أثار ما تحدثت عنه وسائل الإعلام عن حالة الاعتداد بالذات التي ظهر بها محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني في خطبته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، تساؤلا عن ماهية الأوراق التي تمتلكها إيران والتي ترسخ الانطباع لديها بأنها قادرة على منازلة الغرب، وإلحاق الألم به، إذا ما تعرضت للأذى بسبب برنامجها النووي، وتكمن الإجابة لدى البعض، في شبكة أنابيب الطاقة التي تخطط إيران لتنفيذها.
والتي تغطي بقعة جغرافية متسعة، تمتد إلى الهند جنوبا والصين غربا وروسيا وأوربا شمالا، وسوريا والعراق غربا.وتعول إيران على هذه الشبكة لتحقيق أهدافا استراتيجية وسياسية إلى جانب أهداف تجارية واقتصادية. وبرز في صدارتها، كفالة الحماية والحصانة لها من خلال تكريس حالة اعتماد القوى الكبرى الرئيسية في العالم عليها كمصدر رئيسي للنفط والغاز.
وينطلق الخطاب الرسمي الإيراني من مفردات واقع تؤوله طهران بأنه معزز لقدرتها على المواجهة والتحدي، فوفقاً للأرقام الأخيرة لوزارة البترول الإيرانية، من المقدر أن يصل إجمالي عائدات إيران من صادراتها النفطية إلى ما لا يقل عن 60 مليار دولار في نهاية عام 2005، أي ما يزيد بعشرة مليارات دولار عن التقديرات الموضوعة في شهر يونيو الماضي، وتشير تقديرات أخرى إلى أنه يمكن أن تزيد عائدات إيران على هذه الأرقام مع ملامسة أسعار النفط 70 دولاراً للبرميل.
وترى طهران أن هناك آفاقا مبشرة بشأن مستقبل إنتاجها من النفط والغاز، فهي وبحسب التقديرات الإيرانية، تمتلك 13% من إجمالي احتياطات الوقود الحفري في العالم أي ما يعادل 132 مليار برميل من النفط الخام و 4. 27 تريليون متر مكعب من الغاز، الأمر الذي يجعلها ثاني أكبر دولة غنية بالغاز والنفط في العالم وثاني أكبر منتج في منظمة الدول المصدرة للنفط وذلك بعد المملكة العربية السعودية.
ووفقا لتقديرات وزارة البترول الإيرانية، فإن النفط الإيراني سوف يستمر خلال فترة تتراوح بين 70 إلى 86 عاماً، وربما يبقى الغاز لفترة أطول من ذلك تمتد إلى 200 عام. ولكن يتنامى الاستهلاك الداخلي من المنتجات النفطية والغاز بمعدل 5. 2 % سنويا، وعلى الرغم من ثراء إيران من موارد الوقود الهيدروكربوني، إلا أن التقديرات تشير إلى أنه إذا ما سادت الاتجاهات الحالية بخصوص معدلات الاستثمار في قطاع الطاقة لديها،
فإنه ربما تضطر إيران إلى تعليق تصديرها للنفط قبل عام 2020، حيث توجد عوامل عديدة وراء هذه المعضلة، وتتمثل في غياب الاستثمارات في صيانة منشآت النفط والغاز، وعدم اكتمال بناء المنشآت التي دمرتها الحرب الإيرانية العراقية خلال حقبة الثمانينات نتيجة للعقوبات الأميركية والتي أفضت إلى نشوء علاقات متوترة بينها وبين الشركات الأجنبية.
ورغم أن إيران اعتادت أن تنتج قبل الثورة الإيرانية في عام 1978 نحو 6 ملايين برميل يوميا، وفق نظام حصص الإنتاج الساري حاليا في منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك). إلا أن معدل إنتاجها الحالي يبلغ نحو 3,4 ملايين برميل يوميا، وتخطط وزارة البترول الإيرانية إلى الوصول بحجم إنتاجها النفطي إلى 7 ملايين برميل يوميا في عام 2015، وهو ما يتطلب ضخ استثمارات سنوية قيمتها 4 مليارات دولار حتى عام 2020.
وتأتي هذه التقديرات في ظل حالة من عدم اليقين تسود أسواق النفط، بشأن السياسات التي يعتزم محمود أحمدي نجاد الرئيس الإيراني انتهاجها بشأن قطاع النفط، خصوصا وأن كثرة الحديث عن تطهير قطاع الطاقة من «مافيا النفط» والتوزيع العادل للثروة النفطية، قد خلق انطباعا بأن طهران مقبلة على إحداث تغييرات ضخمة في سياستها النفطية، وأن مآل هذه التغييرات لن تصب في صالح الشركات الغربية، وذلك في ضوء الحديث عن تفضيل الشركات والمستثمرين المحليين،
وزادت حالة عدم التأكد مع تعيين كاظمي وزيري قائماً بأعمال وزير النفط، حيث راجت توقعات بأن يقوم المسؤول النفطي الإيراني الجديد بحملة تغييرات ضخمة في شركة النفط الوطنية الإيرانية التي تعتبر رابع أكبر شركة نفطية على مستوى العالم، وجاءت هذه التوقعات على خلفية ما تردد عن معاناة شركة النفط الوطنية الإيرانية من حالة عدم الكفاءة والبيروقراطية المتخمة.
وبمعزل عن ماهية التغييرات المقبلة في قطاع الطاقة الإيراني، فإن السؤال الأكثر حيوية، يتعلق بمصادر تمويل الاستثمارات الضخمة التي تحتاجها إيران خلال السنوات المقبلة. فمن ناحية، وعد الرئيس الإيراني بأنه سينحاز إلى المستثمرين المحليين،
ولكن هذا الوعد يصطدم من وجهة نظر البعض بعقبة عدم وجود الكثير من المستثمرين المحليين المؤهلين للنهوض بقطاع الطاقة الإيراني، حيث لا يوجد مستثمرون محليون كثيرون من عيار شركة النفط الإيرانية الوطنية نفسها، وبالتالي، فإن ثمة إجماعا في الرأي بين أوساط المحللين بأنه لا مناص لإيران سوى الاعتماد على الاستثمارات الأجنبية في تطوير قطاع الطاقة لديها.
ومن ناحية أخرى، يتطلب تكثيف إيران نشاطها في البحث والتنقيب عن النفط في بحر قزوين والخليج، العمل على جذب كبار اللاعبين في صناعة النفط. وهذا يعني استقدام الشركات المتخصصة في عمليات الاستكشاف عن الحقول البرية والبحرية للبحث عن موارد جديدة للغاز والنفط لاسيما في منطقتي آزاديجان ويادفاران.
حيث تشير التقديرات إلى أن منطقة آزاديجان تحتوي على احتياطي نفطي مؤكد تبلغ كميته 36 مليار برميل، وهي تعتبر من أكبر الحقول التي تم كشفها في إيران خلال نصف القرن الماضي.وتنهض على هذا الواقع الزاخر بالنفط والغاز، سياسات تنتهجها طهران ترمي إلى إقامة شبكة أنابيب طاقة تغطي الحيز الأورو - آسيوي.
* خط أنابيب الهلال الخصيب
بمجرد انتهاء المسؤولون من اذريبيجان وجورجيا وتركيا من افتتاح خط أنابيب نقل النفط ( باكو - تبليسي - سيحان )، بدأت إيران في الدعاية لضربتها المضادة وهي خط أنابيب للنفط يمتد منها إلى كل من العراق وسوريا. ويكمن جوهر الاختلاف بين الخطين، أن الخط الأول سينقل نفط بحر قزوين إلى أوروبا، فيما سينقل خط الأنابيب الإيراني نفط بحر قزوين إلى آسيا،
ويمتد خط الأنابيب المقترح (سوريا والعراق وإيران) حتى ميناء اللاذقية، ويقوم المشروع على أساس أن تقوم إيران بتكرير نفط بحر قزوين في أراضيها، ثم تقوم بإرسال المنتج النهائي إلى البحر المتوسط، وتطلق دوائر البيت الأبيض على هذا الخط محور النفط الشرير، في دلالة تشير إلى محور الشر، وهو العنوان الكبير الذي تستخدمه واشنطن في توصيف الدول المغضوب عليها.
وتفيد المعلومات المنشورة إلى أنه جرت مناقشة هذا المشروع باستفاضة خلال زيارة إبراهيم الجعفري رئيس الوزراء العراقي لطهران ولقائه مع محمد خاتمي الرئيس الإيراني السابق، كما تمت مناقشته خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد لطهران والتقائه مع محمود أحمدي نجاد لتهنئته على توليه منصب الرئاسة الإيرانية.
كما تفيد المعلومات بأن كلاً من إيران والعراق تتفاوضان على إقامة خط أنابيب يمتد من عبدان في إيران إلى البصرة في العراق، ويقوم المشروع على مقايضة أساسية، بموجبها، تقوم العراق بإرسال، النفط الخام من البصرة لكي يتم تكريره في عبدان، وتحصل في المقابل على مشتقات النفط، وذلك في ضوء تردي حالة منشآت التكرير العراقية، مما رفع فاتورة واردات العراق من المشتقات النفطية إلى ما يزيد على 300 مليون دولار شهرياً.
وفي التوقيت ذاته، تظهر حكومة الجعفري قبول لدور إيراني في تطوير منشآت التكرير العراقية، ومن جانبها، تظهر إيران استعدادها لإعادة إحياء الصناعة البتروكيماوية العراقية، وعلي هذا الأساس، برزت صفقة المقايضة بين الدولتين، حيث تحصل إيران على النفط العراقي وتقوم بتكريره في عبدان، ثم ترسل الكمية نفسها على هيئة مشتقات بترولية إلى العراق.
* خط أنابيب قزوين
انتهجت إيران الأسلوب نفسه في المقايضة مع تركمانستان منذ مطلع عام 2000 وجرى تشييد خط أنابيب صغير من تركمانستان إلى شمال إيران، وبدت الخطوة التالية، هي المقايضة مع كازاخستان، وقد جرت المفاوضات لسنوات عديدة لأجل هذا الغرض، وبنت إيران محطة جديدة في ميناء نيكا المطل على بحر قزوين، وخط أنابيب جديد إلى طهران، علاوة على مصفاتي تكرير قادرتين على تكرير 500 ألف برميل من نفط كازاخستان الخام يوميا.
ويعتبر هذا الخط من وجهة نظر إيران من المشروعات الأكثر نجاحا على بحر قزوين، فهو يبدأ في كازاخستان ويمتد بمحاذاة الساحل الشرقي لبحر قزوين عبر تركمانستان، ثم يعبر إلى شرق إيران، وينحدر جنوبا إلى ميناء بندر عباس، وتروج إيران لهذا الخط على أنه عزز قدرة طهران على نقل نفط بحر قزوين إلى أي سوق بثمن زهيد، بالمقارنة مع خط (سيحان ـ باكو ـ تبليسي).
* أعين إيرانية على الصين والهند
وتضع إيران نصب عينيها آسيا، والأمر هنا، لا يقتصر فحسب على صفقتها مع الصين والتي تبلغ قيمتها عدة مليارات من الدولارات، بل تضع طهران ثقلها على جبهة جنوب آسيا، وبغض النظر عن الضغوط التي تمارسها إدارة بوش على نيودلهي وإسلام آباد بشأن علاقات البلدين النفطية مع طهران، فقد شرعت الدول الثلاث في إجراء مناقشات حول مشروع نقل الغاز الإيراني إلى كل من الهند وباكستان والذي تقدر تكلفته بحوالي 2. 7 مليارات دولار،
وتشير التقديرات إلى أنه إذا ما تم التغلب على العقبات التي تعترض المشروع، فإنه يمكن أن يبدأ تنفيذه في عام 2006، حيث تدرس الهند مشروعين آخرين للحصول على الغاز من قطر وتركمانستان، وذلك إلى جانب مشروع خط أنابيب الغاز الإيراني، وتفيد الأنباء الواردة من العواصم الثلاث أن الكفة بدأت ترجح لصالح مشروع خط أنابيب نقل الغاز من إيران،
وتثور مشكلة تتعلق بما إذا كانت كل دولة من الثلاث ستقوم بتنفيذ جزء من الخط الذي يمر بأراضيها عن طريق تشكيل كونسورتيوم خاص، أم سيتم تشكيل كونسورتيوم مشترك لتنفيذ الخط بأكمله، ويمتد خط الأنابيب على مسافة طولها 115. 1 كيلومتراً في إيران، و705 كيلومترات في باكستان و850 كيلومتراً في الهند.
* برنامج الغاز الإيراني
سينهض برنامج الغاز الإيراني على ركيزتين أساسيتين، أولهما، حقل جنوب فارس البحري الواقع في الخليج العربي على مسافة 300 كيلومتر من بيشهر و580 كيلومتر من بندر عباس، وتشير التقديرات إلى أن الحقل يحتوي على 9% من احتياطي الغاز المؤكد في العالم، وأن الجزء الرئيسي من الإنتاج سيصدر على هيئة غاز مسيل ليحول إيران إلى واحدة من أكبر مصدري الغاز في العالم.
وتخطط إيران لتحويل المنطقة الاقتصادية الخاصة في جنوب فارس والتي تم تأسيسها في عام 1998، إلى مركز رئيسي لصناعة الطاقة على مستوى الشرق الأوسط. وتعتبر تركيا في هذا الوقت المستورد الوحيد للغاز الإيراني، ووفقا لمكتب الشؤون الدولية في وزارة البترول الإيرانية، فإن مثل هذا الوضع مآله التغيير بشكل جذري.
وتخطط إيران لأن تصل صادراتها من الغاز لأوروبا إلى 300 مليار متر مكعب سنويا في عام 2009، ويبرز على السطح عدة مشروعات لنقل الغاز الإيراني إلى القارة الأوروبية، منها مشروع لنقل الغاز من إيران إلى اليونان عبر تركيا، وتوجد مسارات بديلة لهذا الخط، بأن يتم مثلا نقل الغاز الإيراني إلى اليونان عبر بلغاريا أو عبر رومانيا، وتتوقع طهران بأن قائمة المشترين الأوروبيين للغاز ستكون ضخمة وهائلة، مع زيادة حاجة أوروبا للغاز الإيراني.
وتفيد المعلومات بأن ثمة خلافا قد ثار بين أنقرة وطهران حول نقل الغاز الإيراني حيث تريد تركيا شراء الغاز من إيران وإعادة بيعه لأوروبا، ولكن إيران تريد تخطي مسألة أن يكون هناك وسيط في نقلها للغاز إلى الدول الأوروبية، وفي ضوء هذا الخلاف،
برز خيار إيران بيع غازها لأوروبا عبر أوكرانيا، ومن ثم، تم التوقيع بالفعل على اتفاقية تعاون بين كييف وطهران وتجري الدولتان مناقشات بشأن كمية الغاز الطبيعي التي سيتم تصديرها، وتعتبر طهران أن حصول المشروع على مباركة روسيا يعد أمراً حيوياً في الإسراع بمعدلات تنفيذه.
وقد اقترحت أوكرانيا مسارين لخطي الأنابيب، الأول هو خط أنابيب يمتد من إيران إلى أرمينيا وجورجيا وروسيا وأوكرانيا ثم إلى بقية الدول الأوروبية، والخط الثاني يمتد من إيران إلى أرمينيا وجورجيا والبحر الأسود وأوكرانيا ثم بقية الدول الأوروبية.
وعلى هذه الشبكة من خطوط نقل الطاقة، تنسج إيران تحالفاتها السياسية والاستراتيجية، خاصة مع الدول الأكثر تعطشاً للنفط كباكستان والهند والصين، ولهذا تحتفظ إيران بنوعية من العلاقات مع القوى الفاعلة في الحيز الأورو ـ آسيوي، ترى فيها طهران أنها توفر الحصانة لها سواء في مواجهتها مع الولايات المتحدة، أو في مساومتها على برنامجها النووي، فتلك الشبكة تمثل بالنسبة لها ورقتها الرابحة في أي سيناريو متوقع للمواجهة.
كتب ـ مجدي عبيد
