قال خبراء اقتصاديون إن لبنان تتطلع للاستفادة من الطفرة النفطية الحالية التي تشهدها الدول العربية المنتجة للنفط، وذلك لجذب المزيد من الاستثمارات ودعم الاقتصاد الذي واجه مشكلات كبيرة خلال الفترة الأخيرة.

وكان لبنان ولا يزال قبلة للرساميل الضخمة التي ظهرت في الدول الخليجية مع ظهور الثورة النفطية. وقد تمكن الاقتصاد اللبناني من الصمود خلال الحرب التي عصفت به عام 1975 وحتى الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 بفضل الطفرة النفطية والأموال التي جمعها اللبنانيون المهاجرون إلى دول الخليج.

ويقول وزير المال اللبناني الأسبق، الخبير الاقتصادي الدولي جورج قرم إن «لارتفاع أسعار النفط إيجابيات وسلبيات كما كانت الحال في السبعينات من القرن الماضي، بطبيعة الحال الايجابية الأولى هي توفر موارد مالية ضخمة للدول المصدرة للنفط وللمنطقة بشكل عام، فأي ثورة نفطية ينتج عنها زيادة الطلب على اليد العاملة العربية والهجرة.

وهذا ما انعكس على لبنان الذي يعاني من أزمة اقتصادية ففتح له منفذاً جديداً باستقدام الودائع وتحويلات المهاجرين الى الخارج ما خفف من وطأة الأزمة الاقتصادية والأمر نفسه بالنسبة الى مصر والأردن والدول التي تصدر اليد العاملة والكفاءات.

ويضيف أن الدول العربية المصدرة للنفط هي التي تؤمن الرساميل لصناديق المساعدات العربية مثل الصندوق العربي للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، صندوق النقد العربي، الصندوق الكويتي صندوق أبو ظبي، صندوق المملكة العربية السعودية.

وستتوفر تمويلات إضافية جديدة لدول عربية محتاجة للرأسمال.الإيجابية الأخرى هي استفادة المصارف العربية من إيداع أموال جديدة لديها، مع العلم ان القدرة الاستيعابية للأموال الإضافية في المنطقة العربية ضعيفة لأن مشاريع القطاع الخاص ليست بالمستوى المطلوب نظراً لحاجات العالم العربي للاستثمارات.

وبالنسبة الى لبنان يرى قرم «أن التدفقات المالية الإضافية في منطقة الخليج ستؤدي الى زيادة الطلب على العقارات من قبل الخليجيين وهذا الأمر له إيجابيات ومحاذير بسبب رقعة البلد الضيقة ووجود حدود قانونية لملكية غير اللبنانيين ولكن بغض النظر عن هذه القيود فإن شراء غير اللبنانيين لأراضٍ في لبنان له أثر إيجابي في ميزان المدفوعات».

ومع ذلك فإن تدفق الأموال لا جدوى اقتصادية كبيرة منه اذا لم تواكبه استثمارات منتجة، وعن هذا الجانب يقول قرم ان «زيادة الاستثمار الذي يمكن ان ينتج عن زيادة أسعار النفط يعود الى قضية مزمنة في العالم العربي هي غياب الاستثمارات المحلية. فإذا كانت الاستثمارات الغربية غير كافية فذلك يعود الى قلة دينامكية الاستثمار الأهلي الخاص».

ويوضح هذه الناحية بالقول ان «الشركات المتعددة الجنسيات تأتي للاستثمار حين تجد البيئة الناشطة استثمارياً بأيدي أبنائها، ولا يمكن أن نعول على الشركات الأجنبية لتقوم هي بالنهضة الاستثمارية.

لسوء الحظ هذه نظرية عدد كبير من صانعي القرارفي البلد أو لدى الأدبيات الدولية التي توهم بأن الاستثمار الأجنبي يمكن أن يساهم بشكل أساسي في التنمية الاقتصادية، هو طبعاً يساهم ولكن ليس بشكل أساسي فإذا غابت الاستثمارات المحلية فستبقى الاستثمارات الأجنبية هامشية، و هذا ما نلحظه في الصين وكوريا».

ويلفت قرم إلى أن الاستثمارات العربية في لبنان تركزت منذ الثورة النفطية حتى اليوم على العقارات اما السبب برأيه فهو «ان المتمول العربي يميل الى تملك العقارات والفنادق السياحية والمراكز التجارية الضخمة، إنه ميل جماعي عربي يغيّب الاستثمار الصناعي .

وهذا من المشكلات الكبيرة التي نعاني منها لأنه حين نتحدث عن الصناعة نتحدث عن الخدمات ذات المحتوى التكنولوجي الرفيع،أي ما نسميه اقتصاد المعرفة الذي يتيح انتاج السلع والخدمات.

للأسف ما زلنا في المنطقة العربية نكتفي بالخدمات السياحية والتجارية أي الخدمات التي تفتقر الى القيمة المضافة العالية التي لا تستخدم الخبرات والقدرات البشرية العربية العالية الكفاءة التي تهاجر الى دول الغرب، فنحن نصدر الى جانب النفط الخام العقول، وهذا أمر خطير يجب تداركه بإيجاد البيئة الإستثمارية للاستفادة من هذه العقول».

ويرى قرم ان دعم ما يسمى الاقتصاد الريعي أي الاتكال على ريع تصدير النفط لتأمين حاجيات الدولة والرفاه الاقتصادي عنصر من عناصر عدم الدخول في عمليات استثمارية جماعية معقدة ذات محتوى تكنولوجي كما فعلت دول شرق آسيا التي دخلت المنافسة الدولية في انتاج السلع والخدمات الحديثة.

اما المنطقة العربية فهي خارج عولمة الصناعات الحديثة، وإذا وجدت بعض العقود الفرعية نجد أن أسعار اليد العاملة العربية غير منافسة لليد العاملة الصينية أو البنغلاديشية أو دول شرق أوروبا». ويعتبر قرم ان الاستفادة من أموال النفط في العالم العربي يمكن أن تكون كبيرة لكننا بحاجة الى تغيير في الذهنية الاقتصادية والى توسيع الآفاق الاقتصادية التي تنتج على المدى الطويل .

ويلفت الى «ان لبنان يستطيع اليوم أن يستقطب تدفقات أموال ارتفاع أسعار النفط وهو طالما استقطبها في أحلك الاحوال كما استقطبها بعد أحداث 11 سبتمبر، بسبب الفوائد العالية التي لا يقابلها مستوى النمو الاقتصادي، على العكس الفوائد العالية كان لها أثر انكماشي لأن كلفة التسليف للقطاع الخاص عالية جداً».

بيروت ـ رانيا برو: