شهدت أسواق النفط هدوءاً نسبياً خلال الساعات الماضية، لكن وتيرة التحركات الدولية الرامية لاحتواء أزمة الأسعار تزايدت بشكل ملحوظ. وهبطت أسعار العقود الآجلة للنفط الخام 3.5 في المئة في ختام تعاملات الأسبوع الماضي المنتهي أول من أمس الجمعة، وانحسرت بشدة قوة الإعصار ريتا قبل أن تسقط أمطارا على ساحل الخليج الأميركي لتتقلص المخاوف من أن تؤدي ثاني عاصفة كبرى خلال شهر إلى أزمة طاقة ممتدة بتدمير المصافي وخطوط الأنابيب.
وبنهاية التعامل في بورصة نايمكس هوى سعر الخام الأميركي الخفيف في عقود نوفمبر 2.31 دولار ليصل إلى 19.64 دولاراً للبرميل. وفي بورصة البترول الدولية بلندن انخفض سعر عقود مزيج النفط الخام برنت 1.16 دولار إلى 62.44 دولاراً للبرميل.
وفي المقابل أعلنت وزارة الطاقة والمناجم في فنزويلا ان متوسط سعر سلة النفط الخام ومنتجات تكريره في فنزويلا ارتفع 0.80 دولار خلال الأسبوع الماضي إلى 53.60 دولاراً للبرميل. وقالت الوزارة في تقرير لها إن متوسط سعر السلة في الأسبوع السابق بلغ 52.80 دولاراً للبرميل منخفضا 2.52 دولار عما كان عليه قبل أسبوع. وأوضح التقرير أن متوسط سعر السلة حتى الآن في سبتمبر بلغ 54.54 دولاراً للبرميل مرتفعا 0.52 دولار عن متوسط الشهر السابق ومقارنة مع متوسط يوليو 48.45 دولاراً ويونيو 45.95 دولاراً.
وبلغ متوسط سعر السلة حتى الآن هذا العام 43.88 دولاراً للبرميل مرتفعا 11.22 دولاراً عن متوسط عام 2004 ومقارنة مع 25.76 دولاراً في 2003 و21.59دولاراً متوسط 2002 .وكان ريتا قد أصاب بالفعل جزءا كبيرا من منشات التكرير والإنتاج الأميركية بالشلل لكن متعاملين توقعوا أن ضعف العاصفة سيسهل على الصناعة أن تتعافى.
وتم إغلاق نحو 30 في المئة من صناعة التكرير الأميركية وكل منشآت الإنتاج من خليج المكسيك تقريبا مع استعداد الشركات لاحتمال أن يتسبب الإعصار ريتا في رياح شديدة وأمواج عاتية وفيضانات كاسحة.في الأثناء قالت وكالة الطاقة الدولية إنها قد تأمر بإطلاق كمية أخرى من مخزونات الطوارئ للوقود للمرة الثاني في شهر لمساعدة صناعة النفط الأميركية التي تضربها الأعاصير.
وأعلن كلود ماندل المدير التنفيذي للوكالة حالة تأهب. وقال ماندل انه إذا تسبب الإعصار في تعطيل إمدادات الوقود فان الوكالة قد تأمر بعرض مزيد من الاحتياطيات الإستراتيجية لدولها الأعضاء في السوق مثلما حدث في أعقاب الإعصار كاترينا. من جانبها قالت وزارة الطاقة الأميركية إنها مستعدة لإقراض نفط من احتياطيها الاستراتيجي مثلما فعلت بعد الإعصار كاترينا لكن ليس لديها إمكانيات تذكر لمعالجة نقص في منتجات التكرير.
لكن المستشار النفطي جيوف باين يقول إنه ليس هناك نقص في النفط الخام، إنما تكمن المشكلة في البنزين. وفي سياق متصل قالت مصادر نفطية إن دول القارة الأوروبية تجري استعدادات لإرسال مزيد من الوقود إلى الولايات المتحدة لكنها تنتظر لترى ما هو الضرر الذي سينزله الإعصار قبل أن تقدم تعهدات قاطعة بشحن كميات كبيرة.
وكانت شركات التكرير الأوروبية ساهمت فيما قامت به وكالة الطاقة الدولية من إطلاق منسق لكمية قدرها 3.1 مليون برميل من الخام يوميا واقل قليلا من 700 ألف برميل يوميا من منتجات تكرير النفط.وعلى الرغم من تراجع أسعار النفط إلا أن حدة المخاوف في الدول المستهلكة لا تزال في تصاعد مستمر، ويسبب ارتفاع أسعار النفط مشكلات اقتصادية في شتى أنحاء العالم وأعرب مسؤولون أوروبيون عن قلقهم من جديد بشأن احتمال تأثير ذلك على كل من الإنتاج والتضخم.
وفي ذات الإطار حذر وزراء مالية مجموعة الدول السبع الكبرى في العالم، وهي الولايات المتحدة وايطاليا وكندا واليابان وفرنسا وألمانيا وبريطانيا، من أن ارتفاع أسعار النفط يشكل تهديدا متزايدا للنمو الاقتصادي العالمي القوي ودعوا إلى زيادة إنتاج النفط الخام والحفاظ على الطاقة والاستثمار.
وقالوا في بيان صدر في ختام اجتماعاتهم نصف السنوية في واشنطن أول من أمس إن الاقتصاد العالمي يواصل التوسع ومؤشرات حدوث مزيد من النمو في المستقبل ايجابية ويعززها احتواء الضغوط الأساسية للأسعار. ورأى البيان أن ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة الخلل العالمي وزيادة ضغوط الإجراءات الحمائية زاد من الأخطار بالنسبة للتوقعات المستقبلية.
وأشار البيان إلى أن مجموعة السبع اتفقت على عدد من الخطوات للتعامل مع ارتفاع أسعار النفط . ودعا إلى زيادات مستمرة في إمدادات النفط الخام وإلى مزيد من الشفافية في أسواق النفط. كما دعا أيضاً إلى مزيد من الحوار مع منتجي النفط والى مزيد من الحفاظ على الطاقة وحث على مواصلة البحث عن مصادر جديدة للطاقة.
ووجه البيان نداءً إلى الشركات النفطية لزيادة استثماراتها النفطية في مجال التنقيب والإنتاج والتكرير من اجل تهدئة ارتفاع الأسعار. وشدد على أن وجود استثمارات مهمة يعتبر أمراً ضرورياً في مجال التنقيب والإنتاج والبنى التحتية للطاقة وقدرات التكرير، لكنه ربط نجاح ذلك بضرورة أن توفر الدول المنتجة للنفط مناخا مواتيا للاستثمار في البنى التحتية، وانتهاج الشفافية في الأسواق.
وقرر الوزراء تشكيل وفد، يتكون من وزير المالية الفرنسي تييري بريتون ونظيره البريطاني غوردن براون وأحد مساعدي وزير الخزانة الأميركي، للقيام بجولة في الدول المنتجة للنفط منتصف أكتوبر المقبل في محاولة لتحسين الشفافية بين العرض والطلب.
وفي إطار المخاوف المتزايدة قال مسؤول ألماني إن أسعار النفط هي اكبر خطر على الاقتصاد العالمي معبرا عن الخوف أن تضر زيادات أخرى للأسعار بثقة المستهلكين أكثر من الزيادات التي شوهدت حتى الآن.
وأوضح «إننا نشهد آثارا تراكمية، وهناك مخاطر واضحة ولاسيما إذا حدثت زيادة أخرى». من جانبه قال رئيس البنك المركزي الأوروبي جان كلود تريشيه إن ارتفاع أسعار النفط في الأشهر الثمانية عشر الأخيرة سيكون له تأثير كبير جدا على النمو والتضخم لمدة ثلاث سنوات. وأوضح تريشيه أن تقديرات المصرف تفيد أن نسبة النمو ستكون اقل بنحو نقطة واحدة في المئة مما كان يفترض أن تكون عليه لو بقيت الأسعار على ما كانت عليه في يناير 2004.
وبدا أن الكثير من الدول بدأت تتعامل مع واقع السوق الجديد، وفي هذا الإطار أعلن الرئيس الاندونيسي سوسيلو بامبانج يودويونو أن بلاده تعتزم رفع أسعار الوقود بدءا من أول أكتوبر لكنه لم يعلن حجم الزيادة الذي قال مسؤول إنها قد لا تقل عن 50 في المئة. وأوضح في مؤتمر صحافي بعد اجتماعه مع محافظي أكثر من 30 إقليما «نحن نخطط لتطبيق الزيادة في أول أكتوبر، وسيتم دعم هذه الخطة باستعدادات مختلفة».
وتقول مصادر اقتصادية إن اندونيسيا بحاجة لزيادة أسعار الوقود لخفض الدعم المتضخم للأسعار وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية الأمر الذي ساهم في تفجير أزمة الروبية في أواخر الشهر الماضي وأثار المخاوف بشأن قدرة البلاد على تجنب انهيار مالي. واتفقت لجنة الميزانية في البرلمان الأسبوع الماضي مع الحكومة على قصر دعم أسعار الوقود في العام الحالي على 89.2 تريليون روبية «8.7 مليارات دولار»، مما يعني الحاجة لرفع الأسعار المحلية للوقود بنسبة لا تقل عن 50 في المئة.