«تواجه صناعة البناء والمقاولات في الدولة أزمة حادة لم تشهدها منذ 30 عاماً» حسب تعبير بعض أصحاب شركات المقاولات. فالضغوط المالية تشتد على المقاولين من كل جانب، وأدى قرار لوزارة العمل منعت بموجبه العمال من العمل ظهراً طيلة شهرين إلى خسارة تلك الشركات مبالغ مالية ليست بالقليلة.

وعاودت « العمل» إصدار قرارات تهدف إلى «تنظيم سوق العمل» ورفعت قيمة رسوم معاملاتها وكذلك غراماتها بنسب تراوحت مابين 100 إلى 1500% عن قيمتها السابقة، مما زاد أعباء شركات المقاولات التي تعتمد على العمالة في انجاز مشاريعها. وجاءت زيادة أسعار البترول الأخيرة لـ «ترفع الضغط» لدى المقاولين لأن تلك الزيادة بدأت تقود باقي الأسعار إلى الارتفاع.

ويتوقع أن تبلغ قيمة « فاتورة» خسائر الشركات أكثر من مليار درهم سنويا كحد أدنى عقب زيادة أسعار الوقود بنسبة 30%. وأكدوا في أحاديث ل«البيان» ارتفاعا وشيكا في أسعار مواد البناء بنسبة 10% ومثلها في أجور العمالة، و15% في أجور النقل و25% في أجور الشحن.و70% زيادة في تكلفة البناء.

لكن مراقبين حذروا من تداعيات اتخاذ قرارات دون الأخذ بنظر الاعتبار وضع شركات المقاولات وطفرة المشاريع التي تشهدها الدولة والتي تستدعي تعبيد الطرق لانجازها بدلا من وضع العراقيل أمام شركات المقاولات التي باتت تعيش أوضاعاً غير مستقرة دفعت بإحدى كبريات الشركات الوطنية إلى البدء بتوسيع نشاطها العمراني خارج الدولة خوفاً من القادم المجهول.

* مرجعية

وأكد نائب رئيس جمعية المقاولين أحمد خلف المزروعي أن الجمعية أرسلت بخطاب إلى وزارة العمل تدعوها فيه بالوقوف على رأي الجمعية قبل اتخاذ قرارات مهمة تتعلق بقطاع البناء والتشييد وشركات المقاولات العاملة فيه. وأشار إلى ان قرار الزيادة الكبيرة في أسعار المحروقات أو الغرامات والرسوم التي تفرضها «العمل» - على سبيل المثال - ستكون لها آثار كارثية على شركات المقاولات،

ويقول إن المحروقات تعتبر بنداً رئيسياً في مصروفات هذه الشركات، وقد عانت شركات المقاولات خلال العامين الماضيين من الارتفاع الجنوني في أسعار مواد البناء ويجيء قرار زيادة أسعار المحروقات ليقصم ظهر هذه الشركات ويحمِّلها متاعب وهموماً جديدة.

ويضيف المزروعي: الزيادة ستؤثر على الشريحة الكبرى من شركات المقاولات والنقليات، وقد يتحمل العديد منها خسائر خلال الفترة المقبلة ونريد من الجهات الحكومية المختصة أن تلتفت إلى هذه المشكلة الكبيرة التي قد تعصف بالعديد من الشركات. وأضاف: اننا لا نطالب بالمستحيل، بل نريد أسعاراً معقولة للمحروقات أو تعويضنا تعويضاً مقبولاً.

ويقول المزروعي: الدولة مقبلة على طفرة إنمائية كبيرة، وقطاع المقاولات من أهم القطاعات الاقتصادية التي ستتحمل عبء هذه النهضة، وبالتالي لا بد من دعم هذا القطاع وتقديم كل التسهيلات له للقيام بدوره على أكمل وجه. وإن أي انتكاسة في هذا القطاع ستؤثر سلباً على كل القطاعات.

وقال احمد خلف المزروعي نائب رئيس مجلس إدارة جمعية المقاولين ان رفع أسعار المحروقات يعد بمثابة الكارثة على الشركات العاملة في القطاع، مؤكدا بان لا أحد ضد هذه الزيادة ولكن المنطق كان يستوجب التحضير لها وإعطاء مهلة لمختلف القطاعات الاقتصادية لتكييف نفسها معها خاصة.

وان المحروقات تشكل عنصرا رئيسيا في أنشطة الكثير من هذه القطاعات وأكد المزروعي ان نسبة الزيادة كانت عالية جداً الأمر الذي ستزداد فيه حدة خسائر شركات المقاولات الوطنية والتي مازالت تعاني من مشكلات كثيرة وجاء رفع أسعار المحروقات لزيادة حدتها.

وأوضح ان شركات المقاولات لن تكون قادرة على رفع أسعارها على المشاريع التي تقوم بتنفيذها أو ارتبطت بعقود لتنفيذها خلال المرحلة المقبلة وذلك نظرا لوجود نصوص تعاقدية مسبقة لا تأخذ بالاعتبار حدوث مثل هذه الزيادات على أسعار المحروقات.من جهته قال رياض كمال مدير عام شركة «اربتك» من الطبيعي عند زيادة أسعار المحروقات ارتفاع كلفة تنفيذ المشاريع خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطاقة في تشغيل المولدات الكهربائية والنقل في المشاريع الإنشائية.

وأوضح ان زيادة أسعار المحروقات ستؤثر سلباً على ربحية الشركات العاملة في قطاع المقاولات والإنشاءات مشيراً إلى انه من الصعب التكهن حالياً بنسبة الارتفاع في كلفة المشاريع نتيجة زيادة أسعار المحروقات. وأوضح ان زيادة كلفة المشاريع ستتحملها بالدرجة الأولى شركات المقاولات والتي ستقوم بدورها بتحميل الكلفة إلى المستهلك.

* سندويتش الفول ايضا متضرر

واعتبر رجل الأعمال نشأت السهاونة الرئيس التنفيذي لشركة الحمد للمقاولات أن قرار زيادة أسعار الوقود مفاجئ. ولكنه رأى أن تأثيراته ستكون نسبية إلى حد ما، وربما ستكون متفاوتة على صعيد حجم الخسائر التي ستترتب عليها من شركة إلى أخرى بحسب الأوضاع المالية لكل شركة.وأضاف السهاونة أن الزيادة السعرية التي ستطرأ على أسعار الوقود ستقود قاطرة من الزيادات السعرية للعديد من السلع التي ترتبط بقطاع الإنشاءات والبناء بالدولة،

ويقول السهاونة »بصراحة فإن ارتفاع الأسعار سيطال الجميع بدءاً من أسعار الاسمنت وانتهاء بأسعار «سندويتش الفول» مرورا بكل المنتجات والسلع التي من بينها مواد البناء كالاسمنت والزجاج والألمنيوم، وغيرها من الصناعات بالإضافة إلى أجور النقل وأجور المهندسين كلها سترتفع على خلفية قرار الزيادة الذي جاء هو الآخر على خلفية أسباب يرى أصحاب القرار أنها دفعت قسرا باتجاه صدور تلك الزيادات.

* في غير توقيتها

وعبر حمد جاسم الدرويش فخرو رئيس شركة هندسة الدرويش في أبوظبي، عن استغرابه الشديد من اتخاذ قرارات بهذا المستوى من الأهمية والإعلان عنه بين ليلة وضحاها من دون أن يكون هناك تمهيد له أو على الأقل تثقيف للشرائح التي ستتأثر به.وقال الدرويش إنه كان يتمنى أن تقوم الجهات المعنية بالوقوف على رأي شركات المقاولات التي تعد من الفعاليات الاقتصادية المعنية بقرار من هذا النوع.

وأشار إلى أن الدولة مقبلة على طفرة عمرانية هائلة في العديد من مدنها لذا فإن زيادة أسعار الوقود بهذه النسبة لن تترك لشركة المقاولات أي هامش ربحي، حيث سبق للمقاول وعندما اندلعت أزمة أسعار مواد البناء، دفع فاتورة الزيادات السابقة للوقود في العام الماضي وقبلها.

وكان من الأجدى أن يتم اخذ كل ذلك بنظر الاعتبار وتحديدا ما يتعلق بالطفرة العمرانية التي تفرض استحقاقات كبيرة أبرزها دعم شركات المقاولات المحلية لتؤدي دورها على أكمل وجه دون تركها تئن تحت سياط ارتفاع الأسعار في مواد البناء بالأمس، واليوم تحت وطأة زيادة أسعار البترول التي ستجر هي الأخرى باقي الأسعار إلى الارتفاع سواء أكانت أسعار مواد البناء أو أجور العمالة أو تكاليف البناء وغير ذلك.

* المقاول لن يقبل

رجل الأعمال محيي الدين بن هندي، رئيس شركة العمار للهندسة والمقاولات، يرى أن المتضرر من هذه القرارات ليس المقاول وحده في هذه الحالة بل المالك الذي سيضطر إلى دفع الفروقات المترتبة على زيادة أسعار الوقود والتي ستقود بدورها إلى رفع باقي أسعار السلع المرتبطة بها،

وتكاد الزيادة المتوقعة لباقي السلع تشمل سلة الخدمات الاستهلاكية بأكملها. وأكد أن ملاك المشاريع الذين سيطرحون مشاريعهم الجديدة إلى العلن سيتوجب عليهم دفع مبالغ إضافية على تكلفة التنفيذ لأن شركات المقاولات على الأغلب لن تقبل أن تتحمل الآثار لوحدها.

* ليس عصرا ذهبيا

لكن رجل الأعمال حمد عبد الكريم العارف رئيس مجموعة العارف للمقاولات بدبي عبر عن دهشته لمثل هذا القرار الذي رأى انه سيعيد سيناريو الخسائر التي تعرضت لها الشركات الإنشائية ولكن بتفاصيل جديدة.وقال إن شركات المقاولات التي تعد محط حسد الآخرين بوصفها شركات منفذة لمشاريع البناء وتجني أرباحاً كبيرة، أصبحت تتعرض لشتى أنواع الخسائر جراء عدم استقرار الأسعار.

وضرب العارف مثلا بالآثار الجانبية التي سيخلفها قرار زيادة أسعار الوقود، وقال إن أسعار مواد البناء سترتفع وأجور العمالة سترتفع أيضاً، حتى ستطال الزيادة بآثارها الجانبية السلبية كل تفاصيل العمل الإنشائي. وأشار العارف إلى أن المقاول الذي يبلغ إنفاقه الشهري على الوقود نحو 500 ألف درهم سيضطر إلى إضافة نحو 100 ألف أخرى تمثل حجم الزيادة الجديدة في أسعار الوقود،

الذي تستخدمه شركات المقاولات على نحو واسع في آلياتها التي تنقل العمالة من السكن إلى مواقع العمل وبالعكس إلى جانب الآليات التي تنقل مواد البناء من المصانع أو الأسواق المحلية إلى مواقع المشاريع غير مركبات المهندسين والطاقم الفني وغيرهم.

* زيادة...زيادة

ويقول الدكتور احمد الحداد رئيس مجموعة الحداد العقارية ان شركات المقاولات بالدولة سبق لها ورفعت أجورها العام الماضي على خلفية زيادة أسعار مواد البناء، ولكنها لن تتأخر في رفع الأسعار ثانية لاسيما عندما ترتفع أسعار المواد يضاف إليها أجور العمالة والنقل والشحن على خلفية زيادة أسعار الوقود. وتوقع الحداد ان ترتفع أصابع الاتهام بوجه شركات المقاولات، ليرى بعض الملاك تلك الخطوة بأنها «مباغتة ودون سابق إنذار».

نتيجة وليست سبباً

الدكتور عماد الجمل الخبير والمحكم الدولي في قضايا فض المنازعات يرى ان من الظلم توجيه اللوم للمقاول إذا ماقام برفع أجوره أو رفع تكلفة البناء، فحتى لا نظلم أحدا علينا ان نسأل أولا - والكلام للجمل- عمن يقف وراء قيامه برفع أسعاره، ويجب أيضا مراجعة أسعار الوقود لشركات المقاولات على الأقل لأنها تنهض بدور وطني يتركز على رسم المشهد العمراني للدولة.

معبرا عن استغرابه من استمرار تكبد المقاول خسائر مالية كبيرة. ووصف علاقة المقاول بالخسائر بأنها على ما يبدو «أبدية» ولن تزول!!واقترح الجمل ان يتم إعادة النظر فيما يتعلق برسوم وغرامات وزارة العمل لأنها تصب في مصلحة الوزارة وهذا من حقها ولكنها من جهة أخرى لا تصب في مصلحة شركات المقاولات التي تعاني الأمرين وتواجه يوميا مشكلات مالية لا أول لها ولا آخر تبدأ بأسعار الوقود،

وتنهي بالضمانات البنكية التي يجب على المقاول أن يدفعها عند استقدام العمالة، كما يجب أن يكون هناك تنسيق وبرمجة لعملية إطلاق المشاريع لان تهافت المالك على البناء، واستعجاله انجاز الأبراج السكنية والتجارية التي تشهد طلبا مرتفعا للغاية، يجعل المقاول بشكل أو بآخر مندفعاً هو الآخر إلى رفع أسعاره، فيقع في دائرة الاستغلال.

ويضيف الجمل ، وحتى يتراجع المقاول عن أسعاره الجديدة يجب أن تكون هناك حركة تصحيحية لأسعار مواد البناء فأسعار الاسمنت لا تزال مرتفعة وكذلك الحديد والخشب الذي ارتفعت أسعاره مؤخرا 20% بعد كارثة تسونامي وارتباط الموردين بتلك المنطقة.ودعا إلى بذل الجهود لترسيخ الاستقرار في سوق مواد البناء التي إذا ما ترنحت، فإنها تطال بنتائجها السلبية العديد من الفعاليات التجارية والاقتصادية المهمة والتي لها تأثير مباشر في الحياة اليومية للناس والمجتمع.

* التعاطي مع الأزمة

أما عبدالله راشد محمد سيف صاحب شركة البادية للمقاولات، فقد كان سريعا في التعبير عن خيبة أمله بما يواجهه قطاع البناء والتشييد من مشكلات لم تعد تنحصر في إطار مشكلة واحدة بل أصبحت تتكاثر بسرعة كبيرة.. رسوم.. غرامات.. ضمانات بنكية.. بترول... مواد بناء.. أجور نقل.. أجور أيدي عاملة ... كلها وغيرها طالتها الزيادة إلا المقاول فقد بقي على حاله يواجه كل تلك الزيادات من دون ان تكون هناك جهة واحدة تدافع عنه أو تسنده أو تخفف من وطأة الضغوط التي يتعرض لها.

ويرى أن التعاطي مع قضية ارتفاع كلفة البناء على خلفية ارتفاع أسعار الوقود والتي ستقود باقي الأسعار إلى الارتفاع ومنها تكلفة البناء التي زادت بنسب تراوحت مابين 40 إلى 60 % يجب ان لا تنحصر في شخص المقاول بوصفه السبب المباشر وراء ارتفاع كلفة البناء في قطاع البناء والتشييد، وقال إن المشهد مترابط والعلاقة مابين أسعار مواد البناء وأجور العمالة والنقل والمحروقات وأسعار تكلفة البناء لا يفصلها أو تناولها على حدة.

* الحلقة الأضعف

ولا يزال رجل الأعمال علي موسى رئيس شركات علي موسى وأولاده، يكرر بأن «المقاول هو الحلقة الأضعف» لأنه لا يجد من يدافع عنه ورأى موسى في رفع الرسوم والغرامات حلقة جديدة في مسلسل ممل من الخسائر التي أصبح على المقاول دفعها بابتسامة عريضة !!

وأشار إلى إن الكثيرين سيرفعون أصابع الاتهام بوجه شركات المقاولات إذا ما رفعت أسعارها جراء الزيادة المتوقعة في أسعار مواد البناء والنقل والأجور وكل ما له علاقة بقطاع البناء، فتلك الشركات لم تزل هدفا سهلا لسهام النقد والاتهام ، فهي في الواجهة دائما، وربما هذا ما يجعلها تدفع ثمنا باهظا، فالمقاول هو الحلقة الأضعف، وهو المعرض دائما للخسارة، وهو من يحصد في النهاية اللوم والعتب والمسؤولية، لان الناس لا ترى أمامها التجار،

ولا ترى من يرفع الأسعار، ولا تعرف الأسباب الحقيقية التي تجبر المقاول على مواكبة الأسعار (ولا أقول رفع الأسعار)، لان المقاول مجبر وليس مخير في مسألة رفع أو عدم رفع الأسعار فإذا ما ارتفعت الأسعار، واكب من جانبه تلك الزيادة كي لا يخسر والى درجة كبيرة يقوم المقاول بمواكبة الزيادة بتقليل هامش أرباحه من المشروع، وفي بعض الأحيان يضطر المقاول إلى تنفيذ المشروع بسعر الكلفة أو بهامش من الخسارة.

ويقول إبراهيم يوسف الرحماني مدير شركة الرحماني أحد أبرز شركات تجارة مواد البناء بالدولة انه ليس من مصلحة المقاول استغلال ارتفاع أسعار الوقود ومن ثم ارتفاع أسعار مواد البناء ليرفع أسعار كلفة البناء، وربما العكس صحيح لأنه في حال ارتفعت الأسعار فان المقاول اقرب إلى الخسارة منه إلى الربح، وإذا ما عملنا أن سوق مواد البناء الذي يبلغ حجمه 15 مليار درهم سنويا وينضوي تحته نحو 40 مادة، شهد قفزات سعرية غير مسبوقة في غضون الأعوام الثلاثة الأخيرة،

وكان الوسطاء والتجار يبيعون كيس الاسمنت بـ 6 دراهم أو أكثر بقليل قبل عامين أو أكثر... لكن ما لبثت القناعة والرضى بالقليل الطيب تتبخر، فرفع بعضهم الأسعار إلى مستويات كبيرة، وارتفع سعر كيس الاسمنت في غضون أشهر معدودة من5 إلى 6 دراهم إلى 8 وإلى 12 و20 و25 و28 و.... وصل إلى 30 درهما وأختفى من الأسواق وأصبح نادرا!!

وأصبح من الصعب ان يحصل المقاول على أكثر من 100 كيس فقط، مع أنه طلب 10000 آلاف كيس، ولم يجد المقاول غير التوجه إلى تلبية ما يحتاجه بأسعار خيالية من الوسطاء وتجار السوق السوداء !!.

تحقيق: مشرق علي حيدر