائرة وقمرة القيادة، وتجمع غلاف المقدمة بأنف الطائرة والباب الأمامي لعنبر الشحن، كما تبني «سبيريت» برج الأسلاك الذي يربط بالمحركات.
وتصنع أيضاً الأطراف الموجهة للجناح التي تشحن إلى اليابان لجمعها مع أجزاء أخرى في معامل «ميتسوبيشي» قبل إعادتها إلى مقر الشركة في افيريت. وفي مركز الشركة بمدينة دالاس، تكساس، تصنع شركة «فوغت» الجزء الخلفي للهيكل، بالإضافة إلى إطار باب دخول المسافرين الذي ستصنعه شركة «لاتكور» في فرنسا.
وتبني شركة «هاوكر دو هافيلاند» التابعة لـ «بوينغ» في أستراليا الجنيحات المتحركة للجناحين، على أن تصنع جزيئات أخرى في معامل «هافاي» الصينية و«وينيبيغ» الكندية. وقام المركز التصميمي لـ «بوينغ» في موسكو بتوظيف عشرات المهندسين لتقديم الدعم التصميمي لطائرة «بوينغ 787» فضلاً عن طائرات أخرى.
لما كانت «بوينغ» أكبر شركة لصنع الطائرات التجارية في العالم، فقد وصلت مبيعاتها إلى 145 دولة. ولديها أكثر من 150 موظفاً في مقرها الرئيسي الجديد بمدينة شيكاغو، من 67 جنسية. وبلغت عائداتها عام 2004 أكثر من 50 مليار دولار من مبيعات طائراتها المدنية، وكذلك العسكرية بعد اندماجها مع شركة «ماكدونال دوغلاس» لصنع الطائرات الحربية عام 1997.
تاريخ طويل
ولشركة «بوينغ» تاريخ طويل يعود إلى عام 1903، حين سجل حدثان بداية تاريخ الطيران المعاصر. لقد قام الأخوان رايت بأول محاولة طيران في كيتي هاوك بولاية نورث كارولينا، حيث اتجه المهندس وليم بوينغ المتخرِّج في جامعة يال، وبعدما عمل في تجارة الأراضي، اتجه بوينغ عام 1908 إلى لوس انجلوس لعقد أول اجتماع خاص بالطيران، لكنه لم يوفق، فعاد إلى سياتل خائباً،
وقرَّر تعلُّم المزيد عن علم الطيران الجديد. وبعد سنوات من الدراسة والتدريبات النظرية، عاد بوينغ في عام 1915 إلى كاليفورنيا لتلقي المزيد من دروس الطيران مع الطيّار غلين مارتن. وقبل المغادرة، طلب من المهندس الحربي جورج كونراد وسترفلت تصميم طائرة جديدة. وبالفعل، بدأ الرجلان بصنع طائرة تجريبية سُمِّيت بالأحرف الأولى لاسميهما.
وبحلول عام 1939، كانت الشركة أنتجت نماذج مختلفة من الطائرات، وكانت غيوم الحرب قد بدأت تتلبّد فوق أوروبا، فعمل موظفو شركة «بوينغ» على إنتاج طائرة «بي17» بكميات كبيرة، إذ أنتجت الشركة 60 طائرة عام 1942، وصولاً إلى 362 طائرة عام 1944، وبين هذه الطائرات «بي29» الاستراتيجية.
وبعد انتهاء الحرب أنتج بوينغ طائرات أكثر تقدماً، وساهم في الستينات بجهود صنع مركبة «أبولو» التي نزلت على سطح القمر، ثم باشر التركيز على قطاع الطائرات المدنية أكثر فأكثر بسبب الأزمات والركود الاقتصادي، واندفعت شركة «بوينغ» نحو صناعة الطائرات المدنية انطلاقاً من أعوام السبعينات، وصولاً إلى يومنا هذا.
سياتل ـ علي بردى