أثار التحقيق الذي نشرته «البيان» مؤخراً حول قطاع التأمين ردود فعل واسعة في القطاع، خصوصاً بين شركات الوساطة، والتي طالبت بحقها في توضيح الكثير من القضايا المتعلقة بمهنتها.
وبالرغم من أن الكثير من القضايا التي أثارها التحقيق كان موجهاً أساساً لفئة محددة من الوسطاء، وليس لتلك الشركات المسجلة والعاملة في السوق منذ سنين طويلة، إلا أن عددا من وسطاء التأمين ابدوا رغبة كبيرة في توضيح كثير من الأمور والقضايا المتعلقة بهذه المهنة بشكل خاص، وصناعة التأمين عموما.
وأكد عدد من ممثلي شركات الوساطة العاملة في سوق التأمين في الدولة تأييدهم وبقوة لإنشاء جمعية أو مجلس خاص لوسطاء التأمين، على غرار جمعية الإمارات للتأمين، مشيرين إلى انهم تقدموا فعلا بهذه المبادرة إلى وزارة الاقتصاد والتخطيط منذ ثلاث سنوات، وتم تسليم الاقتراح الخاص بذلك باليد إلى المسؤولين هناك، وما زال حتى اليوم حبيس الأدراج لم ير النور.
وطالبوا بإنشاء شبكة موحدة لحوادث السيارات، على غرار تلك الموجودة في دول عديدة في العالم، بحيث يمكن تنفيذها بمساهمة من جميع شركات التأمين، لتمكينها من الاطلاع على سجلات الحوادث، وبالتالي تقييم ومعرفة أصحاب الحوادث المتكررة.
ومن ثم زيادة مقدار التأمين على أصحاب الحوادث، وتقديم عروض وتسهيلات خاصة لقليلي الحوادث وأكد هؤلاء أن مذكرة إنشاء جمعية أو مجلس للوسطاء حبيسة أدراج وزارة الاقتصاد منذ 3 أعوام.
والجدير بالملاحظة ان الكثيرين من وسطاء التأمين، الذين اتصلت بهم «البيان» للتعليق على بعض القضايا الخاصة بمهنة الوساطة، رفضوا التحدث عن مشاكل قطاع التأمين حتى لا يثيروا غضب الشركات، والتي قد تلجأ إلى إلغاء الاتفاقيات معهم، والبعض الآخر كان يريد التأكد مما سينشر في الصحف تخوفا من تحريف أقوالهم.
* مصير المذكرة
ويقول فؤاد عوض مدير عام الشركة الأهلية العامة لوسطاء التأمين انه قام شخصيا بتسليم مذكرة إلى المسؤولين في وزارة الاقتصاد موقعة من قبل عدد كبير من شركات الوساطة تطالب بإنشاء مجلس أو جمعية خاصة لوسطاء التأمين لتنظيم شؤون المهنة والمحافظة على حقوق العاملين فيها والارتقاء بها إلى معايير عالمية ولم يتلق حتى اليوم أي رد من قبل الوزارة.
ويؤكد عوض انه يعمل في قطاع التأمين منذ أكثر من عشرين عاما وكان قبل عمله في وساطة التأمين مديرا لإحدى شركات التأمين العاملة في الدولة وشهد بنفسه كيف ينمو قطاع التأمين بسرعة مضطردة .
مشيرا إلى أن وجود 200 وسيط محلي في السوق لا يشكل قضية كبيرة ذلك ان السوق ومع النشاط والنمو الاقتصادي المتسارع والطفرة العمرانية الكبيرة التي تشهدها الدولة قادر على استيعاب المزيد خصوصا إذا علمنا أن أكثر من 50 شركة تأمين تعمل في هذا السوق الكبير.
ويضيف ان عمل وسيط التأمين لا يقتصر على كونه مندوبا لمبيعات شركة التأمين بل يتعدى ذلك ليشمل تسويق وترويج منتجات شركات التأمين وتقديمها للجمهور وهذا يشكل قيمة مضافة لعمل التأمين .
وإذا كان هناك بعض التجاوزات التي تحدث بين حين وآخر في شركات الوساطة فهذا شيء طبيعي في أي قطاع عمل سواء كان اقتصاديا أو اجتماعيا وليس قاصرا على مهنة الوسيط. وقال عوض إن شركات الوساطة وخاصة تلك التي تعمل وفق منهج احترافي .
ومهني تمارس عملها وفق أعلى المستويات العالمية وهي تقدم خدمة كبيرة لشركات التأمين والمنفعة تهم الطرفين والجهود التي يبذلها الوسيط قد لا تستطيع شركة التأمين توفيرها سواء من حيث الجهد البشري أو المادي.
* اتهامات للوسطاء
وفيما يتعلق بالاتهامات التي توجه أحياناً لعمل وسطاء التأمين أكد مدير عام الشركة الأهلية ان هذه الاتهامات مبالغ فيها بدرجة كبيرة وإذا كان هناك وسطاء «فري لانسر» أو حملة الشنطة فإننا كوسطاء تأمين لا نعرفهم ولا علاقة لنا بهم .
وهناك شركات تأمين تعمل في السوق ما زالت تتعامل معهم طمعا في تحقيق مزيد من السيولة أو لأسباب أخرى رغم ان القانون يمنع التعامل مع أي وسيط غير مسجل في وزارة الاقتصاد.
وقال إن وزارة الاقتصاد والتخطيط تضع شروطا محددة لتسجيل شركة الوساطة كشركة مرخصة قانونا ومنها الضمان المالي بمبلغ 300 ألف درهم توضع لضمان حقوق الشركات والعملاء إضافة إلى مبلغ مالي آخر تشترطه شركات التأمين على الوسيط طبقا للاتفاقية الموقعة بين الطرفين ناهيك عن ضمانات أخرى بمبلغ 5,1 مليون درهم ضد أخطار المهنة والأخطاء الفنية التي قد يقع فيها الوسيط .
وهذا المبلغ يدفع عند تجديد كل رخصة. ومن هنا فإن هناك أنواعاً عدة من الضمان ولا يوجد ما يستدعي الخوف من الوسيط القانوني المسجل في الوزارة والخطر يأتي دوما من وسطاء الشنطة الذين تتعامل معهم بعض شركات التأمين وتقدم لهم وثائق تأمين بآلاف الدراهم.
ويشير عوض إلى ان بعض شركات التأمين تترك الحبل على غاربه فيما يتعلق بالحد الأعلى لحجم الأقساط لكل وسيط حيث تترك هذه الشركات لوسطاء التأمين حرية بيع بوالص تأمينية تفوق الحد المتفق عليه مسبقا مما يزيد من مستوى المخاطر.
وبعضها يلجا إلى تقديم عروض خاصة لوكالات السيارات والمعارض بأسعار تحطيمية منخفضة بسبب اشتداد حدة المنافسة بين الشركات مما يلحق ضررا بالغا بمعايير السوق ومبادئ المنافسة ويتسبب بخسائر كبيرة لبعض الشركات.
وقال إن شركات الوساطة لا تستطيع مجاوزة الاتفاقية الموقعة مع شركة التأمين وهي تعمل انطلاقا من ذلك وعند وجود أي مخالفة فإن ذلك يكلفها خسارة الاتفاقية داعيا إلى وجود اجتماعات دورية بين شركات التأمين والوسطاء لمتابعة سير العمل وتوضيح الكثير من النقاط والعمل على حل الكثير من القضايا التي تهم الطرفين.
* الاهتمام بالسيولة
وأضاف ان بعض الشركات لا تعرف أصلاً عنوان الوسيط الذي تتعامل معه وينصب اهتمامها على السيولة النقدية فقط وهناك الكثير من العاملين في القطاع ما زال بحاجة إلى مزيد من الخبرة والتأهيل تمكنهم من العمل باحترافية ومعنية عالية خصوصا في أقسام التأمين على السيارات وكان هناك مبادرات عدة منها تأسيس معهد خاص للتدريب على التأمين لكن الشركات لم تتجاوب مع هذه المبادرة وتعللت بنقص المخصصات.
وحول تقيد الشركات بتعرفة وزارة الاقتصاد قال عوض إن حدة المنافسة بين شركات التأمين دفعت بعضها إلى ما يعرف بـ «تحطيم الأسعار» حتى وصل الأمر إلى بيع بوالص تأمينية إلى جراجات ومعارض السيارات بأسعار منخفضة جدا قياسا إلى تعرفة الوزارة بدلاً من التعامل مع الوسيط مباشرة.
وحول ظاهرة تأجير الرخصة من قبل وسيط التأمين قال عوض إن هذه الظاهرة وأن كانت قليلة الا ان الوسيط يبقى مسؤولا بشكل مباشر أمام وزارة الاقتصاد وهو يلجأ لهذه الخطوة عند عدم توفر الإمكانية للمادية والبشرية للتنقل أو فتح أكثر من مكتب له.
وأضاف ان الشركات هي التي تختار الوسيط الذي تتعامل معه وبالتالي فإن تجاوزات الوسيط خصوصا إذا كان غير مسجل تتحملها الشركة نفسها .
وعلى شركات التأمين ان تمتلك معلومات وافية عن الوسيط وسجله في العمل بحيث تضمن تقديم قيمة مضافة لعمل الشركة من خلال تسويق وترويج منتجاتها وليس فقط مندوبا للمبيعات وعمل الوسيط مكملا لعمل شركة التأمين وليس منافسا لها.
* عمل الوسيط
ومن جهته يؤكد الياس أبو نصيره المدير والشريك في شركة فيديليتي لخدمات التأمين ان عمل الوسيط يتمثل بتقديم خيارات عدة للعملاء من خلال عروض الشركات التي يتعامل معها وهذا يصب في صالح العميل رغم ان بعض الشركات تلجأ إلى بيع وثائق التأمين لمعارض ووكالات السيارات وبأسعار منخفضة حتى تتجنب عمولة الوسيط.
وطالب أبو نصيره بسرعة إنشاء مجلس أو جمعية للوسطاء تنظم عملهم وتحفظ حقوقهم وتسهم في تعزيز معايير العمل في هذه المهنة. وقال ان التنافس الحاد بين شركات التأمين يعد سببا لظاهرة حرق الأسعار في هذا القطاع الذي يشهد نموا في مختلف جوانبه وهناك الكثير من مبادئ العمل ومعاييره مازال مغيبا في هذا المجال.
وأكد أن بعض الشركات لا يوجد لديها معايير محددة عند التعامل مع شركات الوساطة وقد تكون العلاقات الشخصية هي المعيار في كثير من الأحيان وهذا ما يحدث أيضاً في تعاملها مع العملاء وامتناعها عن التأمين لفئة عمرية معينة أو سيارات محددة مما يضر بأخلاقيات المهنة والتي هي خدمة أولاً وأخيراً وتحتمل عنصر المخاطرة الذي يعد عاملا جوهريا في صناعة التأمين وهو بنفس الوقت طريق لتحقيق الأرباح.
* عقود مخفضة
وتساءل أبو نصيرة لماذا تقوم بعض شركات التأمين بتوقيع عقود مع وكالات السيارات والمعارض المختلفة وبأسعار منخفضة جدا وماذا لو لجأت كل الشركات إلى هذه الخطوة كيف سيكون العمل في سوق التأمين؟
ودعا إلى مراجعة التشريعات الخاصة بصناعة التأمين في الدولة سواء تلك المتعلقة بالشركات أو شركات الوساطة ووضع مزيد من الضوابط في سوق العمل خصوصا فيما يتعلق بمراجعة بالأسعار التي مضى عليها فترة طويلة.
* خدمات إضافية
مصدر آخر من وسطاء التأمين فضل عدم الكشف عن اسمه «ربما بسبب اتفاقياته مع شركات التأمين» دعا شركات الوساطة إلى تعزيز دورها لتعطي خدمات إضافية للعميل ومنها الحصول على مشورة بشأن مدى المقدرة أو الملاءة المالية لأي من شركات التأمين أو إعادة التأمين .
وهي مهمة يقوم بها بعض شركات الوساطة ذات السمة العالية والتي تعمل وفق مفهوم مهني احترافي حيث تعكف هذه الشركات على إجراء دراسات تشمل مختلف الجوانب الخاصة بشركات التأمين لتقييم أوضاعها المادية ومعرفة مدى الأمان الذي تتمتع به ليستفيد منها العميل وهي خدمة ذات قيمة مضافة تنفي عن الوسيط مهنة مندوب المبيعات فقط.
وأشار المصدر إلى ان وسيط التأمين المسجل قانونيا والذي يعمل وفق معايير عالية يختلف تمام عن ذلك الذي يعمل وفق مفهوم «الشنطة» أو الفري لانسر فهو يقدم رأيا محايدا وموضوعيا وخدمات شاملة ومستمرة حول إدارة الإخطار وإصدار بوالص التأمين والمساعدة في التسويات والمطالبات وغيرها.
وفيما يتعلق بالعمولة التي تتقاضاها شركات الوساطة أكد المصدر أن هذه العمولة تتم وفق اتفاقية مع شركة التأمين وتحتسب كنسبة مئوية من قيمة أقساط التأمين وفي بعض الأحيان يتقاضى الوسيط أتعابه من الزبون مقابل خدمات يقدمها له وهو أمر شائع ومعروف خصوصا عندما يكون حجم التأمين كبيراً.
* المتابعة المستمرة
وطالب المصدر شركات الوساطة العاملة في قطاع التأمين في الدولة بالمتابعة المستمرة لمعرفة الملاءة المالية لشركات التأمين أو إعادة التأمين وهي مقدرة متغيرة باستمرار ولذلك فإن شركات الوساطة مطالبة بالحصول على معلومات دقيقة وجديدة باستمرار حول أوضاع شركات التأمين حتى تتمكن من تزويد عملائها بمختلف المعلومات والخدمات وتقديم المشورة والنصيحة لهم.
وقال إن وسيط التأمين الذي تتهمه شركات التأمين يمثل حلقة وصل بينها وبين العملاء وهو يتحمل أكثر من 90 في المئة من التكلفة الإدارية وفي هذا تخفيف عن الشركات كما انه يقوم بالتنسيق بين مختلف أفرع التأمين في شركة تأمين واحدة وهنا تتمثل مسؤوليته في تقديم الخدمة ونوعيتها وليست مسؤولية الشركة نفسها.
وحول وجود جمعية أو مجلس ينظم عمل وسطاء التأمين أكد أن مثل هذه المبادرة ليست جديدة وتعود أساساً لاقتراح تم تقديمه من قبل وسطاء تأمين في عام 2002 بحيث يعمل المجلس اما من خلال جمعية الإمارات للتأمين أو بشكل منفصل تحت مظلة وزارة الاقتصاد.
* 10% كفاءة
ويشير البعض إلى أن شركات الوساطة التي تتمتع بمستوى جيد من الكفاءة في العمل لا تتجاوز نسبتها 10% من عدد الشركات المسجلة في السوق والتي تصل إلى 200 شركة إلا أن المشكلة لا تتمثل في عدم كفاءة الكثير منهم فهناك مشاكل أخرى في قطاع التأمين لا تقل عنها خطورة.
ومنها مثلا أن الوسيط مطالب بالبحث عن حلول تأمينية للعملاء في شركات التأمين المسجلة ذلك أن بعض الشركات لا تغطي جميع مجالات التأمين وهي تواجه مشاكل في تغطيتها وقد يؤثر سلبا على بعض القطاعات الاقتصادية.
فيما يذهب مدير إحدى شركات الوساطة إلى القول إن شركات الوساطة المرخصة والمسجلة في وزارة الاقتصاد تتم محاسبتها بدقة في حال قيامها بمخالفة ما لكن المشكلة تزداد تعقيداً عندما تلجأ شركة تأمين كبرى مثلا إلى التعامل مع شركة تجارية غير مرخصة على انها وسيط تأمين ثم يتبين أن هذه الشركة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعمل الوساطة في قطاع التأمين مشيرا إلى قضية شركة «برج الأمل» التي نشرتها «البيان» في عدد سابق لها.
وتتلخص تفاصيل القضية في أن ثلاثاً من شركات التأمين منحت هذه الشركة التجارية وهي ليست شركة وساطة ولا تحمل ترخيصاً بذلك بوالص تأمينية لها ومنحتها تسهيلات بدفع قيمة البوالص حتى ستة أشهر وهو أمر نادر في قطاع التأمين وبدون عقد مكتوب أو حتى ضمان بنكي لهذه الشركة.
وزاد عدد هذه البوالص على 500 بوليصة تأمين تصل قيمتها لأكثر من 6 ملايين درهم معظمها يغطي سيارات جديدة وفاخرة ثم تبين ان هذه الشركة لم تسدد لشركات التأمين قيمة البوالص وبالتالي رفضت الشركات التصليح للعملاء الذين يحملون بوالص تأمينية صادرة منها .
وأصبحت حقوقهم في مهب الريح لولا تدخل وزارة الاقتصاد ووصول القضية إلى المحاكم وتراجع الشركات وقبولها بمبدأ التصليح للعملاء انطلاقا من ان البوالص قانونية تماما والخطأ في شركات التأمين التي تعاملت مع هذه الشركة. وبعضها رفع قضية ضد الشركة وهي في أيدي القضاء حاليا.
ويؤكد المصدر أن إحدى الشركات قامت بتحويل نوع التأمين من شامل إلى ضد الغير دون معرفة العميل وهو أمر لا يقره القانون مادام أن وثيقة التأمين قانونية وسليمة. كما أن عدم تسديد الشركة لهذه المبالغ ليست مسؤولية العميل بل مسؤولية الشركات نفسها التي تعاملت معها منذ البداية دون عقد داعيا إلى تطوير التشريعات المتعلقة بهذا القطاع لتتلاءم مع متغيرات العصر المتسارعة.
كتب علي الصمادي: