يطلق مركز دبي المالي العالمي غداً بورصته الدولية، ليؤذن ببدء دخول إمارة دبي ودولة الإمارات مرحلة أكثر رحابة واتساعاً نحو تأكيد الدور كفاعل مالي عالمي، وما كان لهذه البقعة الجغرافية الواقعة على طرف الخليج العربي، إن تخط لنفسها مثل هذه المكانة لولا امتلاكها عبقرية المكان، وهي إطلالها على شريان مائي ضيق.
ألا وهو «الخور» الذي مثل على مدار حقب التاريخ همزة وصلها مع البلدان الواقعة فيما وراء المياه المفتوحة في الخليج، وطبعت الجغرافيا المجتمعات القاطنة ضفاف الخور بثقافة «الانفتاح على الخارج» والتي تعتبر المكون الأهم في النمط الثقافي للمراكز المالية.
وعلى هذه الأرضية الاجتماعية والثقافية، تنطلق بورصة دبي العالمية لتأخذ مكاناً فريداً إلى جانب البورصات العالمية، ولتؤشر على رحلة مركز مالي عالمي بدأت من «الخور» حتى حطت برحالها في موقع، يضفي على المركز صفة المراكز المالية العالمية في وول ستريت ولندن.
ويدور في مخيلة الكثيرين أن عمر مركز دبي المالي العالمي محسوب بالسنوات القليلة التي أعقبت تأسيسه، ولكن في نظر آخرين من بينهم جورج كوفمان الأستاذ في جامعة شيكاغو، أن عامل الجغرافيا يلعب دوراً حتمياً في بزوغ المراكز المالية العالمية، حيث تتقاسم أغلب هذه المراكز صفة أنها في الأصل «موانئ»، وهو ما يجعل من سكانها أكثر تطلعاً إلى الخارج.
وينطبق هذا الأمر على إمارة دبي التي ارتبطت على مدار حقب التاريخ بـ «الخور» الذي ساهم ليس فحسب في ازدهار حركة التجارة بين الضفة الغربية من الخليج العربي والبلدان الواقعة فيما وراء مياه الخليج المفتوحة،حيث كانت تحط السفن ببضائعها في هذا الشريان المائي،
وهو الأمر الذي ساعد على ازدهار تجارة القوافل في هذه البقعة الجغرافية من العالم، ولكن ساهم كذلك، في مزج مجتمعات هذه المنطقة بثقافة التطلع إلى ما وراء البحر. وهو ما طبعها ببصمات شكلت نسيجها الثقافي حتى الآن، حيث تتميز بتسامحها وقبولها لثقافات الآخر، ويكن هنا أحد المكونات الرئيسية لثقافة المركز المالي العالمي، وهو قبول التنوع والتعدد في الثقافات.
وبقدر إسهام عامل الجغرافيا في الرقي بمكانة مركز دبي المالي العالمي إلى مصاف المراكز المالية العالمية، فإن وبالقدر ذاته، كان امتلاك الأمارة ترياق النجاح، أثره الضخم في الاستفادة من مقومات الجغرافيا، وهي مزيج فريد من نوعه، تجتمع فيه الأحلام والتطلعات التي تطاول عنان السماء والرؤية الثاقبة والمدروسة التي تخاطب المستقبل والتحرك المدروس على ارض وعرة مليئة بتعرجات ونتوءات استعصت على كثيرين، إما بسبب الاستخفاف والاستهانة بهذه المصاعب، وإما بسبب عدم امتلاك مقومات السير على هذا الطريق.
تجسد هذا الواقع بتضاريسه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية في الرؤية التي عبر عنها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في فبراير 2002 وترمي إلى تحويل دبي إلى مركز مالي دولي معترف به كمقر نشط للتمويل المؤسسي،
وأعتبر هذه الرؤية بمثابة مبادرة رائدة أطلقتها حكومة دبي لتحفيز التطور والازدهار والنمو الاقتصادي في دولة الإمارات والمنطقة بشكل عام، والمساهمة بشكل فعال في استقطاب تدفقات رؤوس الأموال والاستثمارات إلى المنطقة، واستعادة نسب متزايدة من رؤوس الأموال العربية المستثمرة في الخارج والتي تقدر بقرابة التريليون دولار.
ويبدو أن القائمين على مركز دبي المالي العالمي قد أدركوا أن تحويل هذه الرؤية إلى واقع معيش على الأرض، يتطلب منهم السير على طريق مفروش بالأشواك، انطلاقاً من خلفية أساسية مؤداها أن الإعلان عن تأسيس واجهه براقة تحمل لافتة «المركز المالي العالمي» شيء، وامتلاك مركز مالي عالمي حقيقي شيء آخر،
والاحتفاظ بهذه المكانة شيء ثالث، حيث إن إطلاق المراكز المالية، ليس أمراً صعباً، وفي التوقيت ذاته ليس مكلفا، حيث لا تحتاج المراكز المالية إلى استثمارات رأسمالية ضخمة، بل تحتاج إلى استثمارات في رأسمال البشري، وبالتالي، فإن ما يمكن أن يجذبه المركز المالي بسهولة، يمكن أن يفقده بسهولة وبسرعة.
* خبرات التاريخ
ولعل تاريخ المراكز المالية العالمية كان ماثلاً في أذهان القائمين على مركز دبي المالي العالمي، فعلى مدار التاريخ، تألقت دول ومدن كمراكز مالية، ولكن القليل منها استطاع أن يبقى ويستمر. فقبل عام 1870، ظهر عدد كبير من المدن التي تقدم خدمات مالية عالمية وإقليمية، وانخرطت هذه المدن في منافسة شرسة على جذب الأعمال،
وشملت هذه المراكز كل من امستردام وبرلين وفلورنسا وفرانكفورت وهامبورج وجنوا ولندن وميلان ونيويورك وباريس وفيلادلفيا وروما وفينيسيا وتوربن، ومع حلول نهاية هذه الفترة، بدأت كل من باريس ولندن في الظهور كمراكز مالية عالمية قوية، واشتبكت المدينتان بدورهما في منافسة لا هوادة فيها. وبعد عام 1870، والحرب الروسية الفرنسية، وهزيمة فرنسا على يد الألمان، فازت لندن بمكانة المركز المالي العالمي المسيطر،
وظلت تتمتع بهذه المكانة حتى نشوب الحرب العالمية الأولى في عام 1914، وبعد الحرب، تحدت مدينة نيويورك وضعية مدينة لندن كمركز مالي عالمي، ولكن المدينتين ظلتا تتقاسمان هذه المكانة حتى فترة الكساد الكبير الذي ضرب الاقتصاد العالمي في الثلاثينات من القرن العشرين، وفي هذا الوقت،تمكنت مدينة نيويورك من التفوق على لندن، وتمتعت مدينة نيويورك بوضعية المركز المالي العالمي الأول خلال فترة الحرب العالمية الثانية والسنوات التي تلتها،
وذلك حتى صدور مجموعة من اللوائح التنظيمية المقيدة للبنوك والتي قيدت قدرتها على تقديم معدلات فائدة تنافسية على الودائع، وهو ما شجع العديد من المودعين على توجيه أموالهم إلى الخارج، وسمح التطور في أسواق السندات والعملات الأوروبية خلال فترة السبعينات بأن تقوم البنوك بعرض خدمات القروض والإيداع خارج الولايات المتحدة، وهكذا ونتيجة للقيود في الولايات المتحدة، تحرك حجم ضخم من النشاط المالي الدولي إلى لندن مرة أخرى.
* تصورات ومفاهيم
ولهذا وضع القائمون على مركز دبي المالي نصب أعينهم على تجارب المراكز المالية العالمية ليستقوا منها الدروس، ويبدو أنهم خلصوا إلى جملة من المفاهيم والتصورات، والتي ينهض على أساسها المركز، وفي الوقت ذاته، تجنبه المشكلات والعقبات الموروثة التي طالما عانت منها مراكز عالمية مالية رئيسية. وتتمثل هذه المفاهيم في التالي.
أولا:أن تنسجم اللوائح التنظيمية والقوانين والتشريعات مع أفضل الممارسات الدولية المطبقة في هذا المجال، لكي يتسنى جذب ما يزيد على 500 أكبر مؤسسة مالية في العالم، وأن يتم وضع هذه القوانين على أساس نماذج القوانين المطبقة في المراكز المالية في المملكة المتحدة وسنغافورة. بحيث يتكامل هذا الإطار التشريعي العالمي المستوى، مع القوانين الشاملة لمركز دبي المالي العالمي،
مما يوفر للمؤسسات المالية التي تختار العمل انطلاقاً من المركز بيئة عمل مألوفة لها، كما يمنحها الثقة القانونية بسلامة البيئة التي تنشط بها. علاوة على أن يكون الإطار القانوني للمركز منسجماً مع المعايير السارية في منظمات كمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «أوسيد» ومنظمة «قوة مهام العمل المالي» المختصة بمكافحة غسيل الأموال، واتفاقية بازل 2.
ثانيا: أن يتمتع مركز دبي المالي العالمي بسلطة قضائية وقانونية مميزة، تكفل له بأن يصبح جهة منظمة تتمتع بالاستقلالية التنظيمية، وبحيث تشكل استقلالية سلطة دبي للخدمات المالية المحور الأساسي لمفهوم مركز دبي المالي العالمي مع التنسيق الكامل مع الجهات التنظيمية في الداخل.
ثالثاً: أن تغطي قوانين المركز مختلف العمليات والأنشطة التي ستتم ممارستها ضمن مركز دبي المالي العالمي، إذ تشمل: القانون التنظيمي، قانون الشركات، قانون تطبيق التشريعات المدنية والتجارية، القانون المتعلق بتطبيق تشريعات مركز دبي المالي العالمي، قانون شركات المسؤولية المحدودة، قانون العقود، قانون الإفلاس، قانون التحكيم، قانون حماية البيانات، قانون الشراكة العامة، قانون الأسواق وقانون تنظيم الأنشطة الإسلامية.
رابعاً: أن تكون القوانين والنظم التي تحكم عمل المركز واضحة مسبقاً للمصارف والمؤسسات المالية الدولية الكبرى. بأن يتم وضعها وفق التشريعات الراهنة مثل تلك المتبعة في مدينة لندن، وأن يتم صياغتها بالإنجليزية لتكون متاحة فوراً.
خامساً: أن يكون النظام القانوني مرناً، يسمح بتطويره بشكل مستمر بما يتوافق مع التغيرات في البيئة القانونية العالمية. وأن يراعى في تطوير وصوغ قوانين المركز توفير بيئة تشريعية دولية المستوى تتسم بقدر كبير من الشفافية وتجسد في الوقت نفسه استقلالية المركز وتمتعه ببيئة تشريعية تستند إلى أرقى الممارسات الدولية في هذا المجال.
سادساً: أن يعمل المركز على توفير الشفافية في المراحل كافة وليس الترخيص فقط. وأن تلتزم الشركات بالشفافية في عملها. على اعتبار أن المركز يوفر بيئة عمل عالمية وليست محلية.
ومنذ إطلاق الإشارة الأولى بتأسيس مركز مالي عالمي في دبي، بدأ القائمون على المركز في خوض رحلة لم تكن حافلة بالإحداث السارة، وإنما بالعديد من التحديات، ولعل كان أبرزها هو كيفية تحويل هذه المفاهيم والتصورات إلى إطار عمل قانوني يحكم عمل المركز.
وخلال هذه الفترة من المخاض الصعب، تعالت الأصوات التي تتهم المركز بالتباطؤ، بل وصل بالبعض إن اتهم المركز بأنه قد قوض مصداقية دبي التي اكتسبتها من تنفيذها مشروعات عملاقة ضخمة في وقت قياسي، وزعم البعض الآخر بأن دبي تقف على قدم مشلولة في تنفيذها لهذا المشروع الضخم. ودخل آخرون في لعبة التكهن بما هو وراء الكواليس حول منازعات وصراعات لم تكن موجودة سوى في ذهن هؤلاء الذين روجوا لها.
وفي غمرة هذا المناخ المفعم بالإحباط، تحرك مركز دبي المالي العالمي قدماً في تنفيذ خططه، ورسم نقطة انطلاقه، في وضع مسودة القوانين التي ستحكم أدواره المختلفة كمنظم لسوق مالي عالمي ومرخص للشركات والمؤسسات المالية، وتشير المعلومات المتوافرة إلى أن المركز قام بتعيين شركة دولية تعمل في مجال القوانين وهي شركة «كليفورد اتشانس» لتقديم المساعدة في المجال القانوني والتي تكفل استكمال الإطار القانوني، بما يمكن مركز دبي المالي العالمي من إصدار الترخيص للمؤسسات والشركات.
* المرسوم الاتحادي
وشكل قيام مجلس الوزراء الاتحادي في يوليو 2004 بإصدار مرسوم اتحادي، يجيز إقامة مراكز مالية تتمتع بصفة المناطق الحرة، خطوة ضخمة على طريق تشييد صرح مركز دبي المالي العالمي، وعلى طريق إقامة مركز مالي على غرار الأحياء المالية في لندن وول ستريت وطوكيو وهونغ كونغ، وسمح هذا المرسوم بأن يجعل موضوع مركز دبي المالي العالمي على أجندة المناقشات في اجتماعات البنك وصندوق النقد الدوليين التي استفاضتها دبي في سبتمبر 2004.
ويعتبر المرسوم الاتحادي ابتكاراً دستورياً غير مسبوق، فهو يتيح لمركز دبي المالي العالمي درجة عالية من الاستقلالية، ويكسب المركز وضعاً متميزاً في الاقتصاد العالمي، بحيث يكون جاذباً للشركات والبنوك الرئيسية في العالم. ويرجع الدكتور حبيب الملا رئيس سلطة دبي للخدمات المالية شريط ذكرياته مع هذا القرار بقوله «لقد أعطى المرسوم الاتحادي دفعة قوية للمركز على المستوى العالمي، وقد لمسنا ذلك بشكل فوري،
فلم يسبق أن كنا مشغولين بمثل هذا القدر في التعامل مع الاستفسارات والطلبات التي أخذت في التدفق من مؤسسات الخدمات المالية الدولية فور الإعلان عن صدور المرسوم الاتحادي».واستدرك موضحاً «كما ترسخ المراسيم الاتحادية والمحلية استقلالية كل وحدة ضمن المركز ككل،
فهي تضمن الاستقلالية التامة لسلطة دبي للخدمات المالية، التي تعد الجهة التشريعية في المركز، وسلطة مركز دبي المالي العالمي التي تعد بمثابة ذراع التسويق وتطوير الأعمال، وتقوم كلتا السلطتين برفع تقاريرهما إلى سمو ولي عهد دبي مباشرة بصفته رئيس مركز دبي المالي العالمي».
ونظراً لكون الهدف من المرسوم الاتحادي هو إضفاء الصفة القانونية على مركز دبي المالي العالمي، فقد بدا جلياً أن الخطوة التالية في تحرك المركز، هي سن القوانين الخاصة ببنيانه التنظيمي حتى يتوفر له الأساس لقيامه بإصدار التراخيص للمؤسسات المالية، إلى جانب القوانين التي سوف تحكم أنشطته.
خاصة وأنه حدد طيفاً متنوعاً من الأنشطة في مجال صناعة التمويل، وهي: إدارة الأصول، التمويل الإسلامي، التأمين وإعادة التأمين، عمليات الدعم الإداري، وتأسيس سوق مالي إقليمي لتشجيع بروز سوق فاعل وعابر للحدود لرأس المال السائل. وبالتالي تغطي قوانين المركز مختلف العمليات والأنشطة التي ستتم ممارستها ضمن مركز دبي المالي العالمي والتي تشمل: القانون التنظيمي، قانون الشركات،
قانون تطبيق التشريعات المدنية والتجارية، القانون المتعلق بتطبيق تشريعات مركز دبي المالي العالمي، قانون شركات المسؤولية المحدودة، قانون العقود، قانون الإفلاس، قانون التحكيم، قانون حماية البيانات، قانون الشراكة العامة، قانون الأسواق وقانون تنظيم الأنشطة الإسلامية.
* وضع اللبنات القانونية
وعليه، توالى وضع اللبنات القانونية لمركز دبي المالي، فمن ناحية أصدر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، خمسة قوانين معنية بشؤون التعاقد والعمل والضمانات في مركز دبي المالي العالمي. ومن ناحية أخرى وافق مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي على إصدار الأنظمة واللوائح التي تحكم عمل الشركات وتتمثل في التالي:
ـ قانون رقم (4) لسنة 2005 بشأن العمل: ويحدد هذا القانون الحد الأدنى من إجراءات العمل بما يضاهي المعايير العالمية بهدف تعزيز المعاملة العادلة للعامل وصاحب العمل على حد سواء.
ـ قانون رقم (5) لسنة 2005 بشأن الالتزامات: ويعمل هذا القانون على إيجاد إطار يتيح للمدعين الحصول على حقوقهم في الدعاوى غير التعاقدية، ويحدد حالات نشوء الالتزام وكيفية تسوية المنازعات الخاصة بها.
ـ قانون رقم (6) لسنة 2005 بشأن الشروط المضمنة في العقود والشروط الجائرة: ويعنى هذا القانون بعدالة العقود الخاضعة لقوانين مركز دبي المالي العالمي، من خلال توضيح الشروط والظروف التي لا يتم عادة تضمينها في العقود، وخلق الإطار اللازم لتنفيذها.
ـ قانون رقم (7) لسنة 2005 بشأن الضرر والتعويض: ويحدد هذا القانون الهيكل اللازم لضمان الحصول على التعويض والسبل الأخرى لاستيفاء الحقوق في مركز دبي المالي العالمي.
ـ قانون رقم (9) لسنة 2005 بشأن الضمانات: ويحدد هذا القانون عدة أنواع للضمانات التي يمكن اعتمادها لضمان تسديد الديون ويحدد الإجراءات اللازمة لصحتها وتنفيذها.
وتعد هذه القوانين والإجراءات جزءا من التشريع الخاص بالأنشطة غير المالية، والتي هي من اختصاص سلطة مركز دبي المالي العالمي بموجب قانون دبي رقم (9) لسنة 2004 في شأن إنشاء مركز دبي المالي العالمي، بينما يناط بسلطة دبي للخدمات المالية (DFSA) مهمة الإشراف على جميع التشريعات الخاصة بتنظيم الخدمات المالية والخدمات المساندة والمرتبطة بهذه الخدمات وذلك بموجب نفس القانون.
وكانت سلطة مركز دبي المالي العالمي قد قامت بعرض مسودة القوانين والنظم والإجراءات على موقعها الالكتروني، قبل طرحها على مجلس الإدارة وذلك بهدف الحصول على تعليقات المجتمع القانوني والمؤسسات المالية الدولية، حيث قام المجلس التشريعي في سلطة مركز دبي المالي العالمي بوضع هذه القوانين والإجراءات بما يتماشى مع القانون رقم (9) لسنة 2004، من خلال لجنة تشريعية تابعة للمركز وبالتشاور مع سلطة دبي للخدمات المالية (DFSA).
ويعلق الدكتور عمر بن سليمان مدير عام سلطة مركز دبي المالي العالمي على هذه المرحلة الحيوية في تاريخ المركز بقوله «أثناء تطوير هذا النظام القانوني حاولنا الحصول على معلومات من الأسواق الرأسمالية العالمية الرائدة وذلك لضمان تقديم خدمات للمجتمعات المالية العالمية ما تحتاجه من ثقة بنظامنا القانوني.
وان إصدار هذه القوانين والإجراءات يؤكد التزامنا بالتطوير المستمر بالهيكل العام الذي تفهمه هذه المجتمعات وترتاح بالعمل من خلاله، والذي تم إطلاقه منذ اعتماد أول مجموعة من القوانين التي صدرت في شهر سبتمبر من العام 2004».وتصدر الإجراءات والنظم التي تشمل «إجراءات الشركات في مركز دبي المالي العالمي DIFC Companies Regulations من قبل مجلس إدارة سلطة مركز دبي المالي العالمي بموجب السلطة الممنوحة له بموجب القانون رقم (9) لسنة 2004،
حيث تصف هذه الإجراءات، النظم والعمليات والخطوات الواجب اتباعها والتي تتوافق مع قانون الشركات لمركز دبي المالي العالمي رقم (2) لسنة 2004 الخاص بإنشاء وإدارة المؤسسات من الناحية القانونية والمسجلة في مركز دبي المالي العالمي، وتنظيم التعاون المتبادل بين هذه المؤسسات من والى المركز وكذلك تحديد الرسوم والتكاليف الأخرى التي تتضمنها مثل هذه النظم.
وتعد هذه الدفعة من مشاريع القوانين والتشريعات خطوة جديدة لاستكمال البنية التشريعية والقانونية التي تحكم مختلف الأعمال ضمن مركز دبي المالي العالمي. وأتى إعدادها في أعقاب صدور 4 قوانين تشريعية مالية و8 قوانين عامة ـ تجارية في 16 سبتمبر 2004 بموجب أمر محلي صدر عن صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي.
وشهد 20 سبتمبر (2004 أيضاً، بدء المركز في إصدار التراخيص للمؤسسات التي تقدمت بطلبات للعمل فيه، حيث كان بنك جوليوس باير السويسري للخدمات المصرفية الخاصة أول مؤسسة تحظى بترخيص للعمل في المركز، وتبع ذلك إصدار تراخيص لمؤسسات أخرى منها ستاندارد تشارترد وصندوق مجلس التعاون الخليجي للطاقة.
وبالإضافة إلى ذلك قدمت شركات دولية بارزة من أمثال كريدي سويس، ديتشه بنك، أون وميريل لينش طلبات أو أعلنت عن نيتها التقدم بطلبات للحصول على تراخيص للعمل في المركز. وتحظى المؤسسات العاملة كافة في المركز بمزايا نوعية عديدة تتراوح بين غياب الضرائب على الدخل والأرباح والملكية الكاملة للمشاريع، وعدم وجود أية قيود على حركة العملات الأجنبية، أو إعادة توطين رؤوس الأموال ـ الأرباح، إلى جانب التمتع بتسهيلات الدعم التشغيلي والمرافق الحيوية لاستمرارية الأعمال.
* تبلور البنيان التنظيمي
وفي السياق ذاته، بدأ البنيان التنظيمي للمركز في التبلور والوضوح، فعلى غرار مراكز المال الدولية العريقة، تعد الهيئة التشريعية المستقلة (سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية) أساس مفهوم مركز دبي المالي العالمي، وتضم السلطة نخبة من الكفاءات التي تتمتع بخبرات طويلة في هيئات تشريعية رائدة في مختلف أنحاء العالم.
وتعد سلطة مركز دبي المالي العالمي للخدمات المالية (دي.اف.اس.أيه) بمثابة هيئة تشريعية وإشرافية مستقلة، مسؤولة عن منح التراخيص وتنظيم أنشطة المؤسسات المالية ضمن مركز دبي المالي العالمي، وقد تم إنشاؤها اعتمادا على نماذج التشريعات الأساسية السائدة في نيويورك ولندن، كما أن نظامها التشريعي يتوافق مع المعايير السائدة في مراكز المال، وتماشياً مع ما هو سائد في المراكز المالية الدولية الرئيسية.
ويعد سوق دبي المالي العالمي (دي.آي.اف.اكس) بمثابة القلب النابض لمركز دبي المالي العالمي، وهو سوق إلكتروني يتسم بقدر عال من السيولة والشفافية، ومركزاً نشطاً لتعاملات الأسهم والسندات والمشتقات المالية، وقد روعي في تأسيسه منح المستثمرين ومصدري الأسواق المالية سوقاً أكبر وأكثر سيولة من أي سوق مالية قائمة حالياً ضمن المنطقة.
ولن يقتصر الاستثمار في سوق دبي المالي العالمي (دي.آي.اف.اكس) على المستثمرين المحليين كما هو الحال مع البورصات القائمة ضمن المنطقة، وإنما سيكون الاستثمار فيه متاحاً للمستثمرين من مختلف أنحاء العالم، مما يتيح للحكومات والشركات من داخل وخارج المنطقة الاستفادة من فرص استثمارية لا حدود لها، ومن المتوقع أن تقوم الشركات من خارج المنطقة بإدراج أسهمها في السوق للاستفادة من رؤوس الأموال الضخمة المتاحة في المنطقة.
كما سيلعب سوق دبي المالي العالمي (دي.آي.اف.اكس) دوراً حيوياً في تسهيل تنفيذ برامج الخصخصة التي تتبناها دول المنطقة،وتعزيز الإصدارات الأولية للشركات الخاصة، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى تعزيز التوجه نحو تطوير البيئة التشريعية والقانونية السائدة وتحرير الأسواق في مختلف أنحاء الشرق الأوسط.
ويبدو أن الرحلة التي قطعها مركز دبي المالي العالمي من «الخور» إلى «وول ستريت» لم تنته فصولها بعد، بل إنه يواجه في هذه المرحلة تحديات أكثر جسامة، فبعدما وضع إطاره التشريعي والقانوني والتنظيم، يتماثل أمامه تحدي تحويل هذا المركز إلى بؤرة لصناعة المال في المنطقة.
