يشكل تحديد سعر صرف العملة المحلية أهمية كبيرة في الأوضاع الاقتصادية للدول المختلفة، حيث إن عدم تحديده بالسعر الحقيقي والمعدل السليم يؤدي إلى أضرار اقتصادية خطيرة، خاصة وان انخفاضه عن المعدل المناسب يعني نقل جزء من ثروة الدولة ودخلها القومي إلى الخارج من دون مقابل، كما ان ارتفاعه عن السعر المناسب يؤدي إلى تحجيم صادرات الدولة وخدماتها والبنود الأخرى التي تساعد على جلب النقد الأجنبي للدولة.
وبالتالي عجز في ميزان المدفوعات وانخفاض في الاحتياطيات النقدية والحد من النشاط الإنتاجي المقرر للتصدير. وبالنسبة لربط العملات المحلية بأساس سليم بعد الخروج من نظام قاعدة الذهب منذ كان الأساس في هذا الربط الذهب أو الدولار الأميركي، وبعد ان قامت الولايات المتحدة الأميركية بتخفيض سعر صرف عملتها في 19/12/1971 عقب الأزمة النقدية العالمية الكبرى التي حدثت في العام المذكور،
أصبح الربط بالدولار الأميركي كأساس ثابت للعملات المحلية غير مبرر بالنسبة لدول العالم التي لا يتسع نشاطها التجاري مع الولايات المتحدة الأميركية، لذلك سمح صندوق النقد الدولي للدول الأعضاء ان تخرج عن نظام ربط عملاتها بالدولار الأميركي وان تستبدله، إذا أردت، بعملات أخرى ترى ضخامة معاملاتها التجارية بها وبالتالي نشأت أنظمة الربط بسلة من العملات القوية كوحدة حقوق السحب الخاصة.
كما سمح الصندوق لكل الدول الأعضاء بتحرير أسعار صرف عملاتها لمن يريد منهم، وان يخرج عن الربط بعملات أخرى حتى إن كانت قوية، وفي ضوء ذلك رأينا العالم وقد انقسم بعد أزمة السبعينات إلى كتل نقدية مختلفة من ناحية تحديد سعر الصرف وذلك وفقا لما يلي:
أ ـ دول أبقت على ثبات قيمة عملتها بالدولار الأميركي دون تغيير، وهي الدول التي رأت أنها لن تتأثر كثيرا نتيجة الأزمة العالمية التي حدثت في عام 1971 أو نتيجة لانخفاض قيمة الدولار الأميركي في ذلك الوقت لأن اغلب معاملاتها تتم مع الولايات المتحدة الأميركية.
ب ـ دول قامت بتعديل قيمة عملاتها في ضوء الظروف النقدية المستجدة حينئذ وهي الدول التي تأثرت كثيراً بأزمة انخفاض الدولار الأميركي، وفضلت الربط بعملات أخرى كالجنيه الإسترليني والفرنك الفرنسي.
ج ـ دول خرجت عن الأنظمة القديمة في ربط قيمة عملاتها، حيث أنشأت قيمة جديدة لها أطلق عليها حينئذ (سعر مركزي) ووضعت قيمة حقيقية لعملاتها المحلية، وبما يتفق مع وضعها الاقتصادي الفعلي، وضمت هذه الكتلة اغلب الدول المتقدمة حيث أصبحت عملاتها تخضع في تحديد سعر صرفها للعرض والطلب.
وما زالت هذه الأنظمة سارية في الدول المتقدمة، وأيضاً في كثير من الدول النامية التي رأت انه من المناسب لها تحرير سعر صرف عملتها وأن يخضع السعر للعرض والطلب، مثلها كمثل أي سلعة كبيرة يخضع تحديدها لنظام العرض والطلب في الدول الرأسمالية والمجتمع المفتوح،
ومنذ ذلك الوقت يتم تطبيق أنظمة مختلفة لتحديد سعر الصرف يتفق مع السياسة الاقتصادية والنقدية التي تطبقها الدولة، بما يؤدي إلى الوصول إلى تحديد واقعي عادل لسعر الصرف لا يؤدي إلى اعتصار جهود دول لصالح دول أخرى ولا يترتب عليها مشكلات نقدية بين الدول.
في ضوء ذلك أصبح السؤال الذي يتردد بين رجال النقد في دول الخليج هو أيهما أفضل لربط العملة الخليجية الموحدة المقترح إنشائها عام 2010 هل هو الدولار الأميركي خاصة وان كافة عملات دول الخليج تقريبا ترتبط به كأساس لعملتها؟ أم هو وحدة حقوق السحب الخاصة التي لا تتغير قيمتها كثيراً
حيث تضم أقوى العملات العالمية كالدولار الأميركي والين الياباني والجنيه الإسترليني وعملات الدول الأوروبية الأخرى قبل انضمامها إلى منطقة اليورو الأوروبي؟ أم سلة جديدة تنشؤها دول الخليج الست وتضع فيها عملاتها المحلية بالإضافة إلى عملات أخرى يعظم التعامل بها كالدولار الأميركي واليورو الأوروبي؟
والوزن الفعلي لعملة أي دولة هو المقياس العملي لمدى قوة اقتصادياتها والمرآة الحقيقية التي تعكس نظامها الاقتصادي والسياسات التي تتبعها، لذلك فإن كل دول العالم تبحث عن نظام ثابت لعملتها لكي تعرف مدى سلامة أنظمتها الاقتصادية ويعرف العالم مدى النجاح أو الفشل الذي تضيفه إلى النظام النقدي العالمي،
وقد كان هناك الميزان الحقيقي لكافة الدول من خلال الذهب وقت تطبيق نظام قاعدة الذهب، ثم كان من خلال الوزن مع الدولار الأميركي منذ تطبيق النظام النقدي العالمي الحالي في بداية النصف قرن الأخير وإلى ان تم اهتزاز الدولار الأميركي عام 1971 حيث لم يعد ميزاناً ثابتاً إلا بالنسبة للدول التي تتعامل تجارياً بالكامل مع الولايات المتحدة الأميركية أو بغالبية معاملاتها مع الولايات المتحدة الأميركية.
أما الدول التي لا تتعامل بالكامل مع الولايات المتحدة الأميركية بينما ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي فإن هذه الدول تحقق خسائر عندما ينخفض ـ أو يرتفع ـ الدولار الأميركي، وهذا ما حدث لغالبية دول العالم عندما انخفض الدولار الأميركي أمام اليورو الأوروبي خلال السنتين الأخيرتين ووصل الانخفاض إلى ما يقرب من 35%، لأن انخفاض الدولار الأميركي يرجع إلى عوامل تخص الولايات المتحدة الأميركية وحدها ولا تخص الدول الأخرى التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي.
وقد يثور التساؤل هنا إذا كانت الدول التي ترتبط عملاتها بالدولار الأميركي تحقق خسائر عندما ينخفض سعر صرفه فكيف تحقق خسائر عندما يرتفع سعر صرفه؟ وهذا مردود عليه أيضاً بأن ارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي يخلق مشكلات تجارية للدول التي ترتبط به بالنسبة لصادراتها المنظورة وغير المنظورة التي ترتفع أسعارها في الخارج دون مبرر اقتصادي داخلي في حالة ارتفاع سعر صرفها نتيجة ارتفاع سعر الدولار،
وبالتالي تنخفض هذه الصادرات ويزيد عجز ميزان مدفوعاتها أو ينخفض الفائض فيه وكلتا الحالتين تمثلان ضرراً بالنسبة لهذه الدول خاصة وانه يؤدي إلى انخفاض في الاحتياطات النقدية وارتباك في معاملاتها التجارية. من هنا فإن دولاً عديدة قررت في السنوات الأخيرة إلغاء ربط عملتها المحلية بالدولار الأميركي لما يمثله ذلك من أضرار بالغة بالنسبة لها،
وكان آخر هذه الدول هو ماليزيا التي قررت في الشهر الماضي التخلي عن ربط عملتها «الريجيت» بالدولار الأميركي واستعاضت عنه بتعويم محكوم أو مدار، وفي نفس الوقت أعلنت الصين انها قامت بتعديل سياسة سعر الصرف بالتحول إلى ربط عملتها المحلية «اليوان» بسلة من العملات بدلاً من الدولار الأميركي ومن المعروف ان الصين رفضت طلب الولايات المتحدة الأميركية طوال السنوات الأخيرة بالتخلي عن سياسة تثبيت سعر صرف عملتها واستبدالها بسياسة تحرير سعر الصرف،
وذلك لأنها تحقق فائضاً كبيراً في ميزان مدفوعاتها وتزايد مستمر في حصيلتها النقدية نتيجة لزيادة صادراتها إلى كافة دول العالم. أقول ان موضوع ربط سعر الدينار الخليجي الموحد بأساس ثابت ووضع سياسة مستقرة لتحديد السعر بحيث لا يؤدي إلى خسائر نقدية لدول الخليج أو إلى مكاسب قد لا تأتي نتيجة عوامل اقتصادية سليمة،
هذا الموضوع يتعين تركيز الاهتمام عليه وتشكيل لجنة قومية من أبناء الخليج العاملين في البنوك المركزية الخليجية الموحدة سواء في حالة تثبيته وربطه بعملات قوية أو في حالة تركه للتعويم حسب العرض والطلب.ويتعين ان يتناول ثلاث محاول يتم من خلالها حساب مدى الخسارة والمكسب الذي يتحقق من الربط في كل حالة وذلك بالأرقام والنماذج والأمثلة، وهذه المحاور:
ربط الدينار الخليجي الموحد بالدولار الأميركي.
أو ربط الدينار الخليجي الموحد بسلة عملات.
أو تعويم الدينار الخليجي الموحد وطريقة وشكل التعويم.
ـ كاتب اقتصادي مصري