أثار المخرج اللبناني باسم فياض جدلا كبيرا بفيلمه «طريق إلى غروب أقل» الذي عرض في افتتاح مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة، فالبعض رأى أنه رؤية أميركية للعراق من الداخل فيما أنصفه آخرون، بينما قال فياض أنه محاولة سينمائية أرادها لفهم الواقع الإنساني في العراق الغارق في العنف والدم والموت.

تخرج باسم فياض من «معهد الدراسات المسرحية والسمعية البصرية» في «جامعة القدّيس يوسف» في العام 1997، بإنجازه فيلما قصيرا بعنوان «سهى»، عن سهى بشارة المقاوِمة اللبنانية التي اعتقلها الإسرائيليون في معتقل (الخيام) لعشرة أعوام، إثر محاولتها في اغتيال أنطوان لحد، وعمل كمصوّر سينمائي مع جاد أبي خليل في «سيدي الرئيس القائد» وماهر أبي سمرا في «نساء من حزب الله» وديمتري خضر وسينتيا شقير في «سفر» وكمخرج، أنجز قبل (طريق إلى غروب أقل) فيلمه الأول «بيروت بغداد».

وفي حواره لـ «البيان» قال فياض: في فيلم «بيروت بغداد» رسمت صورة أقرب للذاتية عن علاقتي ببيروت لحظة اندلاع الحرب الأميركية على العراق، أما في «طريق إلى غروب أقلّ» حاولت الغوص أكثر في الذات العراقية.

ـ ولماذا اخترت العراق تحديدا كموضوع لفيلميك؟

ـ لأنني منذ صغري تربطني علاقة حب وتأمل لهذا البلد، وكنت أنظر إليه مشدوها لتاريخه وحاضره، لأحلامه وواقعه، فهناك شيئ من ذاتي كان دائما يشدني للعراق، كما أن الواقع في العراق اليوم به مادة ثرية للبحث يُمكن الاستفادة منها، وقد أتاح الفيلمان لي فرصة التعبير عن شخصيتي.

فالفيلم الأول دار أكثر عن بيروت، وكيف أراها وكيف عشتها في لحظة اندلاع الحرب في العراق. أماالفيلم الثاني عبارة عن وجودي أنا في العراق، هذا البلد الذي سمعت وأسمع عنه كثيرا من دون أن أزوره أبدا. وضعت فيه انطباعي وشعوري كباسم فياض الشاب العربي اللبناني.

ـ إذا كان العراق يشكل لك كل هذا الاهتمام، فهل يمكن أن تنجز تجربة ثالثة عنه؟

ـ حاليا، ليس واردا أن أفعل ذلك أو أن أذهب إلى العراق. أشعر أن لا شيء تغيّر منذ أن حقّقت فيلمي الثاني إلى الآن. وبالتالي لن يكون هناك شيء جديد لإنجاز فيلم آخر عن الموضوع نفسه. الفيلمان اللذان قدمتهما كانا شخصيين للغاية. في الثاني اعتذار عن الأول، وربما لهذا أرى أنهما يكمّلان بعضهما البعض.

في «بيروت بغداد»، دخلت في دائرة الهزيمة واليأس والإحباط. وحين ذهبت إلى هناك وجدت كم نحن بعيدون عن الواقع. فأن تعيش الحدث على الأرض أمر بالتأكيد يختلف كثيرا عمّا تشاهده في وسائل الإعلام. في بغداد، لم أشعر أنها مدينة مهزومة أبدا بل تعج بالحياة والمقاومة.

ـ البعض قال أنك أذعنت لمطالب المنتج الأميركي، وقدمت صورة لا تنتقد الوجود الأميركي في العراق بقدر ما تنتقد صدام حسين، فما تعليقك؟

ـ علاقتي بالمنتج الأميركي في هذا الفيلم أكثر راحة وأبسط، فلم أواجه حواجز محدّدة في إنجازي للفيلم على الرغم من أنه كان لديه ملاحظات على بعض الأمور كالجُمَل ذات المعنى السياسي. في النهاية، لم يتخذ الفيلم موقفا من الأميركيين ولا من العراقيين باستثناء موقف ضد «صدام»، لأني كنت أفتّش عن عنوانين كبيرين هما الحب والأمل في العراق، في علاقتي بالمنتج الأميركي شعرت أنه من غير المستحب انتقاد أميركا.

لكني لم أكن هناك كي أنتقد الأميركيين.لم أتنازل عن شيء في الفيلم. بفضل الحوار والنقاش، اقتنع المنتج بإبقاء أشياء عدّة أردتها أنا، في أحيان كثيرة تشعر أنك عاجز عن مناقشة منتج عربيّ بهذا الشكل، أما مع هذا المنتج الأميركي، فكان هناك حوار دائم أفضى إلى تحقيق ما أردته أنا منذ البداية.

ـ نرى أنك اخترت الفيلم الوثائقي ليكون مشروعك الفني، فهل هناك مجال آخر لكي تحقق الفيلم الروائي؟

ـ أحبّ تصوير الروائي، أي أن أكون مدير تصوير في فيلم روائي. لكني أستمتع أكثر بإخراج الفيلم الوثائقي. ربما لأن الحقيقة أقوى. في تركيبتي الفيلمين عن بغداد هناك خط روائي. لكن الجميل في الموضوع هو أني لم أكن لوحدي وأنا أكتب هذا الخط. تدخّلي فيه ربما كان في حدّه الأدنى.

هذه تجربة أنجزتها مرتين في «بيروت بغداد» و«طريق إلى غروب أقلّ»، فالناس هم الذين كتبوا القصّة. في الفيلمين لم يكن هناك خطة واضحة ولم أكن أعرف إلى أين سأصل. هناك فكرة عامة. خلال التصوير صادفت حدثا أدّى بي إلى آخر، والتقيت شخصا أوصلني إلى آخر، وهكذا. هناك مجموعة كبيرة من الناس شاركت في كتابة الفيلم. هذه هي المتعة.

القاهرة ـ ناهد صلاح