تميز الفكر السائد في تناول مسألة الاستثمار الأجنبي المباشر في مصر مقولتان تتمثل الأولى في الزعم بأنه يمثل شرطاً حاسماً لتحقيق التقدم واللحاق بالبلدان الصناعية المتقدمة.
فقد قيل «إنه لا توجد دولة من دول العالم الثالث من أول المكسيك وحتى الصين حدث فيها التقدم، والتقدم الرأسمالي خاصة، دون حدوث الاستثمار الأجنبي».
أما المقولة الثانية، فهي «إن رأس المال يميل للتدفق من البلدان المتقدمة، التي تتمتع بوفرة رأس المال وتعاني من ندرة العمل المرتفع الأجر، إلى البلدان النامية التي تعاني من ندرة رأس المال وتتمتع بوفرة العمل الرخيص.
حيث أنه وفقاً لقانون الغلة المتناقصة أو (الإنتاجية الحدية) سيكون معدل الربح منخفضاً في البلدان وفيرة رأس المال وعالياً في البلدان وفيرة العمل.
ومن هنا نشأ التركيز على تحسين المناخ الاستثماري وإزالة المعوقات أمام حركة رأس المال، كجزء من عملية تحويل ليبرالي شاملة للاقتصاد، من أجل إتاحة الفرصة لتلك الوجهة في حركة رأس المال نحو البلدان النامية في التعبير عن نفسها».
ومن المنطقي أن ينظر إلى الاستثمار الأجنبي هنا باعتباره تعويضاً عن ضعف المدخرات المحلية، مادام الأساسي هنا هو الحركة الحرة لرأس المال والتي ستحول المدخرات في العالم بأسره نحو المناطق النامية التي تعاني من ندرة رأس المال، أي تعاني من ضعف القدرة على الادخار.
ومن هنا نضع أيدينا على الأسس الفكرية لسياسة المراهنة على نحو مفرط على تدفق الاستثمار الأجنبي، فيجري الحديث عن إمكانية ارتفاع معدلات تدفقه من 4- 6% من إجمالي الاستثمار الثابت المحلي الإجمالي في السنوات الأخيرة إلى حوالي 25- 35%.
ويزعم أنه رقم متواضع بمعايير الدول التي سبقتنا، وهذا غير صحيح على الإطلاق، حيث إن هذا المعدل لم يبلغه أكبر بلد مستقبل للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم النامي.
وثاني بلد في العالم بعد الولايات المتحدة، ونعني به الصين (حوالي 10 - 13%،)، ولم يصل إلى معدلات قريبة من ذلك أو يزيد سوى ماليزيا (حوالي 15- 20%) وسنغافورة (حوالي 30 ووصلت في بعض السنوات الأخيرة إلى 50%) .
وهونغ كونغ (حوالي 15- 30% وفي بعض السنوات وصلت إلى 60%) ولكن هذه البلدان الأخيرة تمثل حالات خاصة لا يقاس عليها، حيث إنها تمثل معبراً للتجارة ورأس المال من العالم إلى آسيا، لا سيما بلدان شرق آسيا وعلى رأسها الصين.
ولكن النتائج في مصر، وفي غيرها أيضاً، تمثل فشلاً ذريعاً لوجهة النظر الليبرالية تلك والتوقعات أو المراهنات المبنية عليها، كما سوف نرى. ولكن دعنا نناقش أولاً المقولتين العامتين السابقتين.
فالزعم بأن الاستثمار الأجنبي المباشر يمثل شرطاً حاسماً للتقدم في جميع البلدان النامية لا يستند على حقائق الواقع بقدر ما ينطلق من الإيمان الأيديولوجي لا أكثر.
والعنصر الوحيد الصحيح في هذا الزعم أن عملية التصنيع تتطلب نقلاً للتكنولوجيا وتوطينها، ومن ثم يستلزم التعامل بشكل أو بآخر بالشركات عابرة القومية في البلدان المتقدمة. ولكن هذا التعامل لم يجر بأسلوب واحد وحيد كما يظن البعض، وهو الاستثمار الأجنبي.
فهناك شكل آخر لنقل التكنولوجيا يتم من خلال ما يسمى الترتيبات غير الرأسمالية مثل: اتفاقات التراخيص، عقود التنظيم، منح حقوق الامتياز، عقود تسليم المفتاح، والتعاقد من الباطن. وقد لعبت تلك الأشكال دوراً أكثر أهمية من الاستثمار الأجنبي المباشر في بلدان مثل كوريا الجنوبية وتايوان ومن قبلهما اليابان.
أما ما يتعلق بالمقولة الثانية، تتناقض الوقائع الامبريقية بشكل صارخ مع الزعم بأن رأس المال، إذا ما جرى تحرير حركته من العوائق والقيود، سيتجه من البلدان المتقدمة التي تتمتع بوفرة رأس المال إلى البلدان النامية التي تعاني من ندرة رأس المال، وذلك من أجل الأرباح الأعلى التي يوفرها العمل الرخيص الوفير.
فعلى عكس ذلك الميل الانتشاري المزعوم، نجد أن حركة رأس المال تميل إلى التركز، أولاً في البلدان المتقدمة حيث إن ثلاثة أرباع الاستثمار الأجنبي المباشر تتركز حركته فيما بين البلدان المتقدمة.
ولا يتجه إلى البلدان النامية سوى الربع تقريباً، ولكن هذا القدر نفسه لا يتوزع بعدالة، وإنما يتجه بدوره إلى التركز في عدد من البلدان النامية، حيث حصلت بضعة بلدان (10 بلدان) على حوالي ثلاثة أرباع نصيب البلدان النامية بأسرها، وهذه البلدان هي التي تتمتع بديناميكية اقتصادية بالقياس إلى غيرها.
فعلى عكس نظرية الغلة المتناقصة يؤدي إدخال تكنولوجيا جديدة في البلدان المتقدمة إلى تمكين الشركة صاحبة الاقتراع من تحقيق أرباح أعلى من المتوسط العام للربح وهو مايسمى ريع احتكار الاختراع أو فائض اربح وبالتالي من المنطقي أن يتجه رأس المال نحو البلدان المتقدمة وعملها الماهر وليس إلى البلدان النامية.
وفي هذه الأخيرة يتجه الاستثمار الأجنبي نحو الاقتصاديات النابضة بالنشاط ذات الطلب الداخلي القوي والمندمجة في مناطق ديناميكية اقتصادياً. وعلى عكس الاعتقاد المسيطر بأن الأجور المنخفضة والمستويات نصف الماهرة للعمالة هما المفتاح الحاسم لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، تبين الدراسات العيانية أن مثل تلك العوامل تقع في ترتيب أقل أهمية.
حيث تمثل تكاليف العمل قسماً صغيراً من إجمالي التكاليف في الكثير من البضائع في ظل التطورات التكنولوجية الراهنة. فالأعظم أهمية هو حجم السوق المحلي، واستقرار الأسعار، وأسعار الصرف وأيضاً الاستقرار السياسي والمؤسسي..
وفضلاً عن ذلك فإن الإنتاجية الأعلى للعمل الماهر يمكن أن تخفض تكلفة مكون العمل بأكثر مما يحدث في حالة عمل رخيص وغير ماهر أو نصف ماهر الخ.
وهكذا تتأكد الاتجاهات نفسها في سياق الحالة المصرية، حيث لم تستقبل مصر سوى قدر هزيل من الاستثمار الأجنبي بعد تصاعد وتوسع التحول الليبرالي في مجال الاستثمار الأجنبي، وفي الاقتصاد عموماً في التسعينات.
وعلى الرغم من عدم التناظر الواضح بين الحريات والامتيازات الممنوحة لرأس المال الأجنبي وبين حجم تدفقه، إلا أنه كالعادة يجري تفسير ضعف تدفق رأس المال الأجنبي بعدم كفاية القيود التي أزيلت من أمامه، لنشهد مزيداً من الضغوط نحو المزيد من التحرير الاقتصادي.
ويتضح ذلك من عدم رضا أوساط رأس المال العالمي، لاسيما الأميركي عما تحقق حتى الآن، حيث نجد تقرير مؤسسة «هيريتج» وجريدة «وول ستريت جورنال» Index of Economic freedom لا يزال يرى أن هناك قيوداً على الاستثمار الأجنبي في مصر، وإن كان يراها قيودا معتدلة moderate barrier.moderate barrier.
وقد استجابت المجموعة الاقتصادية لوزارة الدكتور نظيف إلى معظم مطالب رأس المال الدولي، فخفضت التعريفات الجمركية، وخفضت معدلات الضرائب على الأرباح الرأسمالية إلى النصف، وقامت بإزالة العقبات البيروقراطية من خلال نظام الشباك الواحد للحصول على تراخيص الاستثمار.
وفي الآونة الأخيرة توالت التصريحات الصحافية حول المردود الناجح لتلك السياسة، بالحديث عن تعاظم هائل للاستثمار الأجنبي المباشر، في الفترة من يوليو 2004 ـ مارس 2005 (9 أشهر) إلى 1915 مليون دولار، مقابل 184 مليون دولار في الفترة نفسها من السنة المالية السابقة (2003 ـ 2004).
وفي الحقيقة أننا أمام مجرد تضخم حسابي لا أكثر، حيث إن رقم السنة الحالية يتضمن 1475 مليون دولار استثمارات في قطاع البترول (لم تكن متضمنة في أرقام السنة السابقة)، كما يتضمن حصيلة الخصخصة التي تسارعت في تلك الفترة لتبلغ 9. 327 مليون دولار.
وعلى ذلك، فإن الاستثمارات الجديدة غير البترولية لن تتعدى 112 مليون دولار (انظر ملخصاً لميزان المدفوعات والمعاملات السلعية عن الفترة من يوليو ـ مارس 2004 ـ 2005 الصادر من البنك المركزي).
والحقيقة أن إطلاق العنان لرأس المال الأجنبي بلا ضوابط لن يخدم التنمية بصورة عامة ولا التنمية الصناعية بصورة خاصة، وإنما يخدم فقط رأس المال عابر القومية. وعلى ذلك ينبغي أن توضع الضوابط من أجل توجيه الاستثمار نحو القطاعات الصناعية المستهدفة ضمن سياسية صناعية تخدم المصلحة القومية وليس مصلحة الشركات عابرة القومية.
ولهذا نجد أن كوريا الجنوبية كانت تضع الضوابط القوية في مرحلة نموها الصناعي السريع حتى نهاية الثمانينات. ولا تزال الصين وماليزيا تضعان الضوابط حتى اليوم على رأس المال الأجنبي، على الرغم من أنهما من أكبر دول العالم النامي جاذبية له.
ويصنف تقرير الحرية الاقتصادية المشار إليه القيود التي يضعها على الاستثمار الأجنبي بأنها قيود عالية high barrier (في مقابل قيود معتدلة في مصر كما سبق الإشارة).
وكل هذا يوضح أنه بدون قيود لن يستطيع أي بلد أو أية دولة توجيه ذلك الاستثمار إلى ما فيه خدمة المصالح القومية في حال توافر استراتيجية قومية لتطوير الصناعة.
نعود فنقول إن الليبراليين الجدد في مصر بدلاً من أن يثير فشل التوقعات حول الاستثمار الأجنبي الشكوك لديهم في عقائدهم التي بنيت عليها توقعاتهم تلك، نجدهم يراهنون على أن تبسيط الإجراءات البيروقراطية من شأنه تبديل الحال على نحو جذري، في حين أنها لا تنطوي في الحقيقة سوى على تحسينات جزئية فحسب، وليس تحقيق المطامح المبالغ فيها المشار إليها أعلاه. وفي الحقيقة أنه ما لم تتغير السياسة الاقتصادية على نحو جذري.
وما لم يدب النشاط والحيوية في الاقتصاد المصري انطلاقاً من الجهود المحلية وبالاعتماد على المدخرات المحلية، فإن انتظار قدوم رأس المال الأجنبي، بوصفه مخلصاً، سوف يطول..
القاهرة ـ صلاح العمروسي: