درج روبرت هيلمريش ورهط من الباحثين من جامعة تكساس على الجلوس في قمرات قيادة الطائرات سنوات عدة، ناظرين من وراء ظهور عشرة آلاف من الطيَّارين. ويا لهول ما اكتشفوه، أخطاء لا حصر لها ولا عد.
الواقع أن أكثر من 60% من الرحلات الجوية ترتكب أخطاء في أثنائها، جلّها سهو، لا أهمية له، كتفويت مكالمة مع مركز المراقبة الجوية، أو إغفال بند في قائمة المراجعة. وتلك أخطاء يمكن تقويمها، ومع ذلك فإن ثمة أخطاء بسيطة قد تقود إلى عواقب لا تُحمد عقباها.
ففي عام 1995، تحطمت طائرة ركاب أميركية من طراز 757 بالقرب من كالي، في كولومبيا، بعد أن اختار الطيّار، عن طريق الخطأ، مرشداً ملاحياً مغايراً، في حاسوب الطائرة، أدى إلى توجيه الطيّار الآلي الطائرة نحو الجبال.
وقد خرج د. هيلمريش وأفراد طاقمه وقد تسلّحوا بزاد ثمين من المعلومات، حول ما يجري داخل قمرات القيادة، باستراتيجية بنَّاءة لتقليص الأخطاء، والحيلولة دون وصولها إلى نتائج كارثية، أطلق عليها «إدارة التهديد والخطأ» وقد تبنتها شركات عدة للطيران، وحظيت بدعم من مجموعات تنظيمية عالمية.
وتقول كونتننتال إيرلاينز، إنها قلّصت بعد شروعها في تطبيق أساليب هيلمريش، الأخطاء في قمرات الطائرات بنسبة 70%، ومن جهته يرى هيلمريش وجود صعوبة في تلافي الأخطاء البشرية، إلاّ أن في الإمكان تخفيف آثارها.
وفي المقابل، طالبت منظمة الطيران العالمية، البلدان كافة بتطوير برامج إدارة التهديد والخطأ، في حين أعربت إدارة الطيران الفيدرالي الأميركية عن دعمها اللامحدود لأبحاث هيلمريش.
جمع هيلمريش، ومجموعة مساعديه كمّاً هائلاً من البيانات حصيلة مئات من رحلات المراقبة داخل قمرات القيادة، حيث اكتشفوا أن الطيارين عرضة لأخطاء بسيطة وصغيرة، كالمرور بسرعة على لائحة المراجعة أو إغفال مكالمة مع المراقبة الجوية أو محاولة تدارك موقف ما ناجم عن اختلال في التوازن، سواء كان بفعل الارتفاع الشاهق.
أو الانخفاض الشديد، أو السرعة الزائدة.وقد وجد الباحثون أن ما بين 10-20% من حركات الهبوط كانت تفتقر للتوازن حسب تصنيف مؤسسة السلامة الجوية.
وقد تم التحفظ على البيانات الخاصة بالأخطاء الصادرة عن الطيارين بحيث أحجم د. هيلمريش وفريقه عن نشر أبحاثه في المجلات الأكاديمية لا سيما وأن عملاء شركات الطيران لا يرغبون في سماع شيء عن أخطاء طياريهم.
وقد أسس الفريق برنامجاً أطلق عليه «مسرد عمليات سلامة الطيران» ذكر أنه لاحظ وجود أخطاء في 64% من الرحلات التي أخضعت للمراقبة وان 32% من جميع الرحلات، أي نصف الأخطاء، نجمت عن «حالات طائرات غير مرغوبة» مثل السرعة الخاطئة، الاتجاه الجهوي الخاطئ، أو التشكل الخاطئ للأجنحة أو غيرها من الأجهزة.
ففي الأجواء المكتظة فوق لوس انجلوس، على سبيل المثال، كان على الطيارين أحياناً التعامل مع إنذارات جوية، تطلقها أنظمة إنذار الكتروني داخلية، والنتيجة ان الملاحين المشدوهين الذين انصبت أنظارهم على الإنذار الجوي، يرتكبون أخطاء أحياناً.
كما اكتشف الباحثون ان الملاحين، في بعض شركات الطيران فاتتهم التغييرات في التصاريح التي تسبق عمليات الإقلاع، وهي المسارات المعطاة من قبل المراقبين الجويين، عندما تكون الطائرات مازالت جاثمة على الأرض.
وما ان تصعد الطائرة إلى الأجواء، فإن ذلك السهو، يمكن ان يقود إلى المشاكل، فيما لو حلقت الطائرة في مسار خاطئ، والحل الأمثل، هو في جعل لوحات تصاريح الإقلاع أكبر حجماً بحيث لا يمكن إغفالها من جانب الطيارين.
عموماً، فإن د. هيلمربش رائد في علم حديث لسلامة الطيران يدعى «إدارة مصادر الملاحين الجويين»، والذي انبثق من كارثة تحطم طائرة 8 ـ DC تابعة لـ «يونايتد إيرلاينز»، قرب بورتلاند، اوريغون عام 1978، بسبب نفاد الوقود. المصيبة ان طاقم الطائرة كان على علم بنفاد الوقود من الطائرة، لكنه لم يبلغ قائدها إلاّ عندما أبلغهم مجلس إدارة سلامة النقل الوطني «بأن الحادث واقع لا محالة».
وقد أدى الحادث إلى إخضاع أطقم الطائرات إلى التدريب على الاتصالات والتعاون والعمل المشترك.ونتيجة للنجاح الذي حققه البرنامج بدأت «كونتننتال» في إخضاع طياريها لدورات تدريبية تدعى «إدارة الخطأ» والتي تظهر للطيارين كيفية تحديد المواقف المحتملة المؤدية للخطأ.
وفي هذا الإطار، تقول اشيلنع ميريتا، إحدى الباحثات في مشروع «أبحاث العوامل البشرية»: «إن تقليص الأخطاء البسيطة ظاهرياً سيصبح أكثر حسماً. فمع اكتظاظ المطارات والأجواء، فإن الأخطاء ستعزز نتائج أكثر خطورة، وما هو آمن اليوم، لن يكون آمناً في الغد».
ترجمة: وائل الخطيب
