تشرق الشمس اليوم على بورصة دبي الدولية، وهو حدث يرمز إلى المكانة الرفيعة التي صارت دبي تتمتع بها كمركز مالي عالمي قادر على سد فجوات التوقيت بين البورصات الآسيوية والأوروبية، وأغلب الظن أن المولود الجديد يحمل قسمات غربية أكثر منها آسيوية، فهو نتاج المشاركة بين مركز دبي المالي العالمي وكبريات المؤسسات المالية الغربية التي تعمل في مجال تأسيس البورصات.

وستستفيد البورصة الجديدة من المكانة التي استطاع مركز دبي المالي العالمي أن يرسخها في الأذهان بوصفه مركزا يخاطب العالمية، وأحد اللاعبين الكبار على الساحة الدولية. وكما تهافتت الشركات والمؤسسات الدولية للحصول على تراخيص للعمل في المركز، فانه من المقدر أن تنهمر طلبات الشركات لتسجيل أسهمها في بورصة دبي الدولية، فعلى الرغم من أنها تخرج إلى حيز الوجود اليوم، إلا أنه من المتوقع أن تباشر عملها بكامل الكفاءة واللياقة التي تتمتع بها بورصات المراكز المالية المتقدمة.

بعدما وضع مركز دبي المالي حلاً حاسماً لأزمة إصدار التراخيص، يبدو أنه يواجه الآن مشكلة الانتقاء والاختيار من بين سيل الطلبات التي انهمرت عليه منذ إعلانه بدء إصدار التراخيص في شهر سبتمبر الماضي. وتجلت هذه المشكلة منذ صدور المرسوم المحلي الخاص بالمركز، حيث انهالت الاستفسارات والطلبات من مؤسسات الخدمات المالية الدولية وتلقى المركز في حينها قرابة 50 رسالة نوايا من مؤسسات مالية دولية رئيسية أكدت رغبتها العمل انطلاقاً من المركز.

* أزمة التراخيص

فقد فجرت وسائل الإعلام منذ عام مضى تقريباً ما أسمته بأزمة التراخيص، ووضعت القصص والروايات التي وجدت طريقها إلى صحف رئيسية، مركز دبي المال العالمي في قفص الاتهام، وصورته على أنه متباطئ ومتخاذل في منح التراخيص للمؤسسات والشركات التي ترغب في العمل انطلاقا من المركز، وبلغ الأمر ذروته، بتصوير أزمة التراخيص على أنها قوضت مصداقية المركز في تطلعه لأن يصبح مركزاً مالياً عالمياً.

وفي غمرة الحديث عن هذه الأزمة، تداولت القصص والروايات حكاية بنك «استاندارد آند تشارتر» وبنك «دوتشه» الألماني، وهما يعتبران من الأسماء الكبيرة التي أبدت اهتمامها بالحصول على مساحات مكتب في مركز دبي المالي العالمي، وتحدثت احدى الروايات عن مدى الإحباط الذي أصاب بنك «إستاندارد آند تشارتر» من جراء التأخر في منحه ترخيصا بمزاولة العمل في المركز،

ورغم أن البنك الذي أعلن اعتزامه توحيد كافة عملياته الإقليمية في مركز دبي المالي العالمي، لم يبدي أيه مشاعر تذمر، بل حرص على التأكيد على وجود مباحثات ومناقشات مع المسؤولين في مركز دبي المالي، إلا إن بعض الروايات انبرت إلى الحديث عن عدم قدرة دبي لأن تصبح مركزاً مالياً عالمياً.

* محاذير ومخاوف

وتجاهلت هذه الروايات حقيقة أن إقامة مراكز مالية عالمية تتطلب دراسة متأنية للكلفة قبل الفوائد، حيث تشير أدبيات مراكز المال الدولية، الى أنه بقدرة سرعة صعود المراكز المالية، فأنها تهوي بنفس السرعة، إذا لم تكن قائمة على أرضية قوية، علاوة على أن إقامة مركز مالي تنطوي على مخاطر بالنسبة للقطاعات الأخرى في الاقتصاد في حالة الإفراط في التدفقات النقدية.

وهو ما يتطلب بنياناً تشريعياً وتنظيمياً يكفل قدراً عالياً من الاشراف والرقابة والشفافية، وهو ما لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. خاصة وأن قوة جاذبية مركز دبي المالي العالمي تكمن في قدرته على جذب المؤسسات المالية الدولية التي تتطلع إلى قاعدة لعملياتها الإقليمية،

وهو وضع يملي عليه أن يكون متطابقا مع أفضل الممارسات في العالم، لاسيما وأنه سيكون تحت المجهر من جانب أفضل العقول في مجال البيزنيس والتي اعتادت على أن تعمل في البورصات العالمية كبورصة لندن، علاوة على المؤسسات الأخرى العالمية التي ستكيل قوانينه بمكيال من الذهب.

* تدفق الاتصالات

ولكن ما إن بدأ المركز في إصدار التراخيص في سبتمبر من العام الماضي، حتى انهالت عليه الاتصالات من كل صوب وحدب، وتلقى قرابة 50 رسالة نوايا من مؤسسات مالية دولية رئيسية تعبر عن رغبتها العمل انطلاقاً من المركز. ويستعيد عمر بن سليمان ذكرياته عن ما جرى في هذا اليوم بقوله «من الصعب الحديث عن عدد محدد ولكن كانت هناك اتصالات لا تحصى منذ اليوم الأول للعمل بالمركز لأن المؤسسات الدولية والإقليمية كانت تنتظر البداية وانطلاق الأعمال.

وتلقى المركز اتصالات من أكثر من 270 مؤسسة مالية عالمية من مختلف القطاعات خلال الساعات الثلاث الأولى من إعلان نبأ تسجيل هذه المؤسسات على الانترنت. فنحن لا نسجل مؤسسات محلية أو حتى إقليمية إلا إذا كانت تتوافر فيها مواصفات معينة».وعلى أية حال، حظيت ثلاث مؤسسات بالدفعة الأولى من التراخيص وهي مصرف «جوليوس باير» السويسري الخاص وبنك «استاندارد آند تشارتر» و«صندوق مجلس التعاون الخليجي للطاقة».

* تحديات الانتقاء

وهكذا انتهت أزمة التراخيص، وبدأت تحديات الانتقاء والاختيار من بين الطلبات التي انهالت على المركز، وصار من المتعين على المؤسسات المالية، لاسيما تلك الموجودة في المنطقة أن توفق أوضاعها مع النظم المالية العالمية حتى يتم تسجيلها في مركز دبي المالي العالمي. وهو ما يمثل في ذاته حافزا على تطوير البيئة المالية الإقليمية.

فإلى جانب العدد المتنامي للشركات التي تقدمت بالفعل بطلبات للعمل في المركز، فإنه من المقدر أن يجتذب المركز أبرز المؤسسات المالية وشركات الخدمات والدعم ذات العلاقة من مختلف أنحاء العالم، وعلى الرغم من استحالة وضع أرقام محددة للعدد الإجمالي للمؤسسات العاملة في المركز مستقبلاً،

فإن المركز يتمتع بطاقة استيعابية ضخمة، إذ يمتد على مساحة 44 هكتاراً. وتضم قائمة الشركات المرخصة رسمياً لمزاولة نشاطها في المركز، عدداً من أكبر الأسماء المالية في العالم، من ضمنها «دوتشه بنك» و«استاندارد آند تشارتر» و«كريدي سويس» و«جوليوس باير» و«أليانز آر إي» و«مؤسسة ميلون فايننشال».

* مؤسسات مالية سبع نجوم

ونظرة سريعة على أسماء المؤسسات المالية الدولية التي حصلت على تراخيص بالعمل في المركز، يتأكد المرء أن هذه المؤسسات تشاطر المركز رؤيته حول تحويل دبي لمركز مالي عالمي. فقد حصلت مؤسسة «توتال سوليوشنز يوروب» الرائدة في مجال خدمات الدعم للمؤسسات المالية على ترخيص من قبل سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية للعمل داخل المركز بصفة مزود لخدمات الدعم،

وتتولى مؤسسة (توتال سوليوشنز يوروب) الاستشارية، تقديم خدمات التدريب، الإدارة المؤقتة وحلول الموارد الخاصة بقطاع الخدمات المالية. وسوف تخضع الخدمات التي ستقدمها المؤسسة إلى عملائها إلى أنظمة وتشريعات سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية.

ويعد وجود شركات الدعم المتميزة عنصراً حيوياً ضمن بيئة العمل عالمية المستوى لضمان تمتع المؤسسات العاملة في المركز، بنفس الحلول الشاملة والخدمات ونوعية الدعم التي تحظى بها في كبرى المراكز المالية العالمية الأخرى، الأمر الذي يعزز من جاذبية المركز بالنسبة لتلك المؤسسات خاصة وأنه يقع ضمن منطقة جغرافية تتمتع بآفاق نمو ضخمة.

يذكر أن مؤسسة (توتال سوليوشنز) تأسست في لندن عام 1998، بهدف توفير حلول مصممة حسب طلب العملاء في المجالين التشغيلي والتقني. وقد تأسست مؤسسة (توتال سولوشنز يوروب بي في) في مدينة أمستردام الهولندية في عام 2001، وتبعها تأسيس مؤسسة (توتال سولوشنز يوروب جي إم بي إتش) في مدينة فرانكفورت الألمانية في عام 2002.

ويقوم نحو 70 استشارياً يعملون بدوام كامل الآن، بخدمة القاعدة المتنامية لعملاء المؤسسة والذين يضمون أسماء مرموقة التي يطلق عليها لقب مؤسسات مالية سبع نجوم أمثال سيتي بنك، و«ستريت بنك آند تراست»، و«إيه بي إن أمرو أسّيت مانجمنت» و«إيه بي بيه إنفستمنت مانجمنت»، و«دويتشه بنك»، و«إيه بي إن أمرو بنك» و«كوميرتس بنك» و«ديلوات آند تتش» و«آي إن جي بنك» و «جيه بيه مورجان تشيس» و «رادو بنك».

وفي السياق ذاته، حصل بنك «ميريل لينش» (سويس) المملوك بالكامل لشركة «ميريل لينش» العالمية على ترخيص لمزاولة نشاطه. ويعمل البنك من خلال شبكة واسعة من المكاتب تغطي 36 دولة حول العالم وتدير أصولاً تصل قيمتها إلى 6,1 تريليون دولار، ويعتبر اختيار «ميريل لينش» لمركز دبي المالي العالمي لاحتضان مقرها الإقليمي حدثاً بالغ الأهمية بالنسبة للمركز، نظراً لتعدد الشركات التابعة لها واتساع رقعة نشاطها على مستوى العالم.

ومما يزيد من أهمية هذا الحدث، أنه يعكس المكانة المرموقة التي بات يتمتع بها المركز والدور الذي يلعبه في تعزيز الثقة بمنطقة الشرق الأوسط كبيئة استثمارية آمنة، علاوة على ان الخبرة العالمية الواسعة التي يتمتع بها البنك سوف تسهم في دعم الخدمات التي توفرها مجموعة الشركات المسجلة في المركز، كما أنه سيعزز النمو الذي يشهده المركز كبوابة مالية عالمية تستقطب أشهر المؤسسات المالية في العالم.

وقد انطلق نشاط ميريل لينش في سويسرا في عام 1951 الذي شهد افتتاح أول مكتب لها في جنيف لإدارة الثروات في أوروبا، في حين باشر بنك ميريل لينش (سويس) عملياته في عام 1984 كمؤسسة تابعة لمجموعة «ميريل لينش برايفيت جلوبال كلاينت»، المزود الأول لخدمات إدارة الثروات الخاصة في العالم. ويوفر البنك مجموعة واسعة ومتطورة من الخدمات المصرفية السويسرية الخاصة لكبار المستثمرين.

كما حصلت شركة «بيرمال» التي تعد من أبرز مديري صناديق التحوط في العالم على ترخيص بالعمل في مركز دبي المالي، وتعمل «بيرمال» منذ أكثر من ثلاثين عاماً في مجال صناديق التحوط، وتمتلك مكاتب في كل من نيويورك لندن وسنغافورة. وتدير المجموعة 20 مليار دولار وتعتبر إحدى المجموعات الرئيسية والأكبر في مجال صناديق التحوط متعددة المديرين.

وفي هذا السياق فإن تواجد بيرمال في مركز دبي المالي العالمي سيتيح لها بأن تكون أكثر قرباً من أسواق الشرق الأوسط، ولقد كانت بيرمال في مرحلة مبكرة الصوت المدافع عن مفهوم مركز دبي المالي العالمي، وقبل الإعلان عن انضمامها إلى مركز دبي المالي العالمي كانت بيرمال ترى في المركز المنصة المثالية لتطوير صناعة صناديق التحوط متعددة الإدارة في الشرق الأوسط.

كذلك حصلت مؤسسة «فرانكلين تيمبلتون إنفستمنت مانجمنت ليمتد» الاستثمارية البارزة على ترخيص بالعمل في مركز دبي المالي العالمي، لتنضم بذلك إلى نخبة متنامية من المؤسسات المالية العالمية التي حصلت على تراخيص بالعمل في المركز.

ويكتسب إصدار الترخيص أهمية خاصة، ليس فقط لأنها مؤسسة استثمار دولية بارزة تابعة لإحدى أكبر شركات إدارة الموجودات المالية في العالم، وإنما أيضاً لأنه أول ترخيص أصدره المركز لمؤسسة أميركية، الأمر الذي جسد توجه المركز لاستقطاب أبرز المؤسسات المالية من مختلف أرجاء العالم للعمل انطلاقاً منه.

وتتمتع مؤسسة «فرانكلين تيمبلتون إنفستمنت مانجمنت ليمتد» بخبرات تصل إلى 50 عاماً في مجال الاستثمار، وجسد قرارها بالعمل انطلاقاً من دبي ثقتها بآفاق الأسواق الإقليمية وتطور البنية الأساسية في مركز دبي المالي العالمي، والدور الحيوي الذي ستلعبه دبي كمركز مالي دولي يغطي الفجوة الزمنية والجغرافية القائمة بين شبكة المراكز المالية في أوروبا، آسيا والولايات المتحدة.

وتشتهر «فرانكلين تيمبلتون إنفستمنت مانجمنت ليمتد» التابعة لمؤسسة «فرانكلين ريسورسز» التي تعد من أكبر شركات إدارة الموجودات المالية في العالم، بكونها « تقدم حلول إدارة استثمارات دولية ومحلية. وتتخصص الشركة بتوفير تشكيلة واسعة من الصناديق الاستثمارية، وصناديق الاستثمار والتوفير الخاصة بالتقاعد إلى جانب توفير حسابات منفصلة تخدم قطاعات البيع بالتجزئة، العملاء المؤسسين والأثرياء.

كما تلقى مركز دبي المالي العالمي طلباً من مؤسسة «باركليز كابيتال» العالمية، العاملة في مجال إدارة المخاطر والخدمات الائتمانية، للحصول على ترخيص للعمل انطلاقاً من المركز لتقديم الخدمات المالية التي تحتاج اليها معظم الحكومات والمؤسسات في المنطقة.

وفي الإطار ذاته، حصلت مؤسسة (جاردين لويد ثومبسون ريسك سوليوشنز ليمتد) التي تتخذ من المملكة المتحدة مقراً رئيسياً لها، على ترخيص من قبل سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية كمزود للخدمات التابعة في مركز دبي المالي العالمي، وتعد (جاردين لويد ثومبسون ريسك سوليوشنز ليمتد) جزءاً من مجموعة شركات جاردين لويد ثومبسون وإحدى الشركات التابعة الرئيسية لمجموعة (جاردين لويد ثومبسون بي إل سي) المدرجة في سوق لندن للأوراق المالية

وأكد اهتمام أبرز شركات التأمين وإعادة التأمين العالمية بمركز دبي المالي العالمي آفاق النمو الهائلة التي تتمتع بها أسواق المنطقة، حيث ما زال إجمالي أقساط التأمين السنوية في المنطقة يراوح عند 10 مليارات دولار اميركي فقط، وهو ما يشكل نسبة ضئيلة جداً من إجمالي أقساط التأمين العالمية البالغة3. 2 تريليون دولار.

وفي السياق نفسه، أعلن «بنك كريديه سويس» المزود الرئيسي للخدمات المالية الشاملة في أوروبا ومقره زيوريخ، عن افتتاح فرعه الجديد في مركز دبي المالي العالمي وإطلاقه خدمة عمليات بنكية شاملة عبر الفرع الجديد. وتعتبر أول مؤسسة مالية تخطط لتقديم طلب رخصة من سلطة دبي للخدمات المالية لتشغيل عملياتها من المركز،

لتصبح بذلك أول شركة توفر خدمات مالية خاصة من مبنى «البوابة». ويمتلك بنك «سويس» الذي تأسس عام 1856 مكاتب وفروعاً منتشرة في 50 بلدا حول العالم، ويبلغ عدد موظفيه حوالي 60 ألف موظف، وتبلغ قيمة وموجوداته 960 مليون دولار، ويدير أموالا قيمتها 5. 1 مليار دولار.