تختصر ولايتا ميريلاند وفيرجينيا على الساحل الشرقي للولايات المتحدة قصة نجاح الاقتصاد الأميركي كنموذج مرن ومتكيف مع ثوابت المكان ومتغيرات الزمان.

لقد أفادت هاتان الولايتان ـ وهما من أصغر الولايات الأميركية ـ من احتضانهما العاصمة الفيدرالية واشنطن، باعتبارها مركز صنع القرار الأميركي، في الاقتصاد كما في السياسة. وبحكم هذا الموقع الفريد، تمكنت ميريلاند وفيرجينيا من الاضطلاع بدور اقتصادي ريادي محلياً، ثم عالمياً.

ولما كانت واشنطن لا تتبع أية ولاية، فقد اتسعت بحكم أنها العاصمة الفيدرالية، لتضم في ضواحيها أجزاء من ميريلاند وفيرجينيا اللتين كرستا بعضاً من نشاطاتهما الاقتصادية لخدمة العاصمة. وبحكم هذا الواقع، نشأت تلك العلاقة الخاصة بين هاتين الولايتين والعاصمة الفيدرالية.

تقدم ميريلاند وفيرجينيا خدمات جليلة لواشنطن، بيد أن الأهم أن هاتين الولايتين تضطلعان بدور بالغ الأهمية في دفع عجلة الاقتصاد الأميركي، ولاسيما في مجال التكنولوجيا المتقدمة. واللافت أن الفوائد العظمى تدرها مشروعات العمل الصغيرة التي تعد العمود الفقري للاقتصاد الأميركي، لا الشركات الاحتكارية الكبرى، كما يسود الاعتقاد في العالم.

تبرز حيوية الاقتصاد الأميركي من خلال دولاب الفرص الهائلة التي توفرها أنماط الحياة السائدة في الولايات المتحدة. هنا تتوافر كل أسباب النجاح والرخاء، من حيث المبدأ، لكل فرد يسعى جاداً إلى عمل مجز من الناحية الاقتصادية والمالية، أكان مسعاه في الصناعة أو الزراعة أو التجارة أو الخدمات. المهم أن يكون صاحب المشروع ملماً بما يريد القيام به، ولديه أهداف واضحة، مبدياً عزمه على النجاح حتى لو أصابه الفشل.

بينما كانت إدارة المشاريع الصغيرة الأميركية تحتفل بالذكرى الخمسين لتأسيسها بالدعوة إلى المزيد من التشجيع والحماية لرجال الأعمال الأميركيين، احتفت غرفتا التجارة في ميريلاند وفيرجينيا بنجاحات مشاريع العمل الصغيرة .

ورجال الأعمال القيمين عليها. ففي اقتصاد طالما عانى اهتزازات وخضات، بقي قطاع واحد فيه صلباً: الأعمال الصغيرة التي تمثل نحو 99 في المئة من القوة العاملة، وتوفر ثلاثة أرباع الوظائف الجديدة في الولايات المتحدة، ما يجعلها قوة رئيسة في معدلات النمو الأميركية.

يعتمد الاقتصاد الأميركي على آليات ليبرالية لإنشاء الأعمال الصغيرة وتشجيعها وتوسيع نشاطاتها وإنتاجياتها. وتكاد لا تخلو أية ولاية أميركية في مكاتب إدارة المشاريع الصغيرة المرتبطة عادة بغرف التجارة في الولايات.

وكثيراً ما تعتمد هذه المكاتب على مراكز التكنولوجيا الناشئة أو الحاضنات التكنولوجية والتجارية المنبثقة من نشاطات القطاع الأهلي، لتتبلور في مؤسسات غير هادفة للربح هدفها دعم الأعمال الصغيرة والمتوسطة.

ويقول المدير التنفيذي للمبادرات التكنولوجية في مراكز التكنولوجيا الناشئة داخل ولاية ميريلاند جون فيني إن مدينة بلتيمور عاصمة الولاية، تضم ثلاث منشآت منفصلة لحاضنات تركز انتباهها على المراحل المبكرة من نمو شركات التكنولوجيا والتكنولوجيا الحيوية في المدينة.

وتوفر هذه الحاضنات مكاتب إدارة ومختبرات صناعية للشركات الناشئة التي تدفع بالمقابل بدلات إيجار زهيدة تنفق على الانتفاع المشترك من خدمات المياه والكهرباء والهاتف والإنترنت وغيرها.

بالإضافة إلى ذلك، توفر هذه المراكز صلات الوصل والاتصال مع الجهات المختصة بالدعم التجاري والتقني ما يؤدي إلى حصول كل شركة على حاجاتها الخاصة. وفي مراكز كهذه، تحظى الشركات الفردية بأجواء ملائمة لإنشاء شراكات بين المؤسسات متماثلة الأهداف والمشاريع.

ويضيف فيني أن هذه المراكز تشجع أيضاً ـ باعتبارها طرفاً في هيئة تطوير مدينة بلتيمور ـ التنمية الاقتصادية، من خلال توفير الدعم المالي والتقني والعلاقات اللازمة لإطلاق المشاريع وجعلها منتجة، لأن ذلك يدر المزيد من الضرائب إلى خزينة مدينة بلتيمور.

وأشار إلى أن الحكومة الفيدرالية توفر 5,1 مليار دولار لبحوث التنمية، يذهب معظمها إلى الأعمال الصغيرة الناشئة على أيدي شباب يتخرجون من جامعتي جونز هوبكنز وميريلاند المرموقتين وسبع جامعات أخرى.

وأقيم أحد مراكز التكنولوجيا الناشئة عام 1999 في مبنى تاريخي ضخم أنشئ عام 1895 كمصنع لتجهيزات ثقيلة، وفي جولة مع مديرة مراكز التكنولوجيا الناشئة آن لانسينغر في المبنى الذي حوّل من مصنع مهجور إلى حاضنة تكنولوجية، «حتى بات شاهداً ومثالاً على كيفية تحول الصناعة في أميركا إلى خدمات ثم إلى تكنولوجيا».

وتقول إن الحاضنة تستضيف حالياً 24 شركة ناشئة تمثل مؤسسات عمل صغيرة يشتغل في كل منها ما بين شخص واحد و20 شخصاً. وتتلقى هذه الشركات كل أنواع الدعم والقروض، وصولاً إلى تسويق منتجاتها. وعندما تصبح متمكنة، عليها الخروج من الحاضنة لاستقبال بديل عنها بحاجة إلى الرعاية والاهتمام.

ومن حيث المبدأ، يجب على أي شركة ناشئة ألا تبقى في الحاضنة أكثر من ثلاث سنوات ويلاحظ أن هناك شركات عمرها نحو سنة واحدة فقط بات رأسمالها يراوح ما بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين دولار أميركي، علماً أنها مؤلفة من شخص واحد أو شخصين أو ثلاثة.

فيما يبلغ رأسمال شركات أخرى مؤلفة من نحو عشرة أشخاص قرابة 25 مليون دولار وهناك شركة ناجحة تدعى «انتيلجينسيا» مؤلفة من شخصين فقط، وتشتري منتجاتها وكالة الاستخبارات المركزية «سي أي أي» وغيرها من وكالات جمع المعلومات، تصل أرباحها إلى مئات الملايين من الدولارات سنوياً.

لا تعد شركة «انتيلجينسيا» الوحيدة في سكة النجاح، فالأميركيون يتندرون بشركات كثيرة أخرى أطلقها شخص واحد، أو عدد قليل من الأشخاص، وباتت من أعظم الشركات في العالم. ومنها على سبيل المثال لا الحصر شركة «مايكروسوفت» التي أطلقها بيل غيتس في مدينة سياتل مع أحد زملائه في الجامعة.

وباتت في سنوات قليلة من أعظم شركات برامج المعلومات في العالم، وبات بيل غيتس نفسه من أثرى أثرياء العالم. وكذلك الأمر بالنسبة إلى شركة «غوغل» التي أنشأها الشابان الجامعيان لاري بايغ وسيرجي برين في كاراج منزلهما، حتى تصير في سنوات أكبر محرك بحث عن المعلومات في شبكة المعلومات الدولية الإنترنت.

توفر مدينة بلتيمور في ولاية ميريلاند كل مؤهلات النجاح للأعمال فيها، مستفيدة في ذلك من كثرة الجامعات فيها، وكثرة المتخرجين تالياً، إذ يصل عدد هؤلاء مئة ألف سنوياً، وهي من أعلى النسب في الولايات المتحدة. وفي الولاية البالغ عدد سكانها نحو خمسة ملايين نسمة، تحاول السلطات فيها تقديم الحوافز والمغريات للمتخرجين الجدد للبقاء في الولاية وللقيام بأعمال مجزية.

ويؤكد نائب وزير التجارة والتنمية الاقتصادية في الولاية كريستوفر فوستر ان في ميريلاند أدنى معدلات البطالة في الولايات المتحدة، مشيراً إلى العدد الضخم من الأعمال الصغيرة الناشئة .

وبما أنه مسؤول عن العمليات التجارية التي يصل مجموعها إلى أكثر من مئة مليون دولار يومياً، يأتي غالبها من اقتصاد المعرفة، في مجالات علوم الفضاء والطيران وعلم الأحياء والاتصالات والخدمات المالية وحماية المعلومات وتكنولوجيا المعلومات والتأمين والإنتاج والمبيعات.

ويوضح فوستر أن ميريلاند المشهورة بالصناعات الفضائية والدفاعية، مشهورة بشركة «مارتن لوكهيد» لصنع الطائرات الحربية الخاصة بالجيش الأميركي بالإضافة إلي صنع مكونات الطائرات المدنية والفضائية، وفيها تتوافر حوافز عدة مثل العلاقة المباشرة مع صانعي القرار.

والنسبة الأعلى من العمال الاحترافيين والماهرين في الولايات المتحدة (24 في المئة)، والعديد من المنشآت الحكومية والعسكرية مثل وكالة الفضاء والطيران «ناسا» وغيرها، فضلاً عن الفرص التكنولوجية التي توفرها المختبرات الفيدرالية والخاصة.

وتتواجد في ميريلاند 350 شركة متخصصة في العلوم الحيوية تصل استثماراتها إلى نحو تسعة مليارات دولار، فيما توفر حكومة الولاية نحو نصف مليار دولار سنوياً لدعم البنية التحتية الخاصة، بهذا المجال.

وفي مجال الاتصالات، توفر الولاية صلات جاهزة مع وكالة الاتصالات الفيدرالية وجمعية صناعة الهاتف وجمعية صناعة الهاتف الجوال وجمعية صناعة الأقمار الاصطناعية، وفرص إقامة علاقات شراكة مع المنظمات الفيدرالية والخاصة.

ويضيف فوستر إن ولاية ميريلاند تقدم خدمات مالية ومصرفية رفيعة المستوى تتيح للمهتمين والمتخصصين في هذا الحقل مجموعة واسعة من الفرص والحوافز المشجعة والمهارات اللازمة لإنجاح الخطط والأهداف المحددة، بالإضافة إلى توفير أمن وتكنولوجيا المعلومات.

ويركز مكتب الحاكم (في الولاية) للاستشارات في الأعمال على الأعمال الصغيرة والخاصة بالأقليات، بما يرفع من الخدمات التي تقدم لهؤلاء، ويعمل المكتب على تقليص العوائق التي تعترض عادة انطلاق هذه الأعمال.

ويدعم المكتب حالياً نحو 3500 مؤسسة صغيرة، إذ تمكن من حل 97 في المئة من مشاكلها المرتبطة غالباً بالإنتاج والتجارة الإلكترونية وتكنولوجيا المعلومات والعلوم الحيوية والمبيعات.

على غرار ميريلاند، تبذل فيرجينيا جهوداً مماثلة لتشجيع الأعمال الصغيرة وتوسيعها، ومن هذه الجهود ما تقوم به مؤسسة الشراكة الاجتماعية في الأعمال، وهي مؤسسة ذات منفعة عامة بين القطاع العام والخاص نشأت قبل عشر سنوات، هدفها تمويل المؤسسات الصغيرة الناشئة .

وتقديم الدعم التقني والتدريب لإطلاق الأعمال وتوسيعها وتسويقها وتقديم التمويل لها عبر صناديق فيدرالية وخاصة في الولاية، يسددها المستفيدون من توسع الإنتاج الخاص بهم، وتركز مؤسسة الشراكة هذه على الأعمال الخاصة بالمرأة والأقليات العرقية والدينية عبر حاضنة خاصة يتلقى خلالها الملتحقون بالمؤسسة دروساً في إدارة الأعمال والإنتاج والعلاقات العامة والتسويق والمبيعات.

ويتفرع من المؤسسة مركز أعمال المرأة في شمال فيرجينيا الذي يقدم المزيد من الحوافز والبرامج الخاصة التي تساعد المرأة على إنشاء مؤسستها الخاصة.

وتستقبل رئيسة المؤسسة كاثي ويلر كل صباح عشرات الضيوف المنتسبين المؤسسة وبرامجها، وتعقد معهم جلسة موسعة يعرض فيها كل فرد حاجاته ومتطلباته وأهدافه والخدمات التي يمكن أن يوفرها للآخرين.

فيما تعمل المؤسسة على سد الحاجات المتبقية من خلال شبكات الاتصال الواسعة المتوافرة للمؤسسة، وتتولى ويلر مسؤولية توفير الصلات اللازمة مع المؤسسات الأكاديمية وبرامج التمويل والدعم التقني والتدريبي، آملة في تكريس نجاح نمط حياة اقتصادية تجلب البحبوحة والرخاء لكل أفراد فيرجينيا، والخير الوفير والازدهار لبلادها.

واشنطن ـ علي بردى: