مع تسارع وتيرة الاستحقاقات الدولية الخاصة باتفاقية التجارة العالمية واتفاقيات التجارة الحرة وما يستتبعها من التزامات بخصوص تحرير القطاع المصرفي في الدولة ودول مجلس التعاون الخليجي، لا تزال بنوكنا الوطنية تتعامل مع هذا المؤشر الخطير بما يمكن وصفه باللامبالاة وعدم ردة الفعل الحثيثة تجاه كل هذه المتغيرات والتطورات التي تطرأ على الساحة المصرفية وبما يتواءم مع أهمية التكيف المحلي مع متطلبات هذه الاستحقاقات والتصدي لتحديات العولمة.
ومع التسليم بأن معظم بنوكنا الوطنية أبدت رغبة أكيدة في رفع القدرة على منتجاتها وبرامجها مستعينة بالثورة التكنولوجية، حيث لجأت إلى الاستعانة بالتكنولوجيا الحديثة واستخدام الآلات المتطورة حتى تستطيع خدمة عملائها لزمن أطول وفي وقت أقل،
إلا أن هذه الخطوات لم تكن كافية في ظل محدودية رؤوس أموالها وموجوداتها التي تستطيع أن تنافس بها كبريات البنوك العالمية المقبلة للمنطقة بكل ثقلها وعلى الأخص فيما يختص ببعض الأمور الاستراتيجية مثل خلق أسواق محلية مالية تتمتع بسيولة عالية يستفيد منها المستثمرون في المنطقة، وتقديم الخدمات المالية الاستشارية وتمويل المشاريع الخاصة بالبنية التحتية أو المشاريع التنموية الكبرى.
ومن الملاحظات الملفتة للنظر والجديرة بالاهتمام والتركيز موضوع دمج البنوك الذي يكاد لا يخلو أي مؤتمر أو لقاء مالي ومصرفي عربي إلا كان موضوع الدمج يطرح كحل أوّلي بعد أن شهد العالم اندماجات كبيرة بين المؤسسات المالية في كثير من الدول المتقدمة وهي ظاهرة منطقية لمواجهة عصر العولمة،
فهي تقل عددا وتزداد قوة وثباتاً، فيما يغص العالم العربي بأعداد كثيرة من البنوك والمصارف، بعضها لا يزال ملكا خالصا للقطاع الحكومي فيما البعض الآخر يعتمد في بقائه على الضمانات الحكومية للودائع، مما جعل الكثير من إدارات البنوك تركن إلى الخمول وعدم الابتكار وقتل روح المنافسة التي تقف حائلاً أمام منافسة البنوك العالمية ذات رؤوس الأموال الكبيرة.
3 خيارات مطروحة
وبالعودة إلى العديد من المؤتمرات التي عقدت خلال السنوات السابقة حول آفاق ومستقبل المصارف الخليجية فقد حددت معظمها ثلاثة خيارات أمام البنوك خلال الفترة المقبلة:
الخيار الأول السهل: وهو إبقاء الأمور على ما هي عليه تمنح البنوك الحماية والدعم المستقر والملكية الحكومية والأسواق الصغيرة غير المتكاملة ، وفي هذه الحالة فهناك ضرر كبير واقع بالاقتصاد القومي الخليجي العربي وتشير الدراسات عند مقارنة اقتصادات بعض الدول التي فتحت أسواقها المالية وأخرى تركتها مغلقة،
وان ثمة فارقاً كبيراً انعكس بالحد من احتمال نشوب الأزمات المالية وأنه نتيجة للمنافسة في القطاع المالي فقد انعكس بزيادة تنافسية في قطاع الإنتاج وتحسين السيولة في أسواق المال مما أدى إلى زيادة الدخل ومعدل النمو وارتفاع الثقة في اقتصاد الدول ككل.
الخيار الثاني: أن يسلم القطاع المصرفي العربي الخليجي بأهمية وفائدة تحرير القطاع المالي من خلال إطار تنظيمي ومؤسسي سليم مما يعني قيام الدول بفتح الأسواق المصرفية فيما بينها وإخضاعها لمعايير موحدة تواكب المعاير العالمية وفي حال عدم قدرة البنوك على البقاء في سوق مفتوح أن تقوم بالاندماج فيما بينها سواء داخل دولها أو في المنطقة العربية أو خارجها،
وهذا يستدعي أن تتم تحالفات استراتيجية فيما بين البنوك الأكبر الناجمة عن هذه الاندماجات وكذلك بينها وبين بنوك عملاقة حتى يتم الاستفادة من الثورات التكنولوجية المتلاحقة والقدرة المتزايدة على تنويع المخاطر والمنتجات في سوق يتسع باستمرار.
الخيار الثالث: وهو الأسوأ من حيث عائده على الاقتصاد الوطني لأي دولة وهو ان تبقي الحكومات على الحماية والدعم الصريح والمستتر وعلى أسواقها الصغيرة وشبه المغلقة وان تسمح لعدد محدود من البنوك الأجنبية بفتح فروع أو بنوك مشتركة في أراضيها، وهذا يعني مشاركة البنوك الأجنبية في الربح الذي ينتج عن الدعم والحماية للبنوك العاملة في البلاد، أي أن الفائدة المالية التي تتحقق الآن للبنوك المحلية في الأسواق المغلقة على حساب الفائدة الاجتماعية.
المتغيرات العالمية وتأثيرها
وبالنظر إلى المتغيرات الأخيرة وتأثيرها في عالم البنوك العالمية، وبسبب قراءتها الصحيحة للتحديات المقبلة، كثرة ظاهرة الاندماجات بين البنوك العالمية، ففي الوقت الذي تتهرب فيه بنوكنا الوطنية وتدفن رؤوسها استخفافا من موضوع الاندماج لتكوين كيانات أكبر، أطلت علينا مؤخرا أكبر عملية اندماج في تاريخ القطاع المصرفي العالمي،
عبر اندماج يتم في أكتوبر عام 2005 بين مجموعة ميتسوبيشي طوكيو المالية و«يو.إف.جيه» ليكونان أكبر بنك في العالم بموجودات تبلغ 7. 1 تريليون دولار لتحل محل مجموعة سيتي جروب التي تبلغ قيمة موجوداتها الآن 3. 1 تريليون دولار على الرغم من أن ميتسوبيشي كانت تحتل المركز السادس عالميا من حيث الموجودات، فيما كانت «يو.إف.جيه» تحتل المركز الرابع عشر عالميا.
وبالنظر إلى آخر إحصائية لعام 2004 بالنسبة للميزانية المجمّعة لأكبر 51 مصرفا وطنيا خليجيا،فإن إجمالي موجودات ال51 بنكا تبلغ حوالي 376 مليار دولار، وبذلك فإن موجودات العملاق العالمي الجديد ل«يو.اف.جيه» وميتسوبيشي تبلغ حوالي 4 أضعاف موجودات بنوكنا الخليجية،
وبالنظر إلى قائمة أكبر 1000 بنك والتي أوردتها مجلة ذا بانكر الأميركية، نجد أن موجودات بنوكنا الخليجية مجتمعة إذا قدر الله واندمجت جميعها ستأتي في المرتبة الأربعين، مما يجعل منها قزماً صغيراً أمام عملاقة العالم و«هواميره».
لقد شهد قطاع المصارف والبنوك عالمياً قبل 10 سنوات ومنذ عام 1995 الكثير من عمليات الاندماج تميزت بتجميع أصول مالية لبنوك عملاقة تعدّت في جملتها 9 تريليونات دولار، فقد شهد العالم منذ مطلع عام 1995 وحتى نهاية العام الماضي اندماج ما يقرب من 5400 منشأة مالية، بلغ نصيب الولايات المتحدة وحدها ما يعادل 56% من هذه الاندماجات المصرفية.
كما أن الاندماجات بين البنوك تزايد بشكل ملحوظ قبل 10 سنوات أعقاب الأزمات الاقتصادية العالمية، ليس بدافع النمو وزيادة الإنتاج، وإنما بدافع الخوف من ظهور خسائرها الناتجة عن تفاقم هذه الأزمات، حتى إن اندفاع بعض المؤسسات السريع نحو مثل هذه الاندماجات قد يتسبب في بعض الأحيان في فشل وخسارة وانهيار الشركة الجديدة، ولكن ما يحدث الآن هو قراءة صحيحة للمستقبل وتحصيناً من ضراوة المنافسة المقبلة بعد العولمة للفوز بأكبر تمثيل قاري بعد التحرير.
وبهذا ونتيجة لعولمة البنوك لن يكون هناك مجال للبنوك الصغيرة، فالاتفاقيات مثل اتفاقية الجات التي تطورت إلى منظمة التجارة العالمية W T O ستزيل الحدود بين الدول، وسينتقل رأس المال بين البلدان، ولن تكون خدمات البنوك محدودة على أماكن معينة، لذلك ظهر اتجاه واضح نحو الاندماج والتحالف لخلق مؤسسات مالية ضخمة تستطيع مواجهة تحديات العولمة.
ونتيجة لكل المؤثرات السابقة فإن البنوك الخليجية وغيرها من الكيانات الصغيرة تواجه مأزقاً كبيراً، حيث إن عليها أن تزيد من كفاءتها ورغم أن ما يجري من تحالفات واندماجات في عالم البنوك يخلق مؤسسات مالية أكبر وأقوى، إلا أنه مؤشر على أن البنوك في حالة تريد مواجهة التحديات التي تقف أمامها، لذلك فإن إسهام البنوك في سوق الخدمات المالية قد بدأ في الهبوط، بينما شركات التأمين وشركات توظيف الأموال ينمو إسهامها في ذلك السوق.
ويجب أن نضع في الاعتبار أن العلاقات المعقدة والاعتماد المتبادل بين البنوك وعملائها وبين البنوك وبعضها البعض يجعل من المصاعب والمشاكل ـ التي قد تكون في الأصل محلية ـ مشاكل ومخاطر ذات انتشار واسع في القطاع المصرفي وفي الاقتصاد ككل. وبالنظر إلى تاريخ الأزمات المصرفية نجده ليس جديداً، فمنذ عام 1930 فإن الكساد العظيم في ذلك العام كان بمثابة بداية انهيارات للبنوك في الولايات المتحدة وغيرها.
في عقد الثمانينات ومطلع التسعينات تعرض النظام المصرفي لعدة أزمات؛ كان أهمها مشكلة الديون العالمية التي أدت إلى إضعاف النظام المصرفي العالمي، وكشفت للجميع وضع المصارف الداعي للقلق؛ إذ اتضح أن البنوك التجارية العالمية التي لعبت دوراً مهماً في النظام المصرفي تعاني من ضعف رأسمالها، وقلة أصولها وارتفاع نسبة الديون المشكوك فيها. ومن أشهر الانهيارات التي حدثت في عالم البنوك انهيار بنك التجارة والاعتماد الدولي (B.C.C.I) وما نتج عنه من مناخ سلبي لعموم البنوك.
بدايات الاندماجات الكبرى
في أعقاب الأزمة الروسية خسر بنك «بانكرزترست» العالمي 488 مليون دولار في صيف عام 1998م، وخسر «دويتش بنك» الألماني ما يقرب من مليار دولار، وقد اشترى (دويتش بنك) قبل حوالي 4 أعوام بنك «بانكرزترست» في صفقة بلغت قيمتها 10 مليارات دولار، وفي سويسرا عُقدَت يومها أكبر صفقة اندماج في قطاع البنوك بين البنك السويسري وبنك الاتحاد السويسري والتي بلغت أصولها 754 مليار دولار.
وبعد سنوات طويلة عانت فيها البنوك الأميركية من الغياب الواضح على الساحة الدولية، مما أدى إلى خلو قائمة أكبر بنوك العالم حتى نهاية عام 1996 من أي بنك أميركي، لجأت البنوك الأميركية في الأعوام القليلة الماضية لعمليات الاندماج الكبرى بهدف خلق كيانات مصرفية عملاقة تستطيع المنافسة بين البنوك على المستوى العالمي، وكانت الصفقة الكبرى للاندماج بين مصرفي (ترافيلرز جروب) و(سيتي كورب)،
واللذين كونا معا المجموعة المالية (سيتي جروب) بأصول بلغت قيمتها وقتها 698 مليار دولار، حيث زادت لتصل في نهاية عام 2004 حوالي 26. 1 ترليون دولار. كما اندمج (تشيز بنك) مع (بنك أميركا) في صفقة أصول بلغت حيها 570 مليار دولار، واشترى (بنك وان) بنك (فيرست شيكاغو) بمجموع أصول بلغ 240 مليار دولار.
وفي آسيا وفي أعقاب أزماتها الاقتصادية الكبرى اندمج بنك (ميتسوبيشي) مع (بنك طوكيو)، حيث إن اليابان تعمل على النهوض السريع لإعادة اقتصادها إلى النمو النشط، وقد أسست الحكومة اليابانية هيئة مستقلة لإعادة هيكلة البنوك اليابانية. كما قامت السلطات اليابانية بوضع خطة في خريف 1998 لإصلاح نظامها المالي، ووافقت على ضخ حوالي 7500 مليار ين لإعادة رسملة المصارف الكبرى الخمسة عشرة في البلاد.
ورغم ذلك فإن السلطات اليابانية لم تكن مهتمة إلى حد كبير بمصير حوالي 120 من المصارف الإقليمية اليابانية الغارقة في الديون، وكانت الدولة قد أممت 4 مصارف تواجه صعوبات في النهوض الاقتصادي من دون مساعدة، كما أن المصارف (هوكوريكوبنك) و(إشيكاغابنك) و(بنك أوف ذي ريوكي بنك) و(هيروشيما سوغو بنك) أعلنت أنها ستطلب مساعدة بقيمة 260 مليار ين (22 مليار يورو) من الدولة لتصحيح حساباتها وإلغاء قسم من الديون الهالكة.
اندماجات خليجية سابقة
يمكن رصد أهم الاندماجات التي شهدها القطاع المصرفي الخليجي وذلك على النحو التالي: اندماج كل من (بنك مسقط) و(مصرف عمان التجاري) في بنك واحد يحمل اسم (بنك مسقط) وقدرت أصوله حينها بحوالي 3. 42 مليارات دولار وتم التنفيذ في ديسمبر من العام 2001 وهو نموذج للاندماج داخل الدولة الواحدة. ثم اندماج (البنك الأهلي التجاري) في البحرين مع (الكويتي المتحد) في لندن لتكوين شركة قابضة في البحرين بقيمة 304 ملايين دولار
ويمتلك البنك الأهلي البحريني 36. 62% من حصة الشركة والنسبة الباقية وهي 76. 38% يمتلكها الكويتي المتحد، وهو نموذج للاندماج داخل نفس القطاع بين دولتين. ثم دخل البنك الأهلي التجاري وبنك الخليج الدولي في تحالف لإدارة الصناديق الاستثمارية
حيث يقوم بموجبه بنك الخليج الدولي في المملكة المتحدة بإدارة مجموعة من الصناديق الاستثمارية في الأسواق الخارجية لصالح البنك الأهلي التجاري ويتوقع أن يفتح هذا الاتفاق المجال لدخول بنوك خليجية أخرى إلى هذا التحالف. وفي الإمارات تم دمج عدة بنوك في أبوظبي لتكوّن بنك أبوظبي التجاري وفي دبي تم دمج عدة بنوك أخرى لتكوّن بنك الإمارات الدولي.
البنوك العربية
وعلى الساحة العربية فإن البنوك العربية تحتل خمسين مركزاً أخيرا فقط من المراكز الألف الأولى على مستوى العالم، مما يعني أن نسبة وجود البنوك العربية على الساحة العالمية لا تتعدى 5%، مما جعل من المتوقع أن يشهد القطاع المصرفي أوضاعاً غير مريحة.
إلى جانب ذلك فإن هناك الكثير من التحديات والمتغيرات الدولية والمعايير المصرفية التي تواجه البنوك العربية؛ منها اتفاقية تحرير الخدمات المالية التابعة لمنظمة التجارة العالمية والتي تضع البنوك العربية في موقف صعب ومأزق حرج، حيث إن عليها تطوير نفسها خلال فترة وجيزة حتى تتمكن من منافسة نظيرتها الأجنبية المقبلة بموجب هذه الاتفاقية لتعمل في الأسواق العربية، وتحصل على نفس مزايا البنوك الوطنية.
كما أن المعايير المصرفية الدولية (مقررات لجنة بازال) تمثل تحدياً آخر لهذه البنوك، حيث إنها مازالت تصف معظم الدول العربية بأنها دول مرتفعة المخاطر، الأمر الذي يؤدي لزيادة تكلفة حصول المصارف العاملة داخل الوطن العربي على الموارد المالية من الأسواق الدولية.
كما أن الحدود الدنيا لرؤوس أموال البنوك العربية لا تتناسب والأوضاع الاقتصادية والمصرفية المالية العالمية، حيث إن الحدود الدنيا لهذه البنوك بلغت 30 مليون دولار في مصر، و30 مليون دولار في الأردن، و8 ملايين دولار في لبنان، بينما يتجاوز الحد الأدنى لأضعف بنك أوربي 800 مليون دولار!
كما أن كثير من بنوك المنطقة تُعد بنوكاً صغيرة لا تجدي كثرتها، لأنها متواضعة ولا تؤدي أدواراً فعّالة في الخدمات المصرفية، وتفتقد إلى الآليات والنظم البنكية الحديثة؛ مما يجعل البنوك المحلية في حالة عدم قدرة على المقاومة والمنافسة.
كتب أبوبكر الأمين