تنطلق اليوم بورصة دبي الدولية، وتخرج لحيز الوجود بعد رحلة مخاض طويلة وعسيرة، ويحمل المولود الجديد قسمات أوروبية أكثر منها آسيوية، وذلك على الرغم من تكرار القائمين عليها القول بأن الهدف من إطلاق البورصة هو سد الفراغ الموجود في المنطقة الواقعة بين الأسواق الآسيوية من جانب والأسواق الآسيوية، إلا أنه يبدو أن الكثير من الدماء الأوروبية قد تم ضخها في المولود الجديد، بحيث صارت قسماته وملامحه تجعله أكثر قربا من البورصات الأوروبية.

ويكمن سر الملامح الأوروبية التي تحملها بورصة دبي الدولية في نوعيها التحالفات الدولية التي نسجها القائمون على إخراج البورصة إلى حيز الحياة، فهي في جوهرها ومضمونها تحالفات أوروبية، ساهمت فيما يبدو في إضفاء السحنة الأوروبية على المولود الجديد الذي من المقدر له أن يضع دبي كمركز مالي عالمي خارج دائرة المنافسة الإقليمية،

ورغم أن البورصة تعتبر بمقاييس الزمن مولودا جديدا، لكنها، وبحكم قسماتها الأوروبية، بلغت مرحلة النضج لتؤدي الأدوار المناطة بها على أكمل وجه، فهي مجهزة بمنصة بورصة للتداول الالكتروني على الأسهم والسندات والصناديق والمشتقات.

* التحالفات مع المؤسسات الأوروبية

وتسطر المعلومات المتوافرة قصة القسمات الأوروبية التي تحملها بورصة دبي المالية العالمية The Dubai International Financial Exchange (DIFX، فهي نتاج علاقات المشاركة مع بورصة إييرو نيكست Euronext الأوروبية العابرة للحدود وهي اكبر سوق للأوراق المالية المسيلة في أوروبا، ومؤسسة «أييرو كلير» Euroclear

وهي أكبر مورد في العالم لخدمات التسوية سواء المحلية أو العابرة للحدود، ومؤسسة آتوس إييرونيكست AtosEuronex وهي لاعب رئيسي في خدمات تكنولوجيا المعلومات لمجتمع المال، ومؤسسة «إل سي إتش كليرنيت» LCH.Clearnet وهي مجموعة أوروبية مستقلة تقدم خدمات للبورصات الدولية الرئيسية.

وتعود بذور علاقات التحالف هذه، إلى مذكرة التفاهم التي وقعها مركز دبي المالي العالمي مع «أييرو نيكست» و«إييرو نيت» و«إل سي إتش كليرنيت» و«إييرو كلير» وبمقتضي مذكرة التفاهم، تم الاتفاق على الشروع في الدخول في مفاوضات مفصلة لبناء مكونات البورصة.

وأعطى دعم هذه النخبة من الفاعلين الدوليين قوة زخم لبورصة دبي العالمية، بأن تخرج إلى حيز الوجود مكتملة النشاط والفاعلية، وربما وقوع اختيار مركز دبي المالي العالمي على هذه النخبة، قد عكس قوة التزامه بتطوير مركز دبي المالي العالمي لأن يكون مركزا ماليا دوليا. حيث تم انتقاء الشركاء بعد أشهر عدة من المناقشات مع العديد من البورصات العالمية وغرف المقاصة والتسوية الدولية، وفي غمرة هذه المناقشات تلقت دبي العديد من العروض المبهرة،

ولكن وقع الاختيار في نهاية المطاف على «إييرو نيكست» و«آتوس إييرونيكست»، وجاء الاختيار وفق معايير الجدارة، واستوفت المؤسستين توليفة من المعايير البالغة الرقي، سواء من حيث إحرازهما تطورا كبيرا في نظم التداول أو من حيث تمتعها بقدرة عالية في الوصول إلى الأسواق، أو من حيث امتلاك سجل مبهر من الخبرات في مجال أسواق المال الدولية.

وعلى نفس المنوال، أنتقى مركز دبي المالي العالمي شركاءه في مجال التسوية والمقاصة الذي يعد مجالا رئيسيا في عمل البورصة، حيث وقع الاختيار على مؤسسة «إل سي إتش كليرنيت» ومؤسسة «اييورو كلير» ذات السجل الحافل في منطقة الشرق الأوسط والخليج بتقديم خدمات التسوية العابرة للحدود والخدمات الوثيقة الصلة بالمؤسسات المالية.

وقد تأسست مؤسسة «إييورونيكست» في عام 2000 كأول مؤسسة تهتم بالأعمال الخاصة بالبورصات العابرة للحدود، وهي نتاج لعمليات الاندماج بين أسواق المشتقات والأسهم في أمستردام وبروكسل وباريس، وانضمت البورصة البرتغالية ، BVLP, the Portuguese exchange وفي عام 2002، كما انضمت إليها بورصة المشتقات الدولية LIFFE, the international derivatives exchange.

وتقدم مؤسسة «أييرو نيكست» نطاقا متسعا من الخدمات، يشتمل على قيد الأدوات المالية، والمتاجرة في الأوراق المالية والمشتقات، ونشر وتوزيع المعلومات، وتقديم خدمات تكنولوجيا المعلومات، وهي تعتبر من ناحية حجم وقيمة الصفقات، أضخم سوق للأوراق المالية المسيلة في أوروبا، ويصل عدد الشركات المقيدة في البورصة الأوروبية نحو 1400 شركة، من بينها 350 شركة أجنبية، ويجري التداول على أسهم الشركات المقيدة عبر برنامج تداول موحد يعرف باسم «إن إس سي» NSC،

وتتم عمليات المقاصة والتسوية لكافة منتجات «ايرونيكست» بواسطة غرفة مقاصة واحدة وهي مؤسسة «إل سي إتش كلير نيت»، ويضم سوق المشتقات لمؤسسة «إييرو نيكست» والمعروف باسم «إييرو نيكست لايف» Euronext.liffe كل من أسواق المشتقات في كل من أمستردام وليسبون وباريس وبركسيلل، وتعتبر ثاني أكبر سوق للمشتقات في العالم من ناحية قيمة التداول وحجم التداول.

وعلى نفس المنوال، فإن الشريك التكنولوجي لبورصة دبي الدولية، هو مؤسسة «آتوس إييرونيكست» التي تعتبر مشروعا مشتركا بين مؤسسة «إييرونيكست» و«مؤسسة آتوس» Atos، وتعتبر الحلول التي تعرضها مؤسسة «آتوس إييرونيكست» مصممة في الأصل للأسواق المالية والبورصات وغرف المقاصة وشركات السمسرة والمنظمات البنكية والبنوك الاستثمارية، كما تعتبر مؤسسة «إييرو كلير» وكالة لعمليات التسوية العابرة للحدود،

وهي جزء من المجموعة التي تضم كلا من بنك «اييروكلير» ومقره بروكسل و«إييرو كلير فرنسا» و«اييروكلير هولندا» و«كريستيكو» وتزيد قيمة صفقات الأوراق المالية التي يتم تسويتها بواسطة مؤسسة «ايرو كلير» ت على 250 تريليون يورو سنويا، كما تزيد قيمة الأوراق المالية والأصول التي تتعهد بإدارتها نيابة عن زبائنها على 11 تريليون يورو،

وتقدم مؤسسة «إييرو كلير» خدمات استشارية لكل من مصر والأردن ولبنان والمغرب والجزائر في منطقة البحر الأبيض المتوسط وجمهورية التشيك ولاتفيا وليتوانيا وبولندا وأوكرانيا في شرق أوروبا، وبيرو وأورجواي في جنوب أميركا والصين.

ولم يحل غلبة الملامح الأوروبية على بورصة دبي الدولية، دون أنم تتزود البورصة بالخبرات الموجودة على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، وهي الولايات المتحدة حيث أعلنت مؤسسة «داو جونز إنديكس» الأميركية عن قيامها ومركز دبي المالي العالمي وبالتعاون مع البنك الاستثماري «شعاع كابيتال» الذي يتخذ من دبي مقراً له،

بإطلاق مؤشر «داو جونز مركز دبي المالي العالمي ـ تايتانز» الذي يضم أسهم 50 شركة كبرى في 10 دول عربية، هي البحرين، مصر، الأردن، الكويت، لبنان، المغرب، عمان، قطر، تونس، بالإضافة إلى دولة الإمارات. ويعتمد المؤشر القابل للاستثمار على أسهم 50 شركة كبرى في المنطقة حيث تم اعتماد الحصة النسبية لكل سهم ضمن المؤشر بناء على 60% للقيمة السوقية و20% لصافي الإيرادات و20% للعائدات. وتحظى الشركات المدرجة ضمن المؤشر بأداء متميز، حيث حققت نموا قدره 76,70% منذ 31 ديسمبر 2000.

* هوية البورصة

ويبدو أن تحديد قسمات بورصة دبي الدولية، لم يكن القضية الوحيدة الشائكة التي واجهها القائمون على مركز دبي المالي العالمي، بل كانت هناك قضية أخرى أكثر تعقيدا، وهي هوية البورصة، وما إذا كانت ستكون ذات هوية إقليمية أم دولية، ويبدوا أن هذه القضية كانت محل جدل بين القائمين على مركز دبي العالمي، وهو ما أدى إلى إشاعة عدم اليقين والتردد وعدم الحسم، وبرز عدم الحسم جليا، عندما طفا على سطح الجدل، مصطلح «بورصة دبي الإقليمية»،

ولكن يبدو أن العاصفة التي هبت على المركز، ونالت من بعض قياداته قد أعادت من جديد وضع الهوية الأصلية للبورصة، وهي أن تكون بورصة دولية وليست إقليمية، ويبدوا أن هذا الخيار، قد عكس تفضيلات فريق العمل الجديد الذي ضم خبرات عالمية من العيار الثقيل، وقد وضع الفريق الجديد الأشياء مرة أخرى على المسار الصحيح،

وهو ما بعث الحياة في الخطة الأصلية الخاصة بإطلاق بورصة دولية، وبهذا تحولت التسمية من بورصة دبي الإقليمية إلى بورصة دبي العالمية.وتعتبر بورصة دبي الدولية أول بورصة دولية في الشرق الأوسط، وهي مجهزة بمنصة للتداول الإلكتروني، ومن المخطط أن تركز البورصة في مستهلها على التداول على الأسهم والسندات، ثم يتم إطلاق في فترة لاحقة سوق للمتاجرة في المشتقات.

ويشير المحللون في توقعاتهم إلى أنه من المحتمل أن تركز البورصة في مستهلها على جذب الشركات الدولية التي تتخذ من دبي مقرا لها، لكي تقيد أسهمها فيها يتلو ذلك في مرحلة لاحقة، التركيز على الشركات الدولية، وتخطط بورصة دبي المالية الدولية لتقييد الأدوات المالية الإسلامية والصناديق وشهادات الإيداع. ووفقا لهذا البنيان ذي الملامح والقسمات الغربية، فأنه من المتوقع أن تتيح بورصة دبي الدولية للمستثمرين ومصدري الإصدارات سوقا للأوراق المالية أكثر ضخامة وسيولة

مما هو موجود في البورصات الأخرى في المنطقة. كما ستخلق سوقا إقليميا شرق أوسطي للفاعلين في السوقين الدولي والمحلي للمتاجرة في أدوات مالية مقومة بالدولار واليورو.وتتولي سلطة دبي للخدمات المالية تنظيم البورصة، وهي كيان تنظيمي مستقل، مناط به مسؤولية تنظيم عمل إدارة الأصول والأنشطة البنكية والتداول على الأوراق المالية والتمويل الإسلامي وإعادة التأمين.

* لا تعارض مع البورصات المحلية

ولا يوجد أي تعارض بين بورصة دبي الدولية والبورصات الأخرى سواء المحلية أو الدولية، وتتمثل أوجه الخلاف في أن يتم تقيم أسعار الأوراق المالية في البورصات المحلية والإقليمية بالعملات المحلية، علاوة على أن هذه البورصات تفرض قيودا على المستثمرين الدوليين،

وهي أمور غير موجودة في بورصة دبي العالمية التي سوف توفر ساحة للتداول على الأسهم مقيمة بالدولارات واليورو بهدف جذب الشركات الأجنبية للاستثمار في أسهم الشركات المحلية والتي قد تجد صعوبات في قيد أسهمها في البورصات الأجنبية كنيويورك أو لندن. ويعزز دورها في هذا المجال، امتلاكها بنية تشريعية عالمية المستوى تدعمها بنية تحتية على درجة عالية من التقدم والحداثة.

هذا وقد شرعت إدارة السوق بالتفاوض مع العديد من الجهات المصدرة للأوراق المالية، لإدراج منتجاتها للتداول، كما تجرى مفاوضات مع العديد من الوسطاء الإقليميين والعالميين الراغبين في الانضمام إلى السوق، وتشتمل المناطق التي تسعى بورصة دبي الدولية لاستقطاب مصدري الأوراق المالية منها، كلاً من دول مجلس التعاون الخليجي والشرق الأوسط وشمال افريقيا وجنوبها، بالإضافة إلى تركيا وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية.

خاصة وان هناك شركات عربية وشركات من الهند مدرجة في بورصة نيويورك تنتظر إطلاق بورصة دبي العالمية لكي تنتقل إليها بحكم أن تعاملاتها وأسواقها موجودة في المنطقة، وبالتالي سيكون تواجدها في بورصة دبي الدولية هو الخيار الأفضل بالنسبة لها،

إلى جانب توجيه الاهتمام إلى السماح لبعض المؤسسات المؤهلة والمسجلة في المنطقة الحرة في جبل علي والمنطقة الحرة لمطار دبي الدولي والمنطقة الحرة للتكنولوجيا والتجارة الالكترونية والإعلام، بطرح أسهمها للاكتتاب العام وإدراجها للتداول في بورصة دبي الدولية.

إلى جانب استهداف الشركات العائلية التي تمثل ثقلاً كبيراً في اقتصاديات المنطقة. وفي التوقيت ذاته لا تجد البيئة المناسبة في الأسواق المحلية لكي تطرح جزءاً منها للاكتتاب. وبالتالي ستكون بورصة دبي الدولية المكان المناسب لمثل هذه الشركات لطرح أجزاء منها للاكتتاب، وهو ما سيخلق فرصاً جديدة بالسوق.