قالت دراسة أعدها خبراء بنك التنمية الآسيوي إن هنالك 6 مخاطر يواجهها الاقتصاد الآسيوي خلال السنوات المتبقية من العقد الحالي. وحظيت الدراسة باهتمام واسع في الدوائر الاقتصادية والإعلامية باعتبارها تشكل الأرضية التي يمكن الارتكاز عليها في إعداد الخطط والاستراتيجيات المستقبلية لدول القارة الآسيوية اعتمادا على الصين كنقطة انطلاق.
وبدأت الدراسة التي نشرت فقرات منها مجلات (آسيان تايمز) و(فار إيست إيكونوميك ريفيو) و(إنترناشيونال بيزينيس ويكلى) المعنية بالشؤون الاقتصادية باستعراض سلسلة من المخاطر تلقى بظلال قاتمة على منظومة الاقتصاد الآسيوي في المستقبل المنظور.
ورأت أن الخطر الأول يكمن في أزمة الطاقة العالمية والمرتبطة جذريا باستمرار وتعاظم التداعيات القاتمة الناجمة مباشرة عن الحرب الأميركية ضد العراق حيث القلاقل والاضطرابات في الأسواق الدولية للنفط الخام علما بأن الدول الآسيوية تستورد أربعين بالمائة من احتياجاتها النفطية من دول الخليج والشرق الأوسط كما أن اليابان والصين تحتلان المركز الأول والثاني عالميا ـ على التوالي ـ كأكبر مستوردين للنفط الخام.
أما الخطر الثاني فيكمن في تباطؤ معدلات النمو الاقتصادي في غالبية الدول الغربية الصناعية المتقدمة ـ على نحو فاق كافة التوقعات ـ وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية ودول منطقة اليورو والتي تستوعب خمسين بالمائة سنويا من إجمالي حجم الصادرات الآسيوية. علما بأن التجارة البينية داخل القارة الآسيوية والتي تشكل أحد ركائز دعم اقتصاديات المنطقة لا تزال قاصرة عن تأمين الاستقرار الاقتصادي المنشود خاصة وأن جزءا كبيرا من قيمة تلك التجارة يتم إنفاقه لتغطية حزمة كبيرة من الإجراءات والتجهيزات والتي تتم غالبيتها بالاعتماد
على أوروبا وأميركا.
ويكمن الخطر الثالث في الارتفاع المطرد في قيمة العجز المالي في الموازنات العامة يوازيه ارتفاع مطرد في قيمة الديون.. ففي تايلاند والفلبين وإندونيسيا يتراوح معدل الدين العام بين 60 إلى 80 بالمئة قياسا بإجمالي الناتج المحلى الأمر الذي لا يترك أمام حكومات تلك الدول أي هامش للتصرف بالحرية في سياساتها المالية فضلا عن ارتفاع مستوى الديون المعدومة في عدد من الدول الآسيوية الأخرى وفى مقدمتها كوريا الجنوبية وماليزيا على الرغم من التقدم الكبير الذي تم إحرازه في مجال إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
بينما يتمثل الخطر الرابع في الكوارث الطبيعية التي تجتاح دول القارة على مدار العام وفى مقدمتها كارثة أمواج المد البحري (تسونامي) التي عصفت بعدد من دول المنطقة (من بينها إندونيسيا وتايلاند وسريلانكا وبنجلاديش) يوم 26 ديسمبر العام الماضي فيما تجمع كافة التقارير على أن معالجة وتجاوز آثار تلك الكارثة قد يستغرق عقدا كاملا.
أضف إلى ذلك الزلازل التي تهز آسيا على مدار العام بالنظر إلى أن غالبية دولها تقع في منطقة حزام زلازل حوض الباسيفيك. وفى هذا الصدد أشار تقرير البنك إلى أن الصين وتايوان اليابان من أكثر الدول الآسيوية تضررا بتلك الكوارث التي تشكل الخسائر المادية الناجمة عنها بين 5 إلى 7 بالمئة من إجمالي الناتج المحلي. يضاف إلى ذلك مواسم الفيضانات والجفاف وحرائق الغابات وزحف الحشرات التي تتواصل في بعض الدول إلى أكثر من ثلاثة أشهر في العام.
وفى سياق الكوارث الطبيعية لا يمكن إغفال الأوبئة الخطيرة التي تنطلق غالبيتها من دول القارة حيث سارس (الصين أكبر الضحايا) وأنفلونزا الطيور(فيتنام وإندونيسيا) والإيدز(الهند والصين) وحمى الخنازير(الصين).
وبحسب الدراسة فيتمثل الخطر الخامس في القلاقل الأمنية وزعزعة الاستقرار في منطقة آسيا والناجمة أساسا عن العمليات التفجيرية الإرهابية والصراعات المسلحة . ونبه تقرير بنك التنمية الآسيوي إلى أن القطاع السياحي يمثل الضحية الأكبر لهذا الخطر الخامس حيث يشكل أكثر من عشرة بالمائة من إجمالي الناتج المحلى لهذه الدول كما يستوعب قرابة 13 بالمئة من القوى العاملة وكل ذلك يفضى بالتبعية إلى ارتفاع معدلات الفقر والبطالة فضلا عن تقلص وتراجع حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة المتدفقة على دول القارة.
ويتمثل الخطر السادس في إخفاق دول القارة الآسيوية في السيطرة على معدلات النمو السكاني التي تفوق كافة الموارد الطبيعية المحدودة بالنهاية كما أنها تتجاوز كثيرا معدلات النمو الاقتصادي (وهنا تحديدا تأتى الصين في المقدمة والتي بلغ تعدادها السكاني 3. 1 مليار نسمة مشكلة بمفردها خمس إجمالي التعداد السكاني العالمي).
ووفقا لتقرير البنك فإنه وعلى الرغم من انخفاض معدلات النمو السكاني من 9,8 بالمئة أوائل الستينات إلى أقل من 4 بالمئة أواخر التسعينيات إلا أن هذا المعدل يبقى أعلى من المستهدف المحدد عند 5. 1 بالمئة على الأكثر لتصويب الخلل الراهن في المعادلة بين السكان والموارد.
وانتقل تقرير بنك التنمية الآسيوي إلى الحديث عن آفاق انتعاش الاقتصاد الآسيوي حيث شددت الدراسة على أنه لا سبيل إلى تأمين معدلات نمو مستقرة ومطردة إلا من خلال زيادة حجم الصادرات البينية التي تمثل المحرك الرئيسي للنمو في آسيا معززة في ذلك بمنطقة التجارة الحرة بين الصين والدول العشرة الأعضاء في رابطة جنوب شرق آسيا(آسيان) والتي دخلت مرحلتها الأولى المتعلقة بتجارة السلع طور التنفيذ خلال يوليو العام الحالي بينما ينتظر استكمال مرحلتي الخدمات والاستثمار قبل نهاية العقد الحالي وفقا لاتفاق الإطار الشامل الذي وقعه الطرفان خلال نوفمبر عام 2002.
وحسب الدراسة فإن تلك المنطقة تبدو بمثابة طوق النجاة القادر على تجنيب الدول الآسيوية مخاطر الكوارث الطبيعية وتداعيات المؤثرات الخارجية كما سيعزز قدراتها التنافسية في الأسواق العالمية معززة في ذلك بالسوق الصيني الضخم ذي الطاقات الكامنة والهائلة.
فهذه المنطقة حال استكمالها ستصبح أكبر منطقة للتجارة الحرة على مستوى العالم ـ متجاوزة نظيرتيها في كل من أميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي ـ بإجمالي ناتج محلى يصل إلى تريليوني دولار أميركي وبإجمالي حجم تجارة خارجية يصل إلى 2. 1 تريليون دولار أميركي وبإجمالي حجم مستهلكين يصل إلى 8. 1 مليار نسمة.
كما أن الاتفاقية الموقعة بشأنها تكتسب أهمية بالغة الخصوصية حيث تعد الأولى التي توقعها رابطة آسيان مع طرف خارجي كما أنها الأولى التي توقعها الصين في سلسلة جولات تفاوضية لا تزال تجريها في هذا الصدد مع كيانات إقليمية أخرى في مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي الست..
فضلاً عن أن رابطة آسيان تحتل المركز الثالث على مستوى العالم كثالث أكبر تكتل إقليمي شراكة مع الصين بعد الاتحاد الأوروبي ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والباسيفيك (أبيك) بحجم تجارى بلغ في نهاية النصف الأول من العام الحالي 76. 59 مليار دولار بزيادة نسبتها 25 بالمئة قياسا بالفترة ذاتها من العام الماضي وسط توقعات بتجاوزه سقف المئتي مليار دولار بنهاية العقد الحالي ودخول المراحل لمنطقة التجارة الحرة حيز التنفيذ.
ونوهت الدراسة إلى أن تلك الاتفاقية ستجلب فوائد جمة للطرفين على نحو سواء حيث ستحصل شركات كل طرف على فرص أفضل لدخول أسواق الطرف الآخر معززة في ذلك بقرار إلغاء كامل الرسوم الجمركية حتى مستوى الصفر بحلول عام 2010 وكذلك إلغاء كافة الحواجز غير الجمركية بما فيها جميع القيود التي لا تتسق مع قواعد منظمة التجارة العالمية وتسوية النزاعات التجارية المحتمل نشوبها في إطار آلية(10+1) التي تضم في عضويتها الصين ودول آسيان العشر وتسهيل تدفق الاستثمارات المتبادلة عبر الحدود المشتركة.
وتضمنت الدراسة أرقاما إحصائية أشارت إلى أن حجم استثمارات دول آسيان في الصين تجاوزت 60 مليار دولار أميركي في نهاية يونيو الماضي موزعة على أكثر من عشرين ألف مشروع تغطى مجالات الالكترونيات والنفط الخام والغاز المسال والزيوت النباتية والماكينات والمنسوجات مقابل 700 مليار دولار حجم الاستثمارات الصينية فى دول الرابطة تشمل نحو 15 ألف مشروع.
وخلصت الدراسة إلى القول بأنه مثلما كانت الشراكة الاقتصادية القائمة بين الصين وآسيان العامل الرئيسي الذي أسهم في تقليل التداعيات الخطيرة للأزمة التي عصفت بأسواق المال الآسيوية عام 1997 فإن تفعيل تلك الشراكة وتطويرها وتوسيع نطاقها عبر منطقة التجارة الحرة سيجعل من القارة الآسيوية القوة الرئيسية المحركة والدافعة لمسيرة الاقتصاد العالمي غير القابلة للمنافسة في عصر العولمة والمعلوماتية.
(أ.ش.أ)