افترض كثير من المحللين أن تأتي انعكاسات مؤتمر نيويورك التحضيري لدعم لبنان إيجابية على الأسواق المالية والنقدية خلال الأسبوع الماضي ولو من باب تحريك العرض والطلب، إلا أن النتائج جاءت عكسية حيث ارتفعت وتيرة الترقب والحذر بعدما برزت وطغت التوجهات السياسية للمؤتمر على العنوان الاقتصادي من خلال تصريحات رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس.
وليس صحيحاً القول إن المؤتمر التحضيري الذي سيتابع بمؤتمر دولي يعقد في بيروت قبل نهاية العام الحالي أصبح جاهز العناصر من الجانب اللبناني لجهة التوافق حول القضايا الاقتصادية والمالية المطروحة من الخصخصة إلى بيع بعض القطاعات إلى تحديد حجم القطاع العام،
لأن هذه الاقتراحات كانت رفعت قبل ذلك في مؤتمر باريس-2 وحصل لبنان بموجبها على مساعدات ومساهمات مالية بحدود 4.4 مليارات دولار منها حوالي 1.3 مليار دولار لتمويل مشاريع والباقي اكتتابات وودائع لدى مصرف لبنان بفوائد الدول المانحة وعلى رأسها فرنسا والمملكة العربية السعودية التي ساهمت كل منهما بحوالي 700 مليون دولار.
ويشبه المؤتمر التحضيري برعاية الولايات المتحدة الأميركية مؤتمر باريس-1 الذي حضر لباريس-2 برعاية فرنسا ممثلة بالرئيس جاك شيراك إلا أن التوجهات السياسية هذه المرة أكثر كثافة وضغوطاً على لبنان باتجاه تكريس فصل المسار اللبناني نهائياً عن المسار السوري بالنسبة للتعاون السياسي الخارجي والتعاون الأمني الذي كان سبباً أساسياً في تمنع الولايات المتحدة عن المساهمة في دعم لبنان من خلال باريس-2.
وحسب القراءة الأولية لمؤتمر نيويورك لدعم لبنان، فإنه لا مساعدات غير مشروطة حسب الممارسات المطلوبة وبالتالي فإن هذا الأمر سيربك الحكومة اللبنانية وحلفاءها لجهة إيجاد المناخ التوافقي حول المطلوبات في الإصلاح الاقتصادي والسياسي وربما يحتاج الأمر إلى العديد من الإيضاحات من قبل الحكومة قبل جلسة المناقشة التي يعقدها المجلس النيابي اللبناني الأسبوع المقبل.
وعلمت «البيان» من مصادر مالية مطلعة أن لبنان سبق وطالب من خلال اجتماعات سابقة بضرورة توفير بعض الهبات والمساعدات لأنه لم يعد يكفيه الحصول على قروض طويلة الأجل وبفوائد متدنية لمعالجة أزمة المديونية العامة التي تفوق حتى الآن مبلغ 36.5 مليار دولار تصل إلى 40 ملياراً في حال احتساب المستحقات المتأخرة للضمان والكهرباء، والاستملاكات والمستشفيات والمقاولين وموردي النفط.
ونستعرض فيما يلي: البنود الإصلاحية المطلوبة والمقترحة من قبل الحكومة اللبنانية التي ستستند إلى مضمون البيان الوزاري في وضع ورقتها الإصلاحية، مع الأخذ في الاعتبار معارضة بعض الكتل النيابية والقيادات السياسية لموضوع الخصخصة بالمطلق.
ويمكن تلخيص تلك البنود تحت أربعة عناوين أساسية منها ما يحتاج إلى تشريعات ومنها ما وضعت مشاريع قوانين بشأنه ولم تنفذ. ويتمثل الأول في متابعة خفض الإنفاق عبر عدد من الإجراءات، منها: حصر النفقات الاستثمارية في المشاريع الممولة بمعظمها من الخارج والمشاريع ذات الضرورة القصوى.
وتوحيد نظام العطاءات في القطاع العام، وزيادة إنتاجيته (زيادة دوام العمل من 32 ساعة إلى 38 ساعة أسبوعياً)، إضافة إلى إعادة النظر بنفقات التقاعد وتعويضات الصرف التي ارتفعت من 130 مليار ليرة في موازنة 1992 إلى ألف مليار ليرة في مشروع موازنة 2003، وإخضاعها لضريبة الدخل.
أما البند الثاني فيتلخّص في متابعة إجراءات زيادة الإيرادات، والمتمثلة في: بدء تطبيق نظام جديد ممكنن لإدارة الضريبة على الرواتب والأجور. وإنجاز قانون تعديل ضريبة الأملاك المبنية، إضافة إلى إدخال الضريبة الموحدة على الدخل. وإعادة النظر في معظم الإعفاءات الحالية عن الضرائب والرسوم.
ويتلخص البند الثالث في مراجعة فصلية لتنفيذ الموازنة للجوء إلى إجراءات إضافية في حال ظهور قصور عن تحقيق الأهداف. ويمكن الإفادة من تجارب دولية مثل قانون توازن الموازنة الأميركي أو معاهدة ماستريخت الأوروبية.والبند الرابع العودة إلى التذكير بعمليات الخصخصة والتسنيد في بعض القطاعات بما يؤمن مداخيل معينة تستخدم في إطفاء جزء من الدين العام سعياً لتخفيض كلفة الدين العام في الموازنة وبالتالي تخفيض عجز الموازنة.
وبالعودة إلى حركة الأسواق فقد شهدت أسواق العقارات التي كانت نشطت خلال الصيف بعض الشيء، جموداً كلياً كما توقفت حركة العرض والطلب في سوق القطع، حيث استقر سعر صرف الدولار طوال الأسبوع عند 1503 ليرات من دون تحرك وهو السعر الذي يشتري عليه مصرف لبنان.
وقدر حجم التداولات طوال الأسبوع بأكثر من 15 مليون دولار أكثر لأغراض تجارية، أما سعر فائدة الانتر بنك من يوم ليوم على الليرة اللبنانية فقد استقرت بدورها عند 4 في المئة مما يؤشر إلى توافر السيولة لدى المصارف.ولم تسجل أية عمليات طلب على سندات الخزينة في السوق الثانوية باعتبار أن المكتتبين يفضلون الذهاب إلى السوق الدولية والاكتتاب بالفوائد المرتفعة لاسيما على سندات الثلاث سنوات بالليرة اللبنانية.
أما حركة بورصة بيروت فقد جاءت عادية كما في الأسبوع الماضي من دون تطورات كبيرة لاسيما بالنسبة لأسعار أسهم سوليدير بالفئتين (أ) و(ب) والتي تراوحت أسعارها بين 12.81 دولاراً و12.91 دولاراً مع ملامسة سعر 13 دولاراً لسهم الفئة (أ) مع بداية الأسبوع قبل أن يعود إلى التأرجح بين 12.8 دولاراً و12.91 دولاراً مقابل حوالي 12.71 دولاراً لإقفال الأسبوع الماضي.
ولوحظت تداولات كبيرة لأسهم بنك بيبلوس العادية لاسيما أواسط الأسبوع حيث تمت صفقة بحوالي 600 ألف سهم بأكثر من مليون و100 ألف دولار. وكذلك شهادات إيداع بلوم بنك وبنك لبنان والمهجر التي فاقت تداولاتها 40 ألف سهم خلال الأسبوع مما حسن سعر هذه الشهادات بشكل جزئي مقارنة مع بداية الأسبوع.
وقد تراوحت التداولات اليومية للبورصة ما بين 1.5 مليون دولار و4 ملايين دولار بما جعل التداولات تفوق بقليل حجم الأسبوع الماضي الذي أقفل على حوالي 8.9 ملايين دولار. وبلغت هذه التداولات حوالي 12 مليون دولار نتيجة تزايد الإقبال على سهمي سوليدير أواخر الأسبوع. ويرى بعض الخبراء أن تداولات البورصة أصبحت أفضل من حركة شهر أغسطس الذي شهد جموداً شبه كلي.
بيروت ـ «البيان»
