جاء تصنيف دول الخليج في تقرير التنمية البشرية لعام 2005، والذي أعلن عنه الأسبوع الماضي قبيل انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة هذا الأسبوع، على النحو التالي قطر في المرتبة 40 والإمارات 41 والبحرين 43 والكويت 44 وعمان 71 والسعودية 77 .

وذلك وفقا للتصنيف السنوي الذي يعده برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، استنادا إلى مستوى التعليم والدخل الفردي ومعدل اعمار الأفراد ويشمل 177 دولة. وجاءت بقية الدول العربية ليبيا في المرتبة 58، ولبنان (81)، تونس (89)، الأردن (90)، الأراضي الفلسطينية (102)، الجزائر (103)، سوريا (106)، مصر (119)، المغرب (124)، والسودان (141).

وعلى الرغم من التصنيفات المتقدمة التي حظيت بها معظم الدول الخليجية، فان مقارنتها مع ما توفر ويتوفر لهذه الدول من إمكانيات مالية ضخمة يدفعنا للقول ان هذه المراتب لا تزال دون الطموح، خاصة إذا ما أضفنا عوامل أخرى تكتسب أهمية متزايدة في مفهوم التنمية البشرية التي باتت الأمم المتقدمة تتبناها .

وأن لم تدخل ضمن تقييس هذه المراتب. ونعني بذلك تحديدا التنمية البشرية القائمة على دمج المعارف والانجازات الاقتصادية المتحققة بالبيئة المحلية (مناهج التعليم ومعاهد التدريب والكليات التقنية وأجهزة اقتصادية توجيهية واستشارية) .

وتمكين العنصر البشري من امتلاك هذه المعارف والإنجازات وتحويلها إلى معارف وانجازات وطنية (بمفهوم تملك المعارف والتقنيات الملازمة لها والناجمة عنها من قبل أجيال متعاقبة) وبالتالي أيضاً ضمان تطويرها والبناء عليها في جهود إبداعية وتطويرية مما يجسد مفهوم المشاركة الاجتماعية الذي نشير إليه.

لقد كانت هناك جهود ضخمة في مجال التعليم بكل مراحله بدول المنطقة وامتلأت مؤسساتنا وشركاتنا وأجهزتنا الحكومية بالشباب المتعلم. لذلك، فان المطوب حاليا تطوير قدرات دول المنطقة في إخضاع حلقات التنمية الرئيسية ـ وخاصة المستقبلية منها ـ تحت سيطرتها الكاملة وأن تكون قادرة تقنيا وعلميا على توجيهها الوجهة التي نريدها مستقبلا.

كما ان نمادج التنمية بدول المنطقة يجب أن تتجه نحو تكريس واضح لمبدأ المشاركة في تحمل المسؤولية والأعباء. فعندما تتوجه هذه الدول إلى تسعير بعض الخدمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تقدم في السابق مجانا أو بأسعار رمزية من الضروري أن يتزامن مع ذلك تطوير الوعي والثقافتين الخاصتين بالمشاركة الاجتماعية.

كذلك الحال بالنسبة لربط الدخل بالإنتاجية والكفاءة حيث بات من الواضح ضرورة وجود هذا الربط وهو موضوع قائم بذاته وبحاجة إلى التعمق والدراسة.

أيضاً الحديث ينطبق على الكثير من المهن الحرفية والمتوسطة التي ظلت حتى أمد قريب بعيده عن هوى المواطنين ورغباتهم مما استدعى رفع شعارات مثل إعادة التأهيل الثقافي والاجتماعي لدى الشباب من اجل تقبل هذه المهن. والموضوع بطبيعة الحال مرتبط بعناصر أخرى وخاصة تحسين شروط العمل وسن القوانين الاجتماعية التي تزيد من جاذبية هذه المهن.

ان التنمية القائمة على مفهوم المشاركة الاجتماعية لا يجب ان ينصرف إلى مفهوم تحميل المواطنين بجزء من النفقات الحقيقية لتشغيل مرافق البنية التحتية فقط بل يجب ان ينصرف أيضاً إلى مشاركة المواطنين في تحمل المسؤولية المباشرة في صيانة وتسيير المرافق الخدمية في الحي الذي يقيمون فيه، والطريق الذي يستخدمونه والمستشفى والمدرسة والنادي الذي يقدمون خدماتهم إليها.

كما يجب ان ينصرف إلى إقامة توازن واضح بين العبء والمردود المقابل بحيث يتم الحفاظ على الهدف العام وهو إبقاء وتطوير مستويات المعيشة للمواطنين وبنفس الوقت إيجاد مصادر دائمة لتطوير وصيانة تلك المرافق والخدمات.

كما يجب أيضاً تحسيس المواطنين بالمردودات الاجتماعية والمادية لهذه المشاركة وليس بمسؤولياتها فحسب، وقد تم تحويل العديد من المرافق الأساسية في الدول المتقدمة إلى نوع من الشركات أو المؤسسات المساهمة العامة أو المحدودة التي تحاول ان تسير نفسها اعتمادا على نفسها أو بمساعدة محدودة ومدروسة من الدولة.

ويخلص التقرير بالتركيز على ثلاث ركائز للتعاون، يستلزم كل منها الترميم على نحو عاجل، الركيزة الأولى: هي المساعدات الإنمائية، حيث تشكل المعونة الدولية استثماراً أساسياً في التنمية البشرية، ويمكن قياس عائدات ذلك الاستثمار من زاوية القدرات البشرية الكامنة، عندما يطلق لها العنان بتفادي الأمراض والوفيات الممكن تلافيها، وتوفير التعليم لجميع الأطفال.

والتغلب على مختلف أنواع اللامساواة بين الجنسين، وخلق الأوضاع الكفيلة بنمو اقتصادي مستدام، في الوقت الراهن، تعاني المساعدات الإنمائية مشكلتين: هما النقص المزمن في التمويل، والنوعية الرديئة، وقد حدثت تحسينات على هاتين الجبهتين كلتيهما، لكن مازال هناك قدر كبير مما ينبغي فعله لسد الفجوات في تمويل الأهداف، وتحسين مردود القيمة.

الركيزة الثانية هي التجارة الدولية: إذ يمكن للتجارة، في الأوضاع الصحيحة، ان تكون بمثابة حفاوة قوية للتنمية البشرية، وكانت «جولة التنمية» في الدوحة التي أطلقت إبان محادثات منظمة التجارة العالمية عام 2001.

قد وفرت لحكومات البلدان الغنية فرصة خلق تلك الأوضاع، لكن أربع سنوات انقضت دونما تحقيق أي شيء ذي مغزى، فالسياسات التجارية للبلدان الغنية تحرم البلدان الفقيرة والفقراء من حصة عادلة في الازدهار العالمي.

ـ وتتحدى الالتزام المعقود في إعلان الألفية ـ علما بأن للتجارة إمكانا، يفوق ما للمعونات إلى حد كبير، كي تزيد حصة أفقر بلدان العالم وشعوبه من الازدهار الكوني، فتقييد تلك الطاقة الكامنة، عبر سياسات تجارية غير منصفة، يتناقض مع الالتزام بالأهداف الإنمائية للألفية، أكثر من ذلك، فانه جائر ونفاقي.

ثالثة ركائز التعاون هي الأمن، لان النزاعات العنفية تفسد حياة مئات الملايين من بني البشر، كما أنها مصدر لانتهاكات حقوق الإنسان بانتظام، وعائق في وجه التقدم نحو أهداف التنمية للألفية.