قال مصرفيون ومحللون إن الخطوات التي اتخذتها سوريا لتخفيف قيود الصرف والتجارة ربما تكون قد ساهمت في الحد من الضغوط المتزايدة على عملتها الليرة لكنها دون الإصلاحات الواسعة التي تحتاج إليها لفتح اقتصادها الذي تهيمن عليه الدولة.

وكانت سوريا أعلنت منتصف الأسبوع الماضي زيادة أسعار الفائدة نصف نقطة مئوية وسمحت للبنوك بإصدار شهادات إيداع للمرة الأولى وهي خطوات يقول المحللون إنها تهدف إلى إقناع السوريين ألا يلجأوا إلى السوق السوداء للحصول على ما يحتاجون إليه من دولارات مع تزايد الضغوط على بلادهم.

وخففت سوريا أيضاً القيود الصارمة على الصرف التي فرضت بعد تأميم القطاع المالي للبلاد في ستينات القرن الماضي لتسمح للسوريين بشراء العملة الصعبة وبإنشاء شركات خاصة للصرافة لتحل محل صيارفة السوق السوداء.

وأشاد المحللون والمصرفيون بهذه الحزمة من الإجراءات بوصفها خطوة على الطريق إلى الإصلاح لكن سوريا مازال أمامها شوط طويل يتعين عليها قطعه قبل أن يصبح لديها قطاع مالي حديث.

وقال الاقتصادي نبيل سكر العضو المنتدب للمكتب الاستشاري السوري للتنمية والاستثمار «هذه الحزمة من الإجراءات تهدف إلى تعزيز الليرة السورية وهي جزء من إصلاحات مصرفية ومالية جارية لكن هناك الكثير الذي يتعين انجازه». وأضاف «الحكومة ـ إحقاقا للحق ـ تعمل جهدها لتبني إصلاحات لكن سوريا لم تدخل النظام المصرفي الحديث إلا منذ عام ونصف العام ولذلك فان هناك الكثير الذي يتعين تحقيقه».

وقد انتعشت الليرة السورية بالفعل بعد أن هوت اثنين في المئة لتصل إلى 56 ليرة مقابل الدولار في السوق في وقت سابق من هذا الأسبوع في أعقاب اتهامات من الولايات المتحدة بان دمشق لا تفعل ما فيه الكفاية لمنع المتشددين الإسلاميين من عبور الحدود إلى العراق.

وسوف تكون شهادات الإيداع الجديدة لأجل عام واحدة من أكثر أدوات الاستثمار تطورا المتاحة في سوريا حتى الآن وقد تكون بعائدها البالغ تسعة في المئة وسيلة فعالة في منع السوريين من التحول عن الليرة إلى الدولار.

ولكن المرسوم الذي صدر في الآونة الأخيرة يسمح للبنوك المحلية ومعظمها مملوك للدولة بإصدار شهادات إيداع للمرة الأولى غير انه لا يقدم وعدا بأن البنك المركزي سيصدر بنفسه شهادات إيداع. وتسمح الإجراءات الجديدة للسوريين بشراء ما يصل إلى 3000 دولار من اجل السفر ومبالغ أكبر بشروط بعد أن ظلت طيلة عقود تقصر التعاملات في النقد الأجنبي على مبالغ محددة لأغراض التعليم والعلاج.

وقال محللون ومصرفيون إن تلك الخطوة قد تقنع السوريين بعدم اللجوء إلى السوق السوداء للحصول على احتياجاتهم من النقد الأجنبي لكن هذا ليس تحولا كبيرا في السياسة.

وقال مصرفي لبناني يعمل في سوريا «هذه التغيرات شكلية. أنها ليست علاجا عميقا لكنها تغير قصد منها امتصاص المعنويات السياسية السلبية». وكان الرئيس السوري بشار الأسد وعد بإصلاحات اقتصادية حينما تولى الحكم عام 2000 لكن التقدم في هذا الشأن كان بطيئا.

وسمحت سوريا بافتتاح أول بنك من القطاع الخاص العام الماضي منهية أربعة عقود من سيطرة الدولة وتعمل الآن بضعة بنوك في صورة مشاريع مشتركة بين مستثمرين أجانب وسوريين. ويحث المصرفيون الحكومة منذ وقت طويل على رفيع قيود الصرف رفعا كاملا وتطبيق أدوات نقدية ومالية حديثة مثل أذون الخزانة لتسهيل الإقراض بين البنوك.

وقال سكر إن سوريا تسعى من اجل تطبيق أذون الخزانة الأمر الذي سوف يتيح للدولة الاقتراض دون طبع النقود وهو ما يعطيها سياسة نقدية للسيطرة على التضخم. وقال إن فريقا من صندوق النقد الدولي موجود في دمشق لمساعدة السلطات في الأعداد لتطبيق نظام أذون الخزانة لكن هذا قد يستغرق تحقيقه عامين.

وفي إطار الإجراءات الجديدة سيسمح أيضا للبنوك المحلية بإصدار خطابات اعتماد لتصدير واستيراد 950 سلعة تمثل نحو ربع التجارة الإجمالية للبلاد. وتقوم الحكومة السورية منذ وقت طويل بتقييد التجارة .

وتسعى بدلا من ذلك إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي. وكان رجال الأعمال يعتمدون في العادة على بنوك لبنانية وبنوك أخرى في المنطقة في تمويل صفقاتهم وهو ما يعرضهم للتقلبات السياسية والاقتصادية في تلك البلدان.

ويقول المصرفيون والمحللون إن هذه الخطوات قد تساعد على تسهيل التجارة إلى حد ما لكنها تهدف في جانب كبير منها إلى التحايل لتجنب السوق السوداء وحماية القطاع المالي من الاضطرابات في لبنان.

وقال راتب شلاح رئيس غرفة التجارة السورية «هذه الخطوات جيدة ونحن ندعمها ونأمل أن تستمر. والأعمال تحدث سواء كان مسموحا بها أم لا إذا وجدت حاجة اقتصادية ومنفعة لها. وإذا كان الحال كذلك فلماذا لا نسمح لكل العمليات الاقتصادية أن تجري داخل النظام». (رويترز)