لم تعط دبي ظهرها للعولمة، ولم تغلق الباب «بوجه رياح التغيير» لكي تستريح!! بل انفتحت على العالم وتعاملت مع معطياته الأساسية والاقتصادية بشفافية قل نظيرها، وانطلقت في ذلك التعاطي على أسس مصلحة الدولة العليا ورفاهية أبنائها.

ومن الناحية الاقتصادية واكبت دبي، بحكمة قيادتها السياسية ورؤية ولي عهدها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع، التغييرات الجذرية في النظام الاقتصادي الذي اجتاح العالم،وامتطت صهوة « ثورة المعلومات ووسائل الاتصال».

واستقبلت كل مختلف الجنسيات والثقافات العالمية وصهرتها في نسيج اجتماعي غير مسبوق،كما أعادت تشكيل البنية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لتخلق نموذجها المتفرد.

وتفهم دبي ان العولمة للحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية تلعب دورا رئيسيا في تغيير البنية العمرانية والمعمارية للمدينة، ولكن في الوقت ذاته حافظت «مدينة المال والأعمال» على هويتها التاريخية .

وأطلقت العنان لذراعها العمراني كي يبني الجسور والأنفاق والمطارات والأبراج الشاهقة والمدارس والمدن الصناعية والمناطق الحرة وسبقت ذلك بخلق بنية تحتية متطورة لا تجد لها مثيلا في كل أنحاء العالم.

ما فعلته دبي حفزت الآخرين وحثتهم على اتخاذ الخطوات الجبارة التي قطعتها، فالكل يشاهد كيف أصبحت دبي احد أهم المراكز في تنظيم وإدارة الاقتصاد العالمية، إلى جانب فوزها عن استحقاق بموقع رئيسي بين المراكز المالية العالمية، بقصها شريط « مركز دبي المالي العالمي» يوم غد.

والسؤال الذي تناقشه الدكتورة حنان عبود في هذه الدراسة هو «كيف تصبح المدينة عالمية» وماهي صورة المدينة العالمية وما الدور الذي تلعبه صناعة المقاولات في رسم معالم تلك المدينة ودور المعماريين في تجسيد تلك الصورة ، وكيف تتعامل أي مدينة مع المتغيرات بكل أنواعها لتحقيق ذلك الهدف... العالمية.

*العولمة: مفهومها وعملياتها

لقد ا نتجت سنوات الثمانينات نظاماً جديداً في العالم، وكان ذلك نتيجة للظاهرة المتزايدة من جهة لعملية العولمة (Globalization) في الاقتصاد، ومن جهة أخرى تزايد تأثير عمليات العولمة على الثقافة والمجتمع والسياسة.

ان هذه العمليات أصبحت ممكنة نتيجة للتطور الذي حدث في تقنيات أنظمة المعلومات والاتصالات والتي تجاوزت الحدود التقليدية للدول وسببت في زيادة تدفق البضائع والرأسمال والأفكار والرموز.

ومع أن العولمة اليوم أصبحت حقيقة وليست خياراً، وتقريباً كل الأمم تسعى لإعادة هيكلة وإصلاح اقتصادها بشكل يتناسب مع النظام العالمي الجديد، فإنه ليس هناك تعريف متفق عليه لما يعني هذا المفهوم تماماً، ان المناقشات والقضايا التي تناولت مفهوم العولمة متشعبة وواسعة النطاق .

وهذا يجعل محاولة الإحاطة بها كلها عملية معقدة جداً. لذلك، سيكون التركيز وبشكل موجز على بعض التفسيرات التي تبرز أهمية دور عملية العولمة في إعادة تنظيم وتشكيل الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتي أثرت بدورها على الإنتاج العمراني والمعماري.

من الناحية الاقتصادية، لقد حصلت خلال الفترة الأخيرة تغييرات جذرية في النظام الاقتصادي في كافة أنحاء العالم مثل إلغاء قيود تنظيم الأسواق المالية الوطنية (Deregulation) والانتقال نحو الخصخصة (Privatization) وزيادة أهمية الشركات متعددة الجنسيات.

ان جميع هذه التغييرات أدت الى اندماج وتكامل الاقتصاديات على المستوى العالمي وهكذا انتقل اقتصاد الدول من التركيز على المحلية او الوطنية الى العالمية.

هنا لابد من الإشارة الى ان المكاسب الناتجة عن العولمة ليست واحدة بالنسبة لجميع الدول. كثير من الدول لا تجد العولمة فرصة ولكن كقوة للعرقلة والدمار وكهجوم على مستويات معيشتهم المادية، وعلى طريقة حياتهم التقليدية. وأولئك الذين يشعرون بالتهميش بهذه الطريقة ينمو عددهم أكثر فأكثر.

من ناحية أخرى، ان تأثير ثورة المعلومات ووسائل الاتصال (ICT) Information and Communicaion Technology مثل الحاسبات، الانترنت، الأقمار الصناعية الخ.

على المجتمع لا يمكن ان ينكر. انها تغير وبشكل جذري طريقة وأسلوب حياتنا ان تقنية الاتصال والمعلومات اليوم تجعل المجتمع والذي كان مغلقا ومحليا يصبح مفتوحاً ومرتبطاً مع أي مكان عبر الكرة الأرضية ان هذه التقنيات تنقل نشاطنا وفعالياتنا الاجتماعية من النطاق المحلي وتعيد تنظيم العلاقات الاجتماعية على المستوى العالمي.

فمن الناحية الثقافية، ان الكثافة العالية للتدفق (تدفق الأفكار والرموز والصور والأموال والأيدي العاملة) يخلق المناخ والوسط لنظام ثقافي عالمي متكامل ومندمج. ويسهّل نقل الصور والأفكار العقلية. ويعرِّض متلقي هذه الصور والأفكار إلى طرق تفكير وتصرّف مماثلة.

وللأسف إن الثقافة التي تظهر حالياً نتيجة لضغوطات العولمة ليست ثقافة عالمية بالمعنى الطوباوي. إنها ليست ثقافة ناشئة عن تجارب وحاجات كل الشعوب وهي لا تمثل ملتقى للثقافات المختلفة، بل هي ثقافة غربية مفروضة ناشئة عن تجربة تاريخية معيّنة واحدة وتسعى إلى محو الثقافات الأخرى. إن الثقافة العالمية تؤدي إلى سيطرة الثقافة الغربية.

والتي يمكن أن تكون الوريث المنطقي لهيمنة السياسة الغربية. بذلك، فإن التحدي الرئيسي أمام الأفراد والمجتمعات هو إيجاد التوازن بين المحافظة على الهوية والثقافة المحلية وبين الاندماج والاستفادة من عملية العولمة.

من الناحية السياسية، يعلن مؤيدو العولمة موت الدولة القومية كما نعرِّفها اليوم. لقد اكتشفوا أن نظام الدولة يشكِّل عقبة لنمو وتراكم الرأسمال حيث ان النظام الجديد يتجه نحو تشكيل أو تأسيس رابطة أو شبكة من الرأسماليين في جميع أنحاء العالم. بذلك أعاد الاقتصاد العالمي الجديد تكوين نفسه بعيداً عن تأثير الاقتصادات الوطنية وصنّاع سياستهم.

إن التأثير الكبير لعمليات العولمة على إعادة تشكيل البنى الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للمدن يجعل مناقشة وتقييم (لماذا وكيف تغيّر عملية العولمة شكل وبنية المدينة والإنتاج المعماري) ذات أهمية كبيرة بالنسبة للمعماريين .

والمخططين لأن التأثيرات المختلفة للعولمة على سياسة وعملية بناء العقارات ستكون حاسمة في تحديد دور المعماريين والمهنة المعمارية في المستقبل. هذه المقالة ستبحث التأثير الرئيسي للعولمة على بنية المدينة ذات المنزلة العالمية.

ولكن كيف انعكست أو أثرت عملية العولمة في البنية المادية والفراغية وعلى صنع المكان وصنع الشكل للإنتاج المعماري. من المهم الإشارة إلى أن تأثير عملية العولمة على البنية العمرانية والمعمارية لا يقتصر فقط على الشكل .

وإنما على ثقافة البناء والتصميم وعمليتهما أيضاً. إنه يتعلق بمستوى تدفق الأموال، والأفكار، الرموز والبضائع وإلى أي مدى الاقتصاد المحلي هو متكامل ومندمج مع الاقتصاد العالمي.

* المدينة العالمية (The Global City)

إن العولمة المتزايدة للحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية تلعب دوراً رئيسياً في تغيير البنية العمرانية والمعمارية للمدينة ولكن في الوقت ذاته تُعتبر المدن عاملاً أساسياً في الترويج لهذه العمليات. إن الاقتصاد العالمي منظم حول وخلال المدن التي ترى وعلى نحو متزايد كعناصر تتفاعل وتترابط ضمن تدرّج عمراني يدعم ويعزّز المرحلة الحالية من التراكم الرأسمالي.

وبناءً عليه، فإن العديد من أهل المدن ومن أجل أن يكونوا فعّالين في الاقتصادات العالمية والإقليمية، يهيئون ويحسنون بنيتهم العمرانية والمعمارية والاقتصادية.

إن مدن الدول النامية اليوم تكتسب أهمية متزايدة كمراكز صناعية للإنتاج الضخم والتصدير إلى أسواق البلدان الرئيسية. وأما مدن الدول المتطورة، فإن التركيز يبتعد عن إنتاج السلع إلى إنتاج الخدمات والتوزيع والتسويق والبيع والإعلان.

إن العديد من العلماء في دراساتهم الحديثة عن العلاقة بين العولمة والمراكز العمرانية يركّزون على ما أصبح يُدعى بالمدينة العالمية، وإن التوزيع والانتشار الفراغي للنشاطات الاقتصادية والأسواق العالمية والشركات متعددة الجنسيات تزيد من أهمية وجود مراكز قيادية قادرة على إدارة ومعالجة هذه المستويات من التعاملات الاقتصادية المعقدة.

فالمدينة العالمية هي المتسجدات والانعكاسات المادية لعملية العولمة إن تعبير «مدينة عالمية» ليس جديداً، حيث ان استخدام هذا التعبير في دراسة تطوّر وتخطيط المناطق العمرانية الكبيرة.

ومع ذلك، فإن التعبير «مدينة عالمية» في ذلك الوقت لم يشر إلى عملية العولمة كما (Sassen) توضح: «إن الدراسات السابقة على المدن العالمية أقرب إلى فكرة عواصم الامبراطوريات:

مدينة واحدة في قمة تدرُّج القوة والسيطرة. وأما الدراسات الحالية على المدن العالمية فتعتبر وجود شبكة عالمية من المدن تعمل كمواقع استراتيجية لتنفيذ العمليات الاقتصادية العالمية».

وفقاً لذلك، إن المدن العالمية هي مراكز مهمة في تنظيم وإدارة الاقتصاد العالمي ومواقع استراتيجية رئيسية للمراكز المالية المهمة ومقر للشركات متعددة الجنسيات وشركات الخدمات المتخصصة والمؤسسات الدولية ومراكز تصنيع مهمة وأسواق استهلاك.

بكلمات أخرى، المدن العالمية هي مراكز القيادة والتحكم في اقتصاد العالم الرأسمالي والتي تربط مراكز الخدمات المتقدمة ومراكز الإنتاج والأسواق في شبكة عالمية.

وذلك بشدّة وبمقياس يختلف، ويتعلق بالأهمية النسبية للتعاملات الاقتصادية الناظمة في كل منطقة على المستوى العالمي. من بين هذه المراكز أو المواقع الاستراتيجية الجديدة تأتي نيويورك، لندن وطوكيو في المستوى الأول وفي المستوى الثاني تأتي مدن مثل باريس، فرانكفورت، زيوريخ، أمستردام، لوس انجلوس، سيدني، هونغ كونغ وسنغافورة.

إن هذه المواقع الاستراتيجية والتي تربط المراكز المالية والتجارية الرئيسية عالمياً تتشابه فيما بينها من ناحية الخدمات المالية، البنية التحتية، الشكل العمراني والمعماري أكثر مما تتشابه مع مدن ومراكز عمرانية في بلدانهم. وفي ما يلي أهم خصائصها:

* المدينة الثنائية (The Global City)

بما أن العولمة تقود (وكما نوّه سابقاً) ليس فقط لعدم المساواة والتمايز بين الدول وإنما بين الطبقات الاجتماعية في البلد نفسه، ولذا فإن تطوّر المدينة العالمية من المحتمل أن يخلق تفاوتاً اقتصادياً واجتماعياً ينعكس على الشكل العمراني والمعماري. إن مصطلح «المدن الثنائية» يُستخدم لوصف التفاوت بين الطبقات الغنية والفقيرة.

إن تدفق المنظمات والشركات العالمية إلى المدينة يخلق قوة عاملة عالية المهارة ذات مستوى وأسلوب معيشة وراتب محدّد وفقاً للمعايير العالمية. وفي الوقت نفسه، يخلق قوة عاملة متوسطة أو ضعيفة المهارة، ذات راتب منخفض نسبياً، وذلك لخدمة الفئة السابقة من خلال القيام بأعمال مثل التنظيف والخدمة والأعمال المكتبية الروتينية.

إن انعكاسات هذه العملية يظهر بشكل واضح في تشكيل البنية العمرانية للمدن وفي أنماط التفرقة المستخدمة اليوم في فصل المناطق السكنية في تجمعات مغلقة ومعزولة أو في أحياء وضواح خاصة. بالإضافة إلى أن للهندسة المعمارية الجديدة لمراكز التسوُّق المراقَبة انعكاس مميز ومحسوس للتفاوت الاجتماعي والمادي.

ومن ناحية أخرى، إن عمليات العولمة زادت من حدة التوتر بين «المتنعّمين» و«المعدومين» في المدينة الواحدة، وذلك لانعدام التوازن بين السعي لتطوير البنية التحتية المطلوبة عالمياً لزيادة المنافسة العمرانية وبين توفير الخدمات الأساسية لعامة الشعب.

إن أكثر الاستثمارات العامة في البنية التحتية (ماء، كهرباء، طرق، اتصالات.. إلخ) تركِّز على تأمين الخدمات والوسائل المتطورة إلى المناطق ذات الملكية الخاصة وربطها عالمياً، بينما الشروط في المناطق الأخرى تتدهور والعديد من السكان ليس لديهم ماء، اتصالات، طاقة، طرق ونقل عام.

*زيادة الأهمية لقطاعات الاقتصاد الدولية

من ناحية أخرى، إن تمركز تعاملات وفعاليات النظام الاقتصادي الجديد في المدينة العالمية أدى إلى توسع وازدهار فعاليات القطاع الدولي للاقتصاد العمراني (Urban Economy).

وفرض مجموعة جديدة من المعايير لتقييم وتسعير مختلف النشاطات والفعاليات الاقتصادية. في بناء العقارات، الأسعار المرتفعة والربح السريع للمشاريع التي تستهدف الزبائن العالميين مثل أبراج المكاتب العالمية ومراكز التسوق الدولية والتجمعات السكنية المغلقة .

والتي تستهدف طبقة النخبة العالمية تجعل الأمر صعباً على مشاريع البناء الأخرى مثل مشاريع السكن الشعبي والاجتماعي لتنافس من أجل الحصول على أراض واستثمارات.

إن المستثمرين والمقاولين اليوم لهم الحرية الكاملة في اختيار وتغيير المساحة المبنية، وظيفة البناء، ارتفاعه ونظام الواجهات وذلك دون أو بتدخل جزئي من هيئات التخطيط الشامل والتقدمي والذي يشجع الاستثمارات الخاصة في المشاريع المفيدة اجتماعياً. في الحقيقة ان التخطيط الاقتصادي والعمراني الصحيح للمدينة يوفر الأراضي الكافية والمطلوبة لكل قطاع وفي كل جزء من أجزاء المدينة.

هذا وبسبب تراكم الأموال ومعدلات التضخم المتزايد خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فتحت أفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار في بناء العقارات والمضاربات.

أن قرار الاستثمار في المشاريع العمرانية اليوم لا يتعلق بالعرض والطلب وإنما بالأرباح النسبية للاستثمارات في المجالات الاقتصادية الأخرى وبعوامل كثيرة أخرى مثل أسعار صرف العملات أو القرارات السياسية والأحداث الدولية. ولهذا السبب، في بعض المواقع المهمة، قرب المراكز التجارية الرئيسية، أصبح بناء العقارات مرتبطاً .

وعلى نحو متزايد بوضع الاقتصاد والظروف الدولية أكثر من وضع الاقتصاد المحلي (Knox, 1993) ونتيجة لذلك فإن أسعار العقارات في مركز مدينة نيويورك مرتبط أكثر بسوق العقارات في لندن أو فرانكفورت منها إلى سوق العقارات في المدينة ذاتها.

* المشاريع العمرانية الضخمة

إن قوى العولمة حتمية والمدينة لكي تنافس المدن الأخرى يجب أن تخلق استراتيجية لتزيد قدرتها على الاستفادة من القوى الاقتصادية العالمية. ولذلك فإن الميزات الرئيسية الأخرى للبنية العمرانية للمدينة العالمية هي المشاريع العمرانية الضخمة.

تبنى هذه المشاريع بشكل رئيسي في أطراف المدينة على أراضي ميناء أو سكة قطار سابقة أو أراضي صناعية أو زراعية مهملة أو ضمن أراضي التوسع للمنطقة العمرانية وتصمم بشكل صريح لاستراتيجيات ومتطلبات دولية وتستهدف شركات ومؤسسات الاستثمار والتأمين العالمية وما شابه من أجل الاستثمار أو الإيجار أو الشراء.

هذه المشاريع المرتبطة بأسواق العقارات العالمية منظمة من قبل وكلاء وأنصار عملية العولمة والتي هي على معرفة شاملة وفهم للحاجات الحالية والمستقبلية في عملية تصميم وتسويق البنية العمرانية على المستوى العالمي (Olds, 1995).

تشمل هذه مشاريع رئيسية لموانئ بحرية، مطارات، أبراج مكاتب عالية التقية، مراكز خدمات مالية، مناطق متخصصة للإنتاج والتصدير، وتجمعات سكنية عالية الرفاهية للنخبة. إن الغاية والهدف الرئيسي من معظم هذه المشاريع والتي لها أشكال معمارية مميزة ليس تحقيق الوظيفة فقط وإنما المساهمة في تجميل «صورة» المدينة أيضا.

وهي في أكثر الحالات ممولة من قبل الاستثمارات الأجنبية المباشرة. والتي تتمتع بحرية كاملة في عملية الاستثمار والبناء ووضعت القوانين لخدمة وتسهيل مصالحهم، أو شراكة بين القطاع العام والخاص.

في الحقيقة، إن القدرة على بناء هذه المشاريع الكبيرة مثل ناطحات السحاب (والتي أصبحت عاملاً مهماً وضرورياً لصورة أي مدينة تتمنى دعوة نفسها مدينة عالمية) غالباً غير ممكن من دون تمويل خارجي (Lo and Marcotullio, 2001).

* تحول المدينة إلى سلعة

إن المدينة العالمية تظهر كموقع مهم وجديدة للاقتصاد الرأسمالي العالمي الذي يستغل المدينة ويجعلها سلعة (Sassen, 1991). اليوم في العديد من المدن هناك تغيير في دور سياسات الحكومة من الإدارة والإشراف (managerialism).

إلى المقاولة والتجارة Harvey, 1989 - entrepreneurialism هذا الموقف التجاري ينظر إلى المدينة كسلعة يجب تسويقها. وهذا يؤدي إلى إعادة هيكلة المدن بشكل ينسجم مع متطلبات المستثمرين العالميين.

وعلى هذا، إن التخطيط العمراني الحالي يفضل هيمنة المصالح الاقتصادية على المصالح الأخرى (Habitat, 2001) إن الشكل والطابع العمراني للمدينة العالمية اليوم مقترن بالشركات العالمية المهيمنة.

إنهم في الحقيقة، المستفيدون والمستعملون الجدد الرئيسيون الذين يطبعون الشكل العمراني (Sassen, 1991) بطابع دولي من خلال أبنيته الرئيسية المصممة والمبنية من قبل مصممين ومهندسين ذوي سمعة عالمية لزبائن ومستثمرين وطنيين ودوليين.

هذا التوجه نحو الدولية والعولمة لسياسة الحكومات اليوم ينعكس ويأخذ شكلاً جديداً في الهندسة المعمارية العالمية والتي أطلقت عليه Zukin (1991) استعراض القوة (Landscape of Power) حيث مستثمرون يابانيون يكلفون مصممين بريطانيين لتصميم مشاريع في الولايات المتحدة الأميركية وأستراليا.

* خاتمة

ركز أغلب الباحثون في دراستهم على خصائص المدينة العالمية في العالم المتطور الغربي وقليل منهم فقط بحث عن إمكانية وجود دليل على تشكل المدينة العالمية في أجزاء أخرى من العالم.

ما عدا بعض الدراسات التي جرت على بعض مدن جنوب آسيا مثل هونغ كونغ وسنغافورة وشنغهاي، محاولات متواضعة جداً تناولت المدن الآسيوية الأخرى لتحديد التغييرات العمرانية بسبب الإصلاحات الاقتصادية وضغوطات العولمة.

بالإضافة إلى ذلك، إن الدراسات المتوافرة على المدينة العالمية ركزت على التحولات الاقتصادية والاجتماعية كونها الانعكاسات الأكثر وضوحاً لتأثير عملية العولمة على المدن بينما تحليل نتائج هذه الانعكاسات على النسيج العمراني بقي مهملاً نسبياً.

كتب مشرق علي حيدر: