الـ «خالات» ذوات الثياب الراقية، اللواتي أتين باكراً إلى الـ «ميوزيك هول»، خرجن باكراً أيضاً. بقين على مدى أغنية، أو اثنتين. ثم نظرن إلى بعضهن بعضاً، ووقفن في الوقت ذاته ومن دون تردد خرجن. .. بقيت الموسيقى للشباب الموجودين في القاعة. موسيقى قوية، تضج بالأصوات الحادة تحركت على إيقاعها يد الفتاة الشقراء، وحذاء الشابين اللذين كانا بقربي، كأنها حركات لا إرادية.
الحفلات الغنائية الشهرية التي تقام في «الميوزيك هول» في مجمع «ستاركو» في بيروت مستواها لا نجده عادة في لبنان. حفلات ينتجها المركز الثقافي الفرنسي مع ELEFTERIADES PRODUCTION، ويحييها فنانون عرب وأجانب، لليلة واحدة في كل مرة.
في الحادي عشر من الشهر الجاري، كانت حفلة للموسيقي البلجيكي «ارنو». لا يبدو على أرنو، حين يغني، إنه يبلغ 56 سنة من العمر. يبدو شاباً، شقياً، مراهقاً. كان ينسى، حين يغني، أنه لم يعد صغيراً في السن. وهو ينسى أيضاً التعب الذي سببته له حياته الحافلة بالتدخين والكحول. ينسيء، حين تبدأ الموسيقى، أنه حزين.
يغني بصوته المبحوح من كثرة التدخين، والسنين، ويغني أيضاً بجسده. لا تهدأ أطرافه عن الحركة. كأن الأصوات القوية الصادرة من آلات الموسيقى التي خلفه، ترتطم بجسده فتلوي أطرافه. كأنه يتألم منها بصمت، يتألم لكنه سعيد. أرنو أحد أشهر المغنين البلجيكيين في أيامنا هذه. شهرته هذه تطال كل بلاد أوروبا، والعالم. فهو أصدر ما يزيد على 26 ألبوماً في سنيه المهنية الثلاثين، وغنى فيها باللغتين، الانجليزية والفرنسية.
بدأ أرنو في حفلته التي أقامها في الـ «ميوزك هول»، في بيروت، شابا لعوبا نسي أنه من عمر الـ «خالات» اللواتي خرجن بعدما غنى أولى أغنياته هن خرجن، وهو بقي مع الشباب الذين ملأوا الصالة، وجلسوا أحيانا على الأرض، أو وقفوا.
يكتب أرنو ويلحن معظم أعماله. «أكتب الأغاني وكأنني أتكلم»، يقول. وهو يغني أفضل مما يتكلم، فهو حين توجه إلى الجمهور قائلاً: «أنا سعيد لأنكم تدفعون لي كل شيء. تدفعون لي أجرة الطائرة، والفندق وتدفعون لي حتى أغني، وأنا كأنني في عطلة على حسابكم». «بدا متردداً في الكلام، خجولاً، سكراناً.
هو لا يجيد التكلم، ولكنه يجيد الغناء. يغني كأنه يستسلم لشيء ما فيه أقوى منه. كأنه لا يعود سكراناً، ولا خجولاً، ولا ضعيفاً.
أهدى نفسه دون تحفظ إلى جمهور لبناني يراه للمرة الأولى في بيروت. جمهور من شباب الجامعات، الذين يعرفونه من خلال ألبوماته، والذين يفهمون كلمات أغنياته باللغتين الفرنسية والانجليزية، ويرددونها معه. ساعتان لم يتوقف فيهما عن الغناء إلا ليحضر كرسيه الأحمر إلى أمام المايكروفون، بين الأغنية والأخرى، أو ليعيده إلى مكانه، ليغني وهو واقف.
لم يرد، حين ناداه الجمهور بالهتاف وبكلمة «بيس» ليعود، كأنه فور خروجه من المسرح عاد ليصبح الرجل الخمسيني التعب والمتأثر بكمية الكحول الكبيرة التي شربها، ولم يعد قادرا على الغناء.
بيروت ـ فراس زبيب: