احتلت قضايا الاقتصاد وتحديداً مسألتا البطالة والتشغيل حيزا كبيرا في المنافسة على منصب الرئاسة، وربما لأن النقاش العام سريعا ما انتقل من التفاصيل الى منازعة الفلسفة الاقتصادية والسياسات الاقتصادية الكلية.
وبينما يسود الغموض العلاقة بين مختلف الوزارات الاقتصادية، بل والعلاقة بين الوزراء فيما أطلق عليه تقليديا «المجموعة الاقتصادية» يمكن القول إن عملية وضع السياسة الاقتصادية في مصر تبدأ عمليا من وزارة التخطيط وتتبلور عند أعتاب وزير المالية عندما يقدم مشروع الموازنة العامة لمجلس الشعب.
ويلعب بقية الوزراء والشخصيات الأخرى المؤثرة ومنها محافظ البنك المركزى أدوارا مختلفة في المراحل الوسيطة أو طوال الوقت. ويكمن الهم الأكبر للسياسة الاقتصادية هو مواجهة أو معالجة الخلل الهيكلي المتشعب والمعقد للاقتصاد المصري، وهو ما يجعل وزراة التخطيط حجر الزاوية في أية مناقشة معمقة للسياسة أو الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية.
وانطلاقاً من أهمية الاقتصاد في المرحلة الحالية في مصر أجرت «البيان» حواراً مع وزير التخطيط المصري د. عثمان محمد عثمان تناول موضوعين أساسيين، الأول يتعلق بالفلسفة الاقتصادية وبرامج الاصلاح، ومستقبل السياسة الاقتصادية بعد انتخابات الرئاسة المصرية.
ـ : نود أن نستمع لرأيك في تشخيص المشكلة الاقتصادية الراهنة في مصر. أحيانا تبدو وكأنها «مشكلة كينزية» بمعنى أنها مشكلة ضيق الفرص الاستثمارية المربحة لأننا لا نستغل الأموال الكبيرة في النظام المصرفي.
وأحيانا تبدو مشكلة تمويل نظرا لانخفاض معدلات الادخار والاستثمار، وأحيانا ثالثة تبدو مشكلة هيكلية بالمعنى السائد لدى صندوق النقد الدولي أي سوء تخصيص للموارد نتيجة ضخامة القطاع البيروقراطي والتدخلات الحكومية.
أم ترى أنها بنهاية المطاف مشكلة تنمية بمعنى الافتقار الى آليات مؤثرة للخروج من الدوائر الشريرة للفقر والتخلف وضعف الانتاجية والافتقار للتجديد..الخ؟ ماهي المشكلة التي تعالجها الخطة الخمسية الراهنة كما ترونها، وخاصة بعد خمس سنوات من الركود الذي بدأ ينتهى؟
ـ د. عثمان: أنا أفضل أن أراها مشكلة تنمية، ليس هذا توصيفا نموذجيا ولا أعتقد أنها مشكلة «كينزية» فقط، بمعنى أنك عندك نقص في التشغيل، لكن أنت بحاجة لبناء قدرات تتطلب استثمارات في كافة المجالات فالمشكلة بالأساس أنك تحتاج لاستثمارات أكبر في كافة المجالات، وفي تقديري ايضا أن السبب ليس نقص التمويل وبالتالي انخفاض معدل الادخار، معدل الادخار في مصر ليس منخفضا.
كيف ونحن نسجل معدلاً بالغ الانخفاض لمعدل الادخار المحلي حيث لا يزيد كثيرا عن 10-12% من الناتج المحلي؟
ـ د. عثمان:
إجمالي الادخار القومي هو ادخار أطراف ثلاثة هي القطاع العائلي وقطاع الأعمال العام والخاص والحكومة، مجموع الثلاثة اما أن يساوي معدل الاستثمار أو يقل عنه فتجلب مدخرات أجنبية التي هي حسابيا بقيمة العجز في الحساب الجاري في ميزان المدفوعات، هذا العجز يغطي إما بالاقتراض أو بتدفق استثمارات مباشرة أو بالاثنين معا.
الشق الأول حصيلة مدخرات القطاع العائلي فرق بين الدخل المتاح للقطاع العائلي وانفاقه الاستهلاكي لأن القطاع العائلي مهمته الاستهلاك، هذا الفرق يمثل حوالي 22- 23% من الناتج المحلي الإجمالي، وإذا أضفنا لهم زائد أو ناقص الفائض أو العجز في الميزانية الحكومية نجد أن الحكومة تسحب من هذه المدخرات وليس العكس.
إن لديها عجزاً كبيراً يتراوح بين 6 ـ 7% وبالتالي معدل الادخار يهبط إلى 15 أو 16% ولهذا نقول إن معدل الادخار منخفض، ونحن نستطيع أن نوقف هذا العجز بمعنى أن اخفض الانفاق أو ابحث عن اساليب أكثر واقعية وعملية لزيادة الإيرادات أو الاثنين معا وبالتالي هي مسألة تمويل.
ولو أن القطاع العائلي مدخراته محدودة، تصبح لدينا مشكلة كبيرة، قد لا استطيع تغييرها، والمشكلة عندي مسألة تتعلق بالسياسات، وبالتالي نتكلم عن ضرورة إعادة هيكلة الموازنة العامة والتعامل مع مشكلة الدين العام لأنها ستنعكس مباشرة على الادخار القومي وبالتالي تحرير قدر من هذه المدخرات لتمويل الاستثمار.
ربما يكون من الأسلم أن نتحدث عن أن السلوك الادخاري للمصريين صحي ولا نتحدث عن أن معدل الادخار عال. نحن نتحدث في النهاية عن احصاءات التوازن العام.
ولكن طالما تتحدث عن السلوك الادخاري للمصريين، وأن لدينا حوضاً مالياً هائلاً في البنوك ونعجز عن الافادة منه ويبقى عاطلا في البنوك فان لدينا مشكلة كنزية، أى أننا لا نعرف كيف نستثمر أموالا موجودة بالفعل.
ـ د. عثمان: بالضبط، لذلك أنا أقول إن مشكلتي هي الاستثمار، إنه المشكلة هنا مادام معدل الاستثمار منخفضاً، لماذا؟ أولا: واضح أن الفئة الاجتماعية المنوط بها اكتشاف فرص الاستثمار .
وفيما تستثمر لا تقوم بدورها كما ينبغي ، لكن أيضا الجهاز المصرفي الذى يحتفظ بهذه الأموال لا يقوم بدوره وبالتالي يفضل أن يقرض الحكومة فيشجعها على الاستدانة لتمويل الخزانة.
معني هذا أنك تشارك من يقول إن الرأسمالية المصرية عندها إعاقة هيكلية؟
ـ د. عثمان: نعم. ولكن لا يجب أن نتطرف ونصل الى القول إن الرأسمالية المصرية عاجزة كمصير أو قدر، بدليل أنها تعمل والقطاع الخاص يقوم باستثمارات، لكن الفكرة تتمحور في ما الذي أريده؟ أريد أن أنقل محرك السرعات وليس أن استمر على سرعة معينة.
السنة الماضية الاقتصاد تحرك الى حد ما، مع الروح الجديدة لحكومة جديدة، والحكومة تتبنى توجهاً يشجع الاستثمار، ليس مطروحا، ولو أن هذا يحتاج إلى مراجعة، أن تلعب الدولة دوراً أكثر نشاطا أو فاعلية، ليس بالضرورة أن تكون مستثمرا مباشرا، إنما تشارك القطاع الخاص في التفكير: ما هى الاستثمارات المطلوبة؟ ماذا نستطيع أن نصنع معا؟
ولكن دكتور عثمان من يقوم بذلك؟ أليس وزير التخطيط وجهازه تحديدا؟
ـ د. عثمان: ما أبدأ به هنا هو التأكيد على أن إلقاء الاتهام على طرف واحد لن يحل المشكلة، الرأسمالية المصرية بطبيعتها طفيلية؟ مش صحيح.. إن لها مطالب لكن عليها مسؤوليات، الحكومة عليها دور، والجهاز المصرفي لابد أن يتحمل مسؤوليته لإتاحة الموارد. وما حدث في التاريخ قابل للتكرار، طلعت حرب لم يقل أعط المستوردين فقط، أعط أيضا المصدرين، واعمل سينما واعمل نسيج واعمل كل حاجة.
ولكن ماذا عن وزارة التخطيط؟ وزارتك شخصيا هل جهزتها بحيث تتبنى أنماطاً جديدة للتفكير؟ هل تم تحديث تكوينها العضوي لمضاعفة قدراتها من حيث الناحية الفنية والتخطيطية وقدرة التواصل مع القطاع الخاص؟
ـ د. عثمان: نعم، أنا أعدت هيكلة الوزارة ومسميات قطاعاتها، عندي قطاع اسمه «الاستثمار وتقييم المشروعات»، وقبل أن تنشأ وزارة الاستثمار كنت أسست لجنة بالمشاركة أساسا مع ممثلي اتحادات رجال الأعمال والصناعات.
وفي مراحل إعداد الخطة المختلفة التقيت بهم لتقدير ما يمكنهم وما لا يمكنهم عمله. قمنا بوضع دليل للمشروعات الاستثمارية ونطور خريطة للاستثمار، والآن هذا هو دور وزارة الاستثمار وهي الأجدر به، وخاصة بعد إعادة هيكلة هيئة الاستثمار، هنا الحكومة تعمل كوحدة متكاملة وليس كوزارات منفردة.
وماذا عن بنط الاستثمار القومي؟
ـ د. عثمان: لا، بنك الاستثمار القومي دوره تقليدي لأنه يقوم كوسيط لتوفير التمويل المطلوب للخطة الاستثمارية العامة.
ـ : وكيف تواجهون مشكلة الافتقار الى مزايا نسبية كبيرة في أي قطاع أو فرع؟ وبالتالي كيف نحل مشكلة الخلل الهيكلي؟ وكيف نعيد ترسيم موقعنا في تقسيم العمل الدولي؟
ـ د. عثمان: نحن فعلا بلد فاقد للتخصص، فاقد للامتياز في أي قطاع، وعندنا مشكلة في مجال التصدير. ولكن في ذلك ميزة أيضا لم نحسن استغلالها، وتقع مسؤوليتها على الطرفين الأساسيين: وهما المستثمرون والجهاز المصرفي لأن الاقتصاد المصري يتميز بتنوع جيد جدا، مجتمع، واقتصاد لديه أصول زراعية جيدة، أنت تنتج كمية من المنتجات الزراعية للاستهلاك المحلي والتصدير جيدة.
وعندي أساس قومي في الصناعة التحولية بتنوع لا بأس به، بترول وغاز طبيعي، قطاع السياحة وأصوله جيدة وقابلة للتوسع وهكذا، قطاع الاتصالات والتكنولوجيا يتنامى بمعدلات جيدة جدا، الفكرة كما أقول إنك تنتقل من معدل نمو أربعة أو خمسة في المئة إلى 8 أو 9%.
عندك مثلا في مجال السياحة تستغرب أن ثمة طاقات فندقية تحت الإنشاء ومتوقفة لا تتنامى، المجتمع ككل لا يملك ثقافة التنمية، في سلوكياتنا كفئات اجتماعية، مازالت نظرتنا سواء للمستثمر الأجنبي أو المحلي نظرة معادية، نظرة سلبية، عندما نقول السياحة يرد البعض بنظرة تقول إننا نحول البلد إلى مطاعم، نعمل فيها «جرسونات»، السياحة لا يجب أن تعامل بهذه النظرة، فلديّ ميزة لماذا لا نستغلها؟!
ـ : أنت اذن تتفق مع رئيس الوزراء في تصريحه أنه يعتمد في النمو المقبل على السياحة والخدمات عموما، وهذا يهمل الصناعة التحويلية.
ـ د. عثمان: لا إطلاقاً. هناك تكليف واضح عند المهندس رشيد، قطاع الصناعة التحويلية في تقرير المتابعة. وهذا ما ركزت عليه في أول تقريرللحكومة الجديدة في متابعة عام 2004 ـ 2005. إن قطاع الصناعة التحويلية حقق معدلاً للنمو لا يزيد عن 5,3%، وهذا معدل متواضع جدا والمفروض يكون 10% .
والمهندس رشيد (وزير الصناعة) يتفهم هذا، والتنسيق بيننا كبير. والآن وعلى مستوى السنة ككل حققنا معدل نمو أفضل: 5%، وهو سعد كثيرا بهذه النتيجة لكن قطاع الصناعة التحويلية يحتاج إلى طاقة كبيرة جدا.
قبل أن نتحدث عن الحاجة الى دفعة قوية دعنا نسأل أولا عما ستفعلونه لعلاج مشكلات القطاعات المتساقطة مثل النسيج؟ وفي الوقت نفسه لم نتمكن من تعويض هذه الفروع التقليدية بتنمية الفروع الجديدة بما يكفي: المعلوماتية مثلا، وبالتالي فنحن أمام مطب.
ـ د. عثمان: من خلال المتابعة أساساً نتعرف على القطاعات والأنشطة الواعدة داخل قطاع الصناعة التحويلية. بعض المشكلات تستطيع الشركات مواجهتها، وبعضها الآخر لابد من عمل حكومي قوي.
تحدثنا كثيرا عن الحاجة إلى سياسة صناعية، وبالتالي وزارة الصناعة تلغي شيئا اسمه هيئة التصنيع وتستبدلها بهيئة التنمية الصناعية، لتكون مسؤولة عن وضع سياسة صناعية، على مستوى السياسة التجارية تحاول أن تواجه التحدي مع التغيرات في مستوى الحواجز الجمركية.
وأحياناً لا تستطيع أن تفوت الفرصة، وإلا تضر ببعض الصناعات، ولهذا مثلا عقدنا اتفاقية الكويز لإنقاذ صناعة الملابس الجاهزة، والغزل والنسيج في سوق فيه تنافس شديد جدا.
بالمناسبة ماذا أنتم فاعلون لإنقاذ هذه الصناعة وخاصة أن الكويز بغض النظر عن الرأي السياسي لن تكفي لانقاذها؟
ـ د. عثمان: عندنا وضع غاية الصعوبة في صناعة النسيج والملابس، دعم هذه الأنشطة ومعاونة المشروعات المتوسطة والمنتجين الصغار تسير بمعدلات مرضية، ولكن المشكلة الأكثر سخونة هى الشركات الضخمة التابعة للقطاع العام.
لا أستطيع أن أقوم بإعادة هيكلة حقيقية في ظل وجود العمالة الزائدة، وبالتالي لو وضعنا استثمارات ضخمة ستؤدى الى وفر في العمل، بينما مشكلة العمالة عندنا ليست سهلة في هذا القطاع.
ماذا عن مشكلة التكنولوجيا في هذا القطاع؟ إن اداء قطاع البحث والتطوير في هذا المجال ضعيف جدا.
ـ د. عثمان: في رأيي الذى يحل هذه المشكلة هو الاستثمار الأجنبي، المستثمر الأجنبي نطلب منه شيئين أولا أن يجلب لك تكنولوجيا ومسؤوليتك أن تنشرها في بقية الاقتصاد، لن تتمكن من جلب التكنولوجيا من السوق المفتوح.
ولكنها تأتى من شركات عالمية: إما أن تجلب لك الحلقات كلها مع بعضها أو تأخد حلقة من السلسلة وتتميز فيها، وشطارتك انك تنتقي الحلقة التي تحقق قيمة مضافة أكبر.
الشيء الثاني: يجب أن يلتزم الاستثمار الأجنبى أمامك بفتح أسواق خارجية. ولكن هذا يحتاج أن المجتمع يقبل ويتفهم أن رأس المال الأجنبي ليس شرا. وفي تقديري اننا لم نتمكن من تحقيق توافق مجتمعي أو رؤية شاملة للتحرك على المحاور المختلفة.
حسنا جدا يا د. عثمان. اذن أنت تشكو كما نشكو نحن. ولكن ما هى مهمتك؟ لنأخذ مثلا قطاع البحث والتطوير. لابد أن يتحرك الجهاز العلمي والتكنولوجي بشكل أفضل ولدى هذا القطاع مشاكل تقليدية ويحتاجكم لحلها.
مثلا:مشكلة الموازنات غير الكافية وبالذات للإنفاق المتغير على المشروعات، وهناك مشكلة الارتباط مع الصناعة، فمن يقوم بهذا الدور؟ ولكن قبل هذا ما هو تصوركم اذن لدور الحكومة؟
ـ د. عثمان: الدور الأساسي المنوط بالحكومة هو استخدام الأدوات في السياسة الاقتصادية بشكل جيد، بداية التحرك الجاد في أننا نواجه المشاكل بسياسات جريئة مثل تخفيض سعر الصرف أو تحريره، فلقد كان القصد منه ألا يتحول إلى تخفيض وإنما قصدنا أن يتحدد السعر فعلا من خلال الجهاز المصرفي. أهم شيء هو أنه ثبت أن الاقتصاد يستجيب بمرونة عالية لهذه الأدوات.
الصادرات رد فعلها كان سليما، ايرادات النقد الأجنبي زادت، وانتهت الدولرة. وهناك دليل مهم على هذا في أحداث شرم الشيخ الأخيرة. لما حصلت حادثة شرم الشيخ، كان رأي الحكومة واضح وصريح بأن الايرادات السياحية ستتأثر.
وأن على الجهاز المصرفي، بما يحوذه من فائض في ميزان المدفوعات حوالي 5,3 مليارات دولار، أن يقف متأهبا لتلبية كافة الطلبات دون تغيير في السياسة وفي الأفعال حتى لا تهتز الثقة.
فلم يحدث أي نوع من الأزمات، لأن الحقائق الاقتصادية موجودة، والأطراف تصرفت كما تملي القواعد الاقتصادية السليمة، وهذا انعكاس لنضج الاقتصاد ونضج المؤسسات، نضج الاقتصاد أنك عندك ايرادات موجودة، فائض موجود لكى يستخدم، والاحتياطي ليس صندوقاً مغلقاً وانما موجود ليستخدم.
وبالتالي انعكست هذه الروح في الجهاز المصرفي دون تدخل من الحكومة ، لذلك لم يحدث تكالب على الدولار والحمد الله الإيرادات لم تنخفض.الأسبوع الأول حصل انخفاض في شرم الشيخ في نسبة الاشغال بحوالي 50%، وفي الأسبوعين التاليين ارتفع الإشغال إلى 65%.
أريد أن أسأل عن العلاقات داخل المجموعة الاقتصادية؟
ـ د. عثمان: بصفة عامة في السنة الأخيرة مع الحكومة الجديدة بدأ تقسيم عمل معقول، والمجلس يناقش هذه السياسة الاقتصادية بشكل أكثر فاعلية من ذي قبل، والجزء الشخصي في المسألة أنه في وجود رئيس وزراء هذا تخصصه يمارس نوعا من الأبوية، أما عندما يكون لدينا رئيس فريق العمل متخصص في الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات سيكون له رأى..
ولكنه سيترك أعضاء المجموعة الاقتصادية تتخذ القرارات، قد يستفسر أو يطلب ايضاحات، لكن لن يمارس الأبوية. وهذا يلقي المسؤولية على المجموعة الوزارية ويمكنها من الدفاع عن وجهة نظرها أمام المجلس برمته.
ولكن ماذا عن الخلافات المثيرة في الفسلفة فيما بين أعضاء المجموعة الاقتصادية؟ مثلا أنت اقرب الى الكينزين الجدد، وهناك زملاء لك يؤمنون بالمدرسة النقدية.. كيف تديرون هذه الخلافات؟
ـ د. عثمان: نعم البعض مع دور أقوى للدولة، والبعض الآخر قد يتخوف من هذا التصور. ولكن في الواقع العملي تقل هذه الاختلافات كثيرا ما أن نبدأ في تناول مشكلات محددة. حينما نسأل ما الذي يتوجب عمله تجد أن الخلافات محدودة. لو اخدنا حالة محددة مثل حل مشكلات الصناعة، أوالمنطقة الاقتصادية الخاصة شمال غرب السويس صدر القانون.
وأنشئت الهيئة ولم يحدث خلاف كبير. الكلام يدور عن تدابير عملية مثل أى عدد من المستثمرين نحتاج، وكيف تسهم الدولة بسهم ذهبى، وبالتالي، حل المشكلة يترجم إلى إجراء عملي، والتوجه العام ألا تقف الدولة ساكنة، ولابد أن تضمن نجاح مشروعاتها.
ولكن اين البعد المؤسسي هنا ؟ وزارتك وزارة تخطيط لديها مشروعية ومهام تخطيط، فماذا تفعل؟
ـ د. عثمان: هذا مفهوم ويتم في مرحلة إعداد الخطة، وإعداد الخطة يتم بالتنسيق مع الوزارات النوعية المختلفة. نقول لبقية الوزارات ما رأيكم، ارسلوا لنا كلامكم ودراساتكم ثم نضع الصورة النهائية على ضوء المحددات السياسية ثم تعرض على مجلس الوزراء كنوع من الصورة التضامنية.
وهذه السنة كانت خاصة جدا لأنه كما قلت رئيس الوزراء ليس متخصصا في هذه المجالات، بعد العرض على مجلس الوزراء نرسلها الى مجلس الشعب ومجلس الشورى، مجلس الشعب يرسل الخطة والموازنة للجنة الخطة والموازنة، ثم نجلس مع اللجان النوعية:
النقل واللجنة الاقتصادية الخ. مستوى التنسيق ليس فقط داخل مجلس الوزراء وإنما داخل مجلس الشعب، بل داخل لجانه المختلفة. وهذا العام شهدنا دورا مهماً وكبيرا للمجلس. ففى الماضى، كان هناك نوعان من الملاحظات.
الأول خاص بطلبات محددة، هنا يقوم النواب بدورهم كنواب أقاليم لهم مطالب اقليمية. النوع الثاني السياسات العامة، ويثيرها في العادة أعضاء ناشطون.. مثلا النائب الوفدي المعارض فخرى عبدالنور يتكلم في موضوعات متعلقة بالاستراتيجية والسياسات.
هذا يفتح قضية العلاقة بين السياسة والاقتصاد، وهنا نعود من جديد لموضوع الموازنة العامة فلدينا مشكلة عجز مزمن، ودين عام ثقيل وصل قطعا لمرحلة خطيرة اذ يقدر هذا العام بأكثر من 450 مليار جنيه، سيدفعه أولادنا في المستقبل. واذا شئت أن ترفع مستوى الاستثمار.
وأن تسد عجز الموازنة العامة كضرورة اقتصادية واجتماعية سوف تواجه مشكلة السياسة التى لا تريد أن تخاطر باضطراب سياسى. وهذا يطرح السؤال حول ما اذا كان الرئيس هو الصانع الحقيقى للسياسة الاقتصادية لأن أهم قراراتها سياسية بل وسيادية. فكيف تتعاملون مع هذه المعطيات؟
د. عثمان: التخطيط لابد أن يتفهم الضرورات السياسية.. أنا اخطط لمستقبل افضل، ولا يجوز أن أرى الصورة سوداء. أنت تعرف الآليات والتوازنات، فيبقي فقط القدرة على التنفيذ أو تفعيل ما نراه سياسات كفؤة. وليس كل ما تراه كاقتصادي محترف سليم اقتصاديا تستطيع أن تنفذه.
الوزير لابد أن يملك النكهة السياسة الملائمة للمجتمع والتوازن والتنسيق بين الأولويات. ببساطة مشكلة الدين الداخلي ليست مشكلة على الاطلاق لأنه في النهاية كمجتمع وكاقتصاد تنقل موارد من هذاالجيب الى هذا الجيب.
ومن الناحية المالية لو استبعدنا من بنود الانفاق في الموازنة العامة خدمة الدين، يبقى عندي ما يعرف باسم صافي العجز أو الفائض في الموازنة قبل احتساب خدمة الدين. وحتى العام الماضى،كان هناك فائض محدود، وبدأ يتحول إلى عجز بسيط، هذا العام.
هل خدمة الدين مشكلة لها علاج؟ نعم. إنك تعيد هيكلة الموازنة العامة كما يحدث في الدين الخارجي، أى أعيد جدولة الدين. هنا نسأل من هو الدائن؟
هو أساسا صناديق التأمينات والتعامل معه من الناحية المالية لا يمثل أي مشكلة على الإطلاق في العلاقة بين الموازنة والتأمينات. فالنظام في مصر، سمه ما شئت، ولكن الحكومة مسؤولة وكانت وستبقى مسؤولة عن دفع التأمينات والمعاشات، هى الضامن الأول والأخير.
ندخل في قصة البرنامج الاقتصادي للرئيس مبارك وجوهره وموضوعه مواجهة مشكلة البطالة وتوفير 5. 4 ملايين فرصة عمل وهذا يطرح مجموعة أسئلة أولها كيف قمتم بحسابات ووصلتم الى هذه التقديرات؟
وثانيا هل القضية استثمار وفرص عمل أم أنه أعمق بكثير: أى مستقبل مصر الاقتصادى، وتوليد فرص عمل تحقق مستويات متنامية للانتاجية وهو أمر غير منفصل عن التخصص الذى نستهدفه في مصر، وكيف سنأخذ موقعنا في الاقتصاد العالمى، وما هى المزايا النسبية التى سأعمل على تنميتها؟
ـ د. عثمان: ببساطة هذا الرقم واقعى جدا لسبب بسيط. إنه خلال السنوات الماضية قسنا العلاقة بين معدل النمو الاقتصادي كمؤشر ميكرو على الاقتصاد، والزيادة في معدل التشغيل، ووجدنا أن زيادة معدل النمو الاقتصادي بنقطة مئوية واحدة تعني توليد من 120 إلى 150 ألف فرصة عمل جديدة، وهذا الارتباط تاريخى في الاقتصاد المصرى.
معدل النمو السنة الماضية 5% وهذه بالمناسبة هى نفس ارقام صندوق النقد الدولي لأنه منذ عامين يأخذ الأرقام مني، ونحن من شهر يناير الماضي اشتركنا في نظام النشر الدولي الخاص السي بي إس.
ومعدل نمو 5% يعطينى حوالي 580 ألف فرصة عمل إضافية، فإذا ارتفعنا إلى 6% كما نخطط لهذا العام يتوفر لي 650 الف فرصة عمل، وإذا ارتفعنا إلى 7و8 يبقى المتوسط 700 ألف فرصة عمل. فإذا كان المتوسط 650 ألف فرصة في 6 سنوات، تعطيك الـ 7. 4 ملايين فرصة عمل لمجموع السنوات الست المقبلة.
ولكن هذه الحسابات تفترض شيئا قد لا يحدث. فكيف نصل الى معدل نمو 6% بينما معدل الاستثمار ضعيف ونمو الانتاجية محدود. وكيف اضمن ألا تصيبني دورة انكماشية أخرى مثلما حدث عام 1997؟
ـ د. عثمان: لقد تغلبت على الدورة، والسياسات خلصنا من 5. 3% إلى 5% والمتوقع بالنسبة للاستثمارات أن تضمنها الدولة تقدر تضمنها، وكل المؤشرات تقول عندي سنة 2005 ـ 2006 بداية انطلاق الاقتصاد المصري إذا لم نستطع أن نحققها فهذا أمر آخر.
ولكن ألم تقولوا لنا هذه التقديرات المتفائلة عام 1997 عندما أصبنا بالموجة الانكماشية بدلا من أن نحقق التوسع والازدهار؟
ـ د. عثمان: أنا لا أريد أن أعود للتاريخ، الذى يطمئنك هى المؤشرات التي أمامك. في عام 97 أنت واجهت حدثاً دولياً كبيراً (هو الأزمة الآسيوية) ولم تحدث أى مراجعة لموقفك، افترضت أنك لن تتأثر اطلاقا، ثم جاءت أزمة الاقصر في نوفمبر 1997، وحادثة الاقصر لم تغير سياساتك على الإطلاق.
مصر تعلمت في 11 سبتمبر، الحكومة المصرية عملت دراسات على أعقد مستوى لاستشراف وتحديد أثر الأزمة بما فيها احتلال العراق، على الاقتصاد المصري، وبالتالي أخذنا إجراءات لدرء الآثار السلبية أو تقليلها إلى أبعد حد ممكن.
القاهرة ـ د. محمد السيد سعيد: