سُئلت وأنا في حوار مع إحدى الفضائيات الاقتصادية، لماذا ينصب التمويل المصرفي غالبا على المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم؟ حينها لم يسعفني الوقت في الإجابة الواضحة والشاملة، وللإجابة عن ذلك لا بد من توضيح مفهوم المشروع الصغير: والذي يقصد به المصنع الصغير الذي يمكن أن يمتلكه أو يديره واحد أو اثنان من المنظمين، وتتخذ من قبلهم جميع القرارات الإدارية والفنية.

وتعد المشاريع الصغيرة الماكينة الرئيسة لازدهار النمو والتطور الاقتصادي خاصة في دول مجلس التعاون الخليجي كونها تشكل نسبة كبيرة من المشروعات الصناعية والزراعية والخدمية، مما يساهم تشغيل كثير من الأيدي العاملة والتقليل من نسبة البطالة والحد من شيوع ظاهرة الركود الاقتصادي فضلا عن انتشارها الواسع في مختلف المناطق الحضرية والإقليمية، وبالتالي من الممكن أن تلعب دورا مهما في دعم المصانع الكبيرة في زيادة المهارات الفنية للعاملين فيها

فضلا عن كونها مصدرا للتحديث المطرد في مختلف الجوانب الصناعية والتجارية. ويعتبر العديد من الاقتصاديين أن التنمية الاقتصادية والبشرية من الأسباب المنطقية التي تؤيد اللجوء إلى إقامة مؤسسات لتمويل المشاريع الصغيرة في الانتقال من التخطيط المركزي إلى سياسات اقتصاد السوق. كما يشيرون إلى مساهمة المشاريع الصغيرة في النمو الاقتصادي وتنمية المهارات لدى الطبقة ذات الدخل المحدود باعتبار أن العمل من أهم أرصدتها،

وفي ضوء ذلك فقد عمل العديد من دول التعاون على إقامة ودعم المشاريع الصغيرة من أجل تفعيل دورها في دعم الأنشطة الاقتصادية فيها. وتختلف المعايير المستخدمة لتمييز الصناعات الصغيرة من بلد إلى آخر، وذهب كل بلد على تقييم مفهوم تلك المشاريع حسب وضعها الاقتصادي،

ومن أهمها مقدار وعدد العاملين، وكمية وقيمة الإنتاج ودرجة التخصص في الإدارة ودرجة المكننة والمستوى التكنولوجي ونوعية وحجم الطاقة المحركة وغير ذلك، ومن البديهي أن تنفيذ المشروعات الاستثمارية المختلفة وتوسيعها أو تحديثها يتطلب توفير التمويل اللازم لها في شكل رأسمال أو قروض أو تسهيلات ائتمانية، وذلك من أجل اقتناء الأصول الثابتة والمباني والمعدات،

وهو ما تقوم به أصلاً المصارف والمؤسسات المالية المختلفة وكان دخول المصارف في هذا المجال ضرورة قصوى للعديد من المبررات أهمها: عدم كفاية رأس المال الخاص، وعجز في الإمكانات التمويلية الفردية، كما أن دخول المصرف في المشروع يبعث على الثقة والطمأنينة بين المستثمرين، إضافة إلى تعظيم دور القطاع الخاص من خلال اضطلاعه بالمشروعات التي كان يتولاها القطاع العام عادة أثر حركة الخصخصة التي انتشرت في أواخر القرن الماضي،

وقد وضع صندوق النقد الدولي معيارا يتسم بالبساطة والسهولة عند المقارنة بين المشروعات المختلفة، ويستند إلى حجم ونوع العمالة المستخدمة في المشروع. فالمصارف في دول التعاون تستطيع أن توفر التمويل قصير الأجل، وذلك لأن طبيعة مواردها قصيرة الأجل،

وأن الدور الأساسي للمصارف هو توفير تمويل رأس المال التشغيلي لتلك القطاعات ولذلك لا بد من قيام المؤسسات المالية والبنوك التجارية بعملية التمويل اللازم التي يجني ثمارها أكثر من طرف. ويتم تمويل المشاريع عادة على اختلاف أنواعها عن طريق المساهمة أو بالمساهمة والاقتراض معاً.

ـ التمويل بالمساهمة:

تستخدم هذه الطريقة لتدبير رأس المال عن طريق إصدار أسهم تعطي أصحابها حق الاشتراك في ملكية المشروع ، ويتخذ رأس المال هذا بأنه لا يفرض التزاما على المؤسسة بأن تعيد هذا المال إلى أصحابه طالما أن المشروع مستمر في تحقيق الأغراض التي أنشئ من أجلها.

ـ التمويل بالقروض:

توفر القروض مجالا واسعا لاستكمال هياكل وتمويل المشروعات الاستثمارية، بالإضافة إلى رأس المال، وهي على نوعين: القروض الرأسمالية والديون العادية، مثل الديون المضمونة والديون غير المضمونة والسندات والأسهم التي يطرحها المشروع للحصول على التمويل، ومعلوم أن آجال مصادر التمويل تكون على ثلاثة أنواع هي:

ـ قصيرة الأجل: وتتمثل في شكل تسهيلات وقروض للوفاء بالالتزامات المالية العاجلة، وتشمل بدورها الائتمان التجاري الذي تمتد آجاله بين 30 ـ 180 يوماً، ثم القروض المصرفية، حيث تعتبر قروض المصارف التجارية من أكثر القروض قصيرة الأجل تفضيلا وأكبرها حجما ومساهمة في تمويل المشروعات، وأخيراً الأوراق التجارية.

ـ متوسط الأجل:وتتراوح فترة التسديد في هذا النوع من القروض من 1 ـ 5 سنوات، وتضم هذه الأدوات القروض متوسطة الأجل التي تعتبر من الوسائل المناسبة لتمويل المشروعات الجديدة أو التوسعات والإضافات للمشروعات القائمة، ثم عقود البيع بالتقسيط التي تستخدم في تمويل السلع الرأسمالية المعمرة ووسائل النقل، وتستخدم المصارف الإسلامية هذه الأداة لتمويل برامجها التمويلية والتي تعرف بنظام المرابحة والتمويل التأجيري الذي يتمثل بالحصول على أصول ثابتة نظير مقابل مادي يدفعه المستأجر.

ـ طويلة الأجل، وهي على نوعين:

النوع الأول: سندات الدين، وتعد هذه الأداة من أكثر الأدوات استخداما للحصول على التمويل طويل الأجل، وهي على عدة أنواع منها السندات غير المضمونة والسندات المضمونة برهن أصول معينة أو مضمونة بأسهم وسندات قابلة للتحويل، إلا أن استخدام هذا النوع من التمويل يتطلب وجود أسواق مالية متطورة تفتقر إليها الكثير من البلدان النامية والعربية.

النوع الثاني:قروض مصارف التنمية ومؤسسات الاستثمار، حيث قامت العديد من دول المنطقة بإنشاء مؤسسة تمويلية خاصة لتوفير هذا النوع من القروض التي تعجز أحياناً المصارف التجارية عن توفيرها، بالإضافة إلى المؤسسات الدولية والإقليمية المتخصصة في هذا المجال.

إذن الهدف من التمويل هو سد الفجوة التمويلية لاحتياجات الاقتصاد الكلية وفك اختناقات التمويل الموسمية وتحريك أو تحفيز بعض القطاعات ذات المخاطر العالية. ولوقت قريب كانت المصارف تقوم بتوزيع التمويل للقطاعات الاقتصادية المختلفة حسب مقتضيات وظروف كل مشروع معين، وكانت بعض البنوك تعجز عن توفيره بسبب صغر حجمها،

وضعف رؤوس أموالها، واعتمادها في التمويل على الودائع الجارية «تحت الطلب» والتي هي بطبيعة الحال ودائع غير مستقرة وقصيرة الأجل، كذلك لم تحظ هذه القطاعات بنصيب وافر من التمويل التنموي الذي يمكنها من الانطلاق.

ورغم ذلك أثبتت التجارب التي مرت بها العديد من البلدان في منطقة الخليج أن المشاريع الصغيرة قادرة على تحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة إن تهيأ لها المناخ الملائم والتمويل اللازم، وأعطت ما تستحقه من اهتمام في القوانين والتشريعات، ومنحت الفرصة الكافية لإثبات ذاتها والوقوف على أقدامها.

ـ باحث اقتصادي

Kutaiba @ emirates .net .ae