وافق مجلس الشيوخ الأميركي مؤخراً على السماح للحكومة الأميركية بمقاضاة منظمة «الأوبك»، في خطوة مثيرة للتساؤلات والجدل، تحت زعم أن هذا الإجراء جائز استناداً إلى القوانين الأميركية لمكافحة الاحتكار!

.. وعلى الرغم من إثارة مثل هذه الخطوة لدهشة واستغراب الأوساط القانونية العالمية وللعديد من الأسئلة أبرزها ما يتصل بالخلط في العلاقة بين القانون الأميركي والقانون الدولي. والذي يطرح السؤال واضحاً «هل القانون الأميركي فوق القانون الدولي؟».

وعلى الرغم من إدراكنا أنها خطوة انفعالية متسرعة وغير مدروسة، ذلك أنها جاءت كاحتجاج غاضب ورد فعل على ارتفاع أسعار النفط التي تجاوزت الستين دولاراً للبرميل حينها بما يؤثر سلباً على معدلات النمو الاقتصادي العالمي إلا أننا مع ذلك نطرح على أنفسنا السؤال التالي:

من يتحمل مسؤولية ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية.. بما يتبع ذلك من أعباء على اقتصادات الدول الصناعية والنامية معاً من جراء أزمة الطاقة.

وفي محاولتنا للإجابة عن السؤال الأول لا نجد أن دول الأوبك في حالة دفاع من موقع المتهم «بالاحتكار والتلاعب في أسعار النفط» كما يزعم الشيوخ الأميركيون بقدر ما تأتي هذه الإجابات تدليلاً على افتقار هذه الخطوة الأميركية للمشروعية القانونية الدولية من جهة، وإلى الموضوعية والدقة في تشخيص الأسباب التي تدفع بالأسعار إلى الارتفاع من جهة أخرى.

وتكفي الإشارة إلى كل التقارير الأميركية الأخيرة التي تبرأ أوبك بل وتشيد بتعاونها في الأزمة بزيادة الإنتاج على حدوده القصوى حيث بلغ 400,30 مليون برميل عبر عدة زيادات متتالية، بل إن هذه التقارير حددت بوضوح أن الاختناقات التي تواجهها مصافي النفط الأميركية.

هي من الأسباب الرئيسية لارتفاع الأسعار إلى مستوياتها القياسية الحالية، فلم تعد الأزمة أزمة في كم العرض بقدر ما أصبحت أزمة في الكيف من النفط المكرر، وربما يلزم أن نعود إلى تفصيل هذا الموضوع في مقال تالٍ.

وتعليقاً على السؤال المتصل بالعلاقة بين القانون الأميركي والقانون الدولي، نقول: في هذه الخطوة المثيرة للجدل والتي جاءت في أعقاب إجازة مجلس الشيوخ الأميركي لمشروع قانون للطاقة يهدف إلى مواجهة أزمة الطاقة.

ويسعى إلى توفير مصادر بديلة وزيادة الإنتاج المحلي من النفط، في أجواء غاضبة من جراء ارتفاع أسعار البترول في الأسواق العالمية، لعل بعض الشيوخ الأميركيين الذين تبّنوا هذه الخطوة قد اختلط عليهم شعورهم بالولاية على حكومتهم بشعور خاطئ بولايتهم على حكومات العالم.

من هنا انزلق هذا التشريع إلى الخلط بين حدود ولاية القانون الأميركية وحدود ولاية القانون الدولي، خصوصاً وأن منظمة الأوبك ليست إحدى الولايات الأميركية.

وهنا نشير إلى أن هذا الخلط في الرؤى وهذا الانزلاق في التشريع لم يكن رؤية دول الأوبك وحدها بل استوقف بعض الحكماء من الشيوخ الأميركيين أثناء مناقشة القانون.

وتنتقل جريدة «هداية نت» الإلكترونية لنا مشهداً مما دار في جلسة مجلس الشيوخ بما يشير إلى استنكار ودهشة بعض الشيوخ الأميركيين أنفسهم لمثل هذه الخطوة وعدم مشروعيتها..

ففي حين علق السيناتور الجمهوري «مايك ديواين» الذي اشترك في تقديم التعديل الخاص بمقاضاة «أوبك» مع زميله الديمقراطي «هيرب كول» بالقول: إن أسعار الغاز والنفط مرتفعة جداً وحان الوقت لفعل شيء في هذا الصدد».

علق زميله الديمقراطي «كول» قائلاً: «لو أن أوبك مجموعة من الشركات العالمية الخاصة لا حكومات أجنبية، لكان تصرفها خطة غير قانونية للتلاعب بالأسعار». وتجدر الإشارة إلى أن قوانين مكافحة الاحتكار الأميركية تمتد آثارها إلى الشركات سواء المحلية أو الأجنبية في الولايات المتحدة، بينما تقع الشخصية القانونية كمنظمة تضم دولاً ذات سياسة خارج إطار هذه القوانين.

من جانب آخر وصف السيناتور «بيت دومينيشي» هذه الخطوة المقترحة بأنه «أمر لا يصدق» ! في الوقت الذي نبه فيه زملاءه الشيوخ قائلاً: «هذه حكومات ذات سيادة، وأن نقرر نحن هنا في قاعة مجلس الشيوخ أننا سنؤسس محكمة ما أو شكلاً ما من أشكال مقاضاة تكتل أوبك لهو أمر لا يصدق.

واستبعد بعض النواب أن يبقى هذا الإجراء قائماً في القانون النهائي عندما يتم التوفيق بين مشروع القانون المطروح على مجلس الشيوخ والمشروع الذي أقره مجلس النواب في ابريل الماضي. وكان مجلس الشيوخ الأميركي أجاز مشروع قانون للطاقة يضاعف استخدام الإيثانول الذي يرتكز على الذرة بحلول عام 2012، ويعزز من كفاءة شبكة الكهرباء.

ويعرض حوافز وإعفاءات ضريبية مقدارها 16 مليار دولار لزيادة الإنتاج المحلي، ووفقاً لموقع «عرب أو لاين» يجب التوفيق بين المشروع وبين خطة للطاقة تتكلف 8 مليارات دولار أقرها مجلس النواب الأميركي وذلك قبل إرسال الصيغة النهائية للمشروع إلى الرئيس الأميركي بوش للتوقيع عليه

. إن زيادة الطلب الذي هو الأساس الاقتصادي الأول لارتفاع الأسعار والمسؤولة عنه السياسة النفطية الأميركية وفقاً لخططها الاستراتيجية.. لا يجعل من حق مجلس الشيوخ الأميركي ولا الحكومة الأميركية الانزلاق إلى إجراء من نوع مقاضاة أوبك.

مستشار اعلامي