يحتمل التجوال في مراكز «ابن بطوطة» و«برجمان» الكثير من «المخاطرة المالية». فمركزا التسوّق المذكوران، إضافة إلى الكثير غيرهما في دبي، محشوّان بمحال العلامات التجارية الفاخرة في مجال الأزياء. أرقى الألبسة التي تتخايل في الواجهات محمّلة بعبق التصنيع الأوروبي.

تحيّة من ميلانو وأخرى من باريس وثالثة من هامبورغ، والمستهلك الذي طالما أبهرته الماركات العالمية، بحكم تاريخ طويل من العلاقة التي تدخّلت في بنائها وترسيخها ماكينات الإعلام والتسويق الضخمة وكذلك ميكانزمات الرغبة الاجتماعية بالتماهي مع ما هو شهير وراق وقيّم، لا يستطيع إلا أن يتحسّس جيبه ويتفقّد أن كان ما يحمله من مال «يليق» بثمن «تي شيرت» أو فستان أو «جينز». لكّن رينهارد دوبفير، المدير العام للمفوضية الأوروبية لتصدير الأزياء والنسيج، يعتقد أن مجموعة من الألبسة المعروضة في دبي لا تحمل عبق ميلانو فقط، بل الصين وتركيا أيضا بالرغم من كونها تحمل أسماء مدن أوروبية.

زار دوبفير دبي خلال الأسبوع الماضي، لكنّها ليست زيارته الأولى «فقد عرفت دبي للمرة الأولى في العام 1987 حين كانت لا تزال أشبه بقرية صغيرة فيها فندقان فقط، أقمنا في أحدهما عرضا للأزياء الأوروبية ذات العلامات المعروفة». بين 1987 و2005 سنوات كثيرة ودوبفير يتجوّل اليوم في طرقات دبي ولا يصدّق ما يراه: «إنّها نهضة اقتصادية رائعة، يعجبني هذا الأمر كثيرا».

لكنّ بعض واجهات المحال، على طريق الشيخ زايد وفي مراكز تسوّق «ديرة سيتي سنتر» و«برجمان»، لا تعجبه البتّة: «أزياء أوروبية ذات علامات معروفة تحمل أرقام حسومات تصل إلى 75% وفي أوقات خارج الوقت الرسمي للحسومات، هذا غريب وغير متّبع في أوروبا كما أنّه يضرّ بسمعة العلامة التجارية».

* حرب تركيّا وميلانو

يعبّر دوبفير عن «إحباطه» نتيجة قيام علامات شهيرة مثل الألمانية «دانييل هيشتير» أو الفرنسية «بيار كاردان» أو حتى «كيلفين كلاين» إلى اتباع سياسة الحسومات المتواصلة معتبرا أنها «تدمّر بذلك قيمة علامتها التجارية ولن تحافظ على تميّزها إذا ما استمرّت في اتباع هذا النهج.

ويعتبر أن المنتجات التي تنال حسومات لا يجب أن تعرض في مكان واحد مع المنتجات الأخرى بل يحدد لها محلاً خاصاً يجمع عدة علامات تجارية ويقصده المستهلك بشكل معزول عن المحل الأصلي، «فهكذا تحافظ العلامة التجارية على مكانتها خاصة إذا كانت من فئة العلامات الفخمة». ويحلل رخص منتجات بعض هذه العلامات إلى كونها تصنّع في خارج أوروبا وتحديدا في الأسواق التركية والصينية.

ويضرب مثلا حول «دانييل هيشتر» التي تصنّع للأسواق الأوروبية في مصانعها في ميلانو بينما تصنّع لأسواق المنطقة عبر ترخيص لتصنيع تركي، ويقول إن هناك فارقا في الجودة بين ما تصنّعه تركيا وما تصنّعه ميلانو. بهذه التصريحات يكون دوبفير قد كرّس هواجس لطالما ساورت المستهلك المحلّي تجاه منتج الشركات العالمية، وأسئلة حول جودة المنتج واختلاف مكوّناته مع ما تطرحه تلك الشركات في الأسواق الأوروبية والعالمية.

وإذا كان التصدير التركي إلى أسواق الخليج يتمّ بصورة قانونية، حيث يمتلك المورّد رخصة توزيع منتجاته، فإنّه متواجد في أسواق أخرى مثل السوق الروسي من دون علم الشركة الأم: «قال لي مسؤول في شركة دانييل هيشتر انّ المصنّع التركي الذي من المفترض أن يوزّع فقط في أسواق الشرق الأوسط قد دخل الروسي من دون أن نعطيه الرخصة».

ويفتح النقاش حول تدنّي سعر المنتج الذي يحمل ماركة أوروبية شهيرة ملفا آخر هو قيام بعض الشركات الأوروبية بتصنيع منتجها في دولة الإمارات في مصانع خاصة بها بمنطقة جبل علي الحرّة. وفي الفترة الماضية، أقبلت الكثير من الشركات على هذه الخطوة كحلّ يعفيها من قوانين «الكوتا» (أي الحصص التجارية) التي فرضتها اتفاقات التجارة على الدول المصدّرة للنسيج والأزياء.

ولكي تتخلّص بعض الشركات من عبء «الكوتا» لجأت إلى التصنيع في خارج بلدها كي تضمن مزيدا من الحصص. لكنّ المسؤول الأوروبي، ألماني الجنسية، يعرب عن قلقه من أنّ الوضع قد يختلف في الفترة المقبلة خاصة بعد انتهاء العمل بهذا النظام في الحادي والعشرين من يناير الماضي: «هذا الأمر من شأنه أن يضع دبي في مواجهة مع سيرلانكا أو الهند أو الصين، وهي منافسة غير منطقية فالتصنيع في الدول المذكورة لا يزال أسهل بكثير وأقل تكلفة بسبب البنية المجهّزة ورخص اليد العاملة.

على سبيل المثال، تبلغ تكلفة تصنيع «تي شيرت» واحدة في أحد مصانع الهند حوالي دولار أميركي واحد، فهل تستطيع الشركات أن تصنّع منتجا بذات الجودة (100%) وبتكلفة دولار واحد فقط في مصنع بدبي». وفي هذا السياق، يرى أنّ دبي بوسعها أن تلعب دوراً أساسياً في مجال نشاط إعادة التصدير كونها أصبحت مركزاً اقتصادياً رئيسياً في المنطقة، داعيا إلى التأمّل في التجربة الروسية حيث تجارة الأزياء نشطة بقوّة من دون أن تفكّر الحكومة هناك بافتتاح مصانع.

* الكعكة الشهيّة

وتتحكّم بسوق الأزياء الأوروبية بالخليج 120 علامة تجارية فقط، وتصدّر الدول الأوروبية ما قيمته 2. 718 مليون يورو تستحوذ دولة الإمارات على الحصّة الأكبر منها، بواقع 40% أي 5. 291 مليون يورو، بحسب تقديرات عام 2004. وتقوم دول الاتحاد الأوروبي ال15 الكبرى، التي توصف بأوروبا القديمة، بتصدير نسيجها وأزيائها إلى دبي حيث يستهلك قسم منها بينما يعاد تصدير قسم آخر إلى أسواق مثل إيران وغيرها.

وقد شهدت حركة التصدير هذه قفزة نوعية بالنسبة إلى السوق الإماراتي بين العام الماضي والعامين اللذين سبقاه، إذ راوح حجم التصدير في عامي 2002 و2003 عند رقم الـ 203 ملايين يورو ليقفز خلال عام واحد إلى 5. 291 مليون يورو. وكانت الصورة مختلفة في أسواق خليجية أخرى، مثل السوق السعودي، حيث انحدرت قيمة صادرات الأزياء والنسيج الأوروبية إلى المملكة من 1. 337 في العام 2002 إلى 9. 262 في العام الماضي.

وبالرغم من التنافسية العالية التي تتحكم بعمل العلامات الأوروبية في السوق المحلي، وخاصة تلك المحتدمة بين المنتج الاسباني (زارا ومانغو وبول أند بير) والمنتج الفرنسي والايطالي من جهة أخرى، إلا أنّ هناك خبراء يعتقدون أن السوق لا يزال يتسّع لعدد إضافي من العلامات التجارية الجديدة.

وفي هذا الصدد، يلاحظ دوبفير أن مراكز التسوّق الكثيرة في الإمارات تعرض منتجات متشابهة، وهذا «غير صحيّ، ويجب فسح المجال أمام علامات جديدة لأن المستهلك الخليجي يحب أن يجرّب منتجات جديدة ومختلفة خاصة انّه كثير التجوال ويعرف ما يدور في الأسواق الخارجية. وإذا ما قارنا سوق دبي بالسوق الألماني، على سبيل المثال، نجد أن هناك أكثر من ألف علامة تجارية في عالم الأزياء والنسيج متواجدة في ألمانيا.

هذا بالضبط ما أسعى إليه، أن أستقطب أكثر من 900 علامة جديدة إلى الخليج ودبي». ويهدف دوبفير، الذي يدير وكالة خاصة لتصميم وبيع الأزياء إضافة إلى وظيفته الرسمية وكونه محللاً اقتصادياً، إلى إقناع إدارات مراكز التسوّق في دبي والخليج إلى فتح الباب أمام محال «المالتي براند»، أي المحال التي تعرض علامات تجارية متعددة، لأن مفهوم «المونو براند»، برأيه، هو في طور الاحتضار،

بسبب ضيق المستهلك بالعلامات ذاتها وبحثه عن أخرى مختلفة.ومنذ العام 1978 نشطت المفوضية الأوروبية لتصدير الأزياء والنسيج في «التنقيب» عن «حقول» جديدة للمنتج الأوروبي، وكان أن اقتحمت السوق الياباني في بادئ الأمر ومن ثمّ هونج كونج، ثم روسيا في بداية التسعينات والخليج في الفترة ذاتها.

* موضة قديمة

وفي الأعوام الخمسة الماضية، برزت حاجة أوروبية واضحة إلى ضرورة توفير أسواق جديدة للمنتج الأوروبي من النسيج والأزياء، فالرهان لم يعد وحده على المستهلك الأوروبي الغارق في مشاكل تدنّي معدّلات الإنفاق والبطالة. وتعكس الصعوبات التي يواجهها الاقتصاد الألماني، أكبر الاقتصادات الأوروبية، هذه الصورة وتبرر تلك الحاجة. ويعترف دوبفير بأن الأوروبيين ينظرون اليوم إلى سوق المنطقة بوصفه لاعباً رئيسياً خاصة في ظل الارتفاع المتزايد لمعدّلات الاستهلاك في مجال الأزياء.

ويعدد جملة من العوامل التي كان لها تأثير كبير على صناعة الأزياء الأوروبية في السنوات الأخيرة، ومن بينها: عدم اكتفاء الشركات بتصنيع المنتج بل لجوؤها إلى شركات تسويق تمتلكها تصمم وتنتج في أسواق مثل البرتغال واليونان وتركيا وأوروبا الشرقية، انتشار مفهوم «الفرنشايز»

وإعطاء الرخص التجارية، لجوء الشركات الكبيرة إلى ترويج أنظمة متكاملة خاصة ببيع الأزياء، اضمحلال عمل الشركات العائلية المستقلة وبيوت الأزياء لصالح المحال ذات العلامات التجارية المتعددة والإفادة من التكنولوجيا في وضع أنظمة ارتباط بين فروع المحال في مختلف الدول الأمر الذي يساعد في تحديد حجم المبيعات وطبيعتها بشكل دقيق.

وتتناقص معدّلات الاستهلاك في أوروبا بشكل لافت، ويبلغ الانحدار في ألمانيا وحدها 2% سنويا: «هذا لا يعني أن الناس هناك فقراء، لكنّ الدراسات تقول انه من كل يورو إضافي على الدخل يصرف المستهلك الألماني 5. 5% فقط على اللباس، بينما ترتفع النسبة إلى 29% في روسيا، وتبلغ معدلات عالية في الخليج».

ولا تعتبر المشاكل الاقتصادية وحدها مسؤولة عن تدنّي إنفاق المستهلك الأوروبي على الأزياء، فهناك أسباب أخرى لها علاقة بالصناعة ذاتها واتجاهات المستهلك النفسية: «في ألمانيا اليوم هناك قلة فقط من الناس لا تزال تريد أن ترتدي ربطة عنق. وفي ايطاليا، ينهار اقتصاد مدينة كومو المشهورة بصناعة السلك لأن الناس هناك انفضوا عن ربطة العنق. كذلك، فإن الفرد الأوروبي يفضّل أن يشتري منتجات تكنولوجية على أن يصرف ماله على الأزياء التي لم يعد يعيرها الكثير من الأهميّة.

لقد تضاءلت مبيعات صناعة الأزياء نتيجة الانخفاض الحاد في مبيعات البدل والأزياء الرسمية، وزاد الإقبال على الملابس غير الرسمية (كاجويل) والتي تبيع أكثر لكنّ قيمتها أقلّ». ويلاحظ دوبفير أن الأمر لا يزال مختلفاً في دول الخليج التي يعتني الفرد فيها كثيرا بمظهره الخارجي ويشتري ألبسة مرتبطة بمناسبات متعددة ومختلفة

كما أنه يهتم بالموضة ولا تزال للعلامة التجارية سطوة تقود خياراته الاستهلاكية: «لكن على مراكز التسوّق التي تبيع هذه الأزياء أن تفكّر بتنويع معروضاتها من الأزياء الأوروبية كي تتميّز وتتخلّص من ورطة التشابه، فالموضة لا تصنع في ايطاليا وباريس فقط».

تحقيق وتصوير إبراهيم توتونجي