قرر بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أول من أمس (الثلاثاء) رفع معدل الفائدة بنسبة ربع نقطة ليصل إلى 75,3 في المئة كما نوه إلى زيادات أخرى «محسوبة» رغم الخسارة الاقتصادية التي سببها الإعصار كاترينا. وقال البنك إن خسائر الإعصار ومقدار تكلفة إعادة البناء على خليج المكسيك والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات سيكون لها تأثير قصير المدى على الاقتصاد. وتعد هذه الزيادة في معدل الفائدة هي الحادية عشرة على التوالي.
واعتقد كثير من المحللين أن البنك سوف يرفع أسعار الفائدة بمقدار ربع في المئة، لكن هناك آخرون ظنّوا أنه سيتوقف عن رفع سعر الفائدة حتى تتضح نتائج إعصار كاترينا والارتفاع في أسعار الطاقة الذي ترتب على الإعصار وتأثيرها على الاقتصاد الأميركي. ويعتقد الكثير من المحللين أن أكبر تهديد يواجه الاقتصاد الأميركي هو الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل ثلثي إجمالي الاقتصاد، وقد ينخفض تحت تأثير ارتفاع أسعار الطاقة.
ويعتقد المحللون، كما ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» ووكالة «اسوشيتدبرس» أن هناك قلقاً بشأن مشاعر المستهلكين التي يقيسها مؤشر جامعة ميشيجان، فقد انخفض هذا المؤشر بمقدار 2. 2 نقطة في سبتمبر الجاري. ويعادل هذا الانخفاض أكبر نظير له سجله المؤشر عقب هجمات 11 سبتمبر عام 2001. والمدخرات الأميركية حالياً في أقل مستوى لها، لذلك يساور القلق المحللين بأن المستهلكين قد يزدادون حرصاً وحيطة من الإنفاق، خاصة بعد المشاهد الدرامية للذين فقدوا كل شيء بسبب الإعصار كاترينا.
وقال ليل جراملي المستشار الاقتصادي الأول في مجموعة شوامب للأبحاث بواشنطن إن هذا الوقت يزداد فيه القلق والغموض بشكل كبير، وتترجم هذه المخاوف في شكل تجميد الإنفاق الاستهلاكي، ثم يتراجع النمو الاقتصادي. ويواجه الاحتياطي الفيدرالي ضغوطاً عدة، أولها القلق بشأن التراجع الاقتصادي المترتب على إعصار كاترينا بسبب خفض الإنفاق الاستهلاكي. كما أن الخوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى تزايد معدل التضخم مصدر ضغط آخر.
ويرى الاحتياطي الفيدرالي أن مهمته الأولى هي السيطرة على التضخم. ويقول مارك زاندي الخبير الاقتصادي في موقع «إيكونومي دوت كوم» إن الاحتياطي الفيدرالي قد يريد التحرك الآن، وقد يتوقف عن اتخاذ أية خطوات لمدة شهرين حتى الاجتماع المقبل. وقال زاندي إنه ستكون هناك بيانات اقتصادية سيئة في نوفمبر بسبب آثار إعصار كاترينا، وقد يسبب ذلك صعوبة في اتخاذ خطوات من جانب الاحتياطي الفيدرالي.
وسيكون أمام آلان غرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي ثلاثة اجتماعات فقط للبنك، قبل أن يتقاعد في مطلع العام المقبل. ويقول ديفيد ويس إن هذ قد يكون مؤشراً عما إذا كان البنك سيتخذ إجراءات معينة أم لا. وديفيد ويس هو الخبير الاقتصادي في ستاندارد آند بورز، وأضاف أن جرينسبان في اتجاه التقاعد ويريد رفع سعر الفائدة قبل أن يترك منصبه.
وقد بدأ البنك المركزي الأميركي رفع أسعار الفائدة منذ يونيو 2004 عندما رفع أسعار الفائدة بين البنوك بعد ان كانت 1% وهي أقل فائدة منذ 40 عاماً، ورفع السعر بعد ذلك عشر مرات كل منها 25. 0 في المئة، آخرها في أغسطس الماضي، وتصل هذه الفائدة حالياً إلى 5. 3%، وهي الأعلى منذ مطلع سبتمبر 2001. وسعر فائدة قروض البنوك التجارية التي تعتبر المؤشر الرئيسي لملايين القروض الاستهلاكية والتجارية كان 5. 6% قبل اجتماع البنك الفيدرالي أمس، وهي أيضاً الأعلى منذ 4 سنوات.
وحتى إذا كان البنك قد قرر وقف رفع أسعار الفائدة، يعتقد المحللون ان هذا التوقف سيكون مؤقتاً ما دام الاقتصاد يستعيد عافيته بسرعة عقب ضربة إعصار كاترينا ويعتقد كثير من المحللين ان غرينسبان يريد ان يصل سعر الإقراض بين البنوك إلى نحو 4 ـ 5. 4% عندما يحين وقت تقاعده، في 31 يناير المقبل، وقد أعلن البنك المركزي مؤخراً ان أول مناقصة لأسعار الفائدة في 2006 ستكون قبل 31 يناير أول فبراير لتجنب التضارب بين الرئيس الحالي والمقبل للبنك.
* غرينسبان والذهب
من المعروف عن ألان غرينسبان رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي انه يتبع أسعار الذهب في سياسته النقدية والمالية لأنه يعتقد انه مؤشر مفيد لتوقعات معدل التضخم، وتأمل وول ستريت جورنال ان يتبع غرينسبان المؤشر نفسه في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي لتقييم الأثر الاقتصادي لإعصار كاترينا، حيث ارتفع سعر الذهب إلى 467 دولاراً للأونصة.
وقد يكون الارتفاع في سعر الذهب هو رد فعل للتكهنات بأن الاحتياطي الفيدرالي قد يرتكب خطأ التوقف عن رفع سعر الفائدة في أعقاب إعصار كاترينا.وقد ارتفعت أيضاً عائدات السندات ذات استحقاق 10 سنوات، حتى أسعار الطاقة والصلب والخشب والاسمنت وسلع أخرى ارتفعت مقابل ما كانت عليه قبل الإعصار.
ويعني هذا الارتفاع ان التوقف عن رفع أسعار الفائدة الآن سيكون خطأ، والذين يؤيدون ذلك يشملون التجار الذين يخشون ان يكونوا ضحايا ارتفاع عائدات السندات، والمستثمرين في المنازل وكل الذين لا يريدون ان يتوقف التوسع الاقتصادي، وغالباً ما تسود هذه المشاعر وسط كل دورة من دورات سياسات الاحتياطي الفيدرالي، وهناك مبالغة فيها هذه المرة بسبب إعصار كاترينا.
لكن الاحتياطي الفيدرالي لا يستطيع ضبط معدل النمو الاقتصادي بدقة، بل مهمته الأولى هي الحفاظ على استقرار الأسعار، ويعتقد المحللون في وول ستريت جورنال ان جرينسبان لا يريد ان يترك لخلفه في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي تخبطاً في السياسة النقدية في عامي 2006 و2007، بعد تقاعده. ومن المؤكد ان إعصار كاترينا سوف يخفض النمو الاقتصادي خلال الربع الثالث ويحتمل الرابع أيضاً.
لكن الاحتمال الأكبر أن يكون ذلك بلا كساد، وسوف تؤدي إعادة بناء مرافق ساحل الخليج (المكسيكي) إلى رفع معدل نمو إجمالي الناتج المحلي خلال نهاية العام الجاري ومطلع العام المقبل. فإذا حافظ البنك المركزي على استقرار الأسعار، فسوف يقوم القطاع الخاص بباقي المهمة.
* رسالة من سوق السندات
وقد وجه سوق السندات للبنك المركزي رسالة مفادها أن معدل التضخم يحتمل أن يرتفع مهما فعل. وتوقع غالبية خبراء الاقتصاد أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة للمرة الحادية عشرة خلال 15 شهراً. ورغم ذلك فإن المستثمرين في سوق السندات يطالبون بعائدات أعلى على السندات طويلة الأجل، حيث يتوقعون ارتفاع معدل التضخم عند إنفاق الحكومة والشركات والأفراد مليارات الدولارات لإعادة بناء ما خرّبه إعصار كاترينا.
ويقول ديفيد بلوك مدير صندوق استثماري في مجموعة فانجارد إن إعادة بناء منطقة شاسعة على وشك البدء، وهذا في حد ذاته لا بد أن يرفع معدل التضخم. وكانت أسعار الفائدة قصيرة الأجل وطويلة الأجل متقاربة قبل إعصار كاترينا، وهي إشارة على أن المستثمرين توقعوا أن يؤدي رفع أسعار الفائدة من جانب الاحتياطي الفيدرالي إلى تهدئة النمو الاقتصادي أو حتى دخوله في ركود،
وعندها يضطر البنك المركزي إلى خفض أسعار الفائدة مرة أخرى، لكن هذا التقارب انعدم الآن، حيث بلغ الفارق 32. 0% مقابل 12. 0% في 29 أغسطس. وتوقع استطلاع شمل 22 بنكاً رئيسياً في وول ستريت أول من أمس أن يتوقف الاحتياطي الفيدرالي عن رفع سعر الفائدة في أحد اجتماعاته الثلاثة الباقية في العام الحالي. لكن إعصار كاترينا، وإعصار ريتا المداري زادا من غموض الوضع.
وسوف تتضح آثار إعصار كاترينا على أسعار الوقود ومواد البناء في البيانات التي تصدر في أكتوبر على أقرب تقدير، مما جعل من الصعب على الاحتياطي الفيدرالي والمستثمرين فهم ما يحدث في الاقتصاد حالياً. لكن حتى المستثمرين الذين توقعوا أن يرفع الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة قصيرة الأجل اعتقدوا أن مخاطر ارتفاع معدل التضخم في تزايد.
ترجمة: أشرف رفيق
