في بداية هذا المقال سأحاول رسم صورة كاريكاتيرية عن العلاقة ما بين التكنولوجيا والقانون، وليس الهدف من ذلك استظهار جانب من قدراتي التخيلية، ولكن حقيقية الأمر أن العلاقة ما بين التكنولوجيا والقانون لا تختلف كثيرا عن تلك العلاقة ما بين شخصيتين بارزتين في عالم الكرتون، السادة توم وجيري.
فهاتان الشخصيتان تقدمان نموذجا رائعا للعداء الطبيعي ومحاولة كل منهما السيطرة على مقدرات الآخر، ولكن الحقيقة المسيطرة على هذا الصراع أنه لا أحد منهما يستطيع تدمير الآخر، بل الأعمق من ذلك أن لا أحد منهما يستطيع الاستغناء عن الآخر.
كذلك و ضع التكنولوجيا و القانون.
عندما تكون قانونيا، وتجالس أصدقاء لك يعملون في حقل التكنولوجيا، فان الحوار الدائر سينتهي بجملة استغرابية منه تقول «لماذا تعقدون الحياة و التكنولوجيا تقوم على أسس تبسيطها، وتلبية حاجات الناس بطرق سريعة وفعالة؟ ».
وأنت يمكنك القول إنه «نحترم التكنولوجيا ولكن دون الضوابط القانونية سيحل ذلك على المجتمع بدمار» وينتهي الحوار دون أن يقنع أحدنا الآخر، ورغم إيمان كل منا مدى حاجتنا للآخر. دعني أسألك أنت عزيزي القارئ هل تظن أن هذا الحوار فلسفي؟ لماذا نعتقد بأن التكنولوجيا تعد تحدياً للقوانين؟
في مقال هذا الأسبوع سأطرح هذا السؤال على مستخدمي الخدمات مثل الـ iTune و MP3 و فيديو حسب الطلب.
الـ iTrip هل هو بث جيبي أم بث واسع النطاق؟
للإجابة على هذا السؤال بوضوح، ينبغي علينا أولاً فهم السلوك التكنولوجي المرتبط بفكرة التغير، فيما يتعلق بالخدمات والمنتجات. ويمكننا البدء بثورة جهاز الآيبود ipod والبث عن طريق جهاز الآيبود. الـ ipod هو جهاز سمعي محمول يتم تخزين فيه ملفات سمعية مثل الموسيقى والأغاني.
ويعد البث عن طريق جهاز الآيبود أحد أنظمة البث وفقاً للتعريف القانوني للبث. إنه ببساطة برنامج يمنحك القدرة على برمجة برامجك الخاصة والاستماع إلى أي شيء تريده أيما كان.
وأينما كنت من خلال جهاز الـ ipod. تكون البرامج التي يتم بثها معدة من الوسائل الإعلامية، مثل الإذاعات والمواقع الالكترونية التي تضع محتوياتها السمعية والتي يتم تحميلها على جهاز الكمبيوتر عن طريق الإنترنت أو تلك التي يعدها أي هاو في منزله و يحملها إلى جهاز الـ ipod.
و هذه العملية على عكس إرسال واستقبال الصوت المتدفق Streaming والذي يتطلب من الفرد الاستماع في ذات الوقت الذي يتم فيه البث دون قدرته على التحكم في المادة المذاعة، فإن البث الجيبي يمكن الشخص من التحكم في كيفية ووقت الاستماع لبرامجه المفضلة.
جهاز الـ ipod بنفسه ليس هو المشكلة إنما عندما يتم التقاء هذه التكنولوجيا بتكنولوجيا الـ iTrip التي تمتلكها ذات الشركة يأتي هنا عنصر الخوف الحقيقي. وبفضل الـ AirTuneiTrip و iTrip فإن تكنولوجيا الشبكات اللاسلكية الجديدة الخاصة بـ Apple تضع مجموعة موسيقى الـ iTune الخاصة على سماعات بعيدة في أي مكان بالمنزل أو السيارة.
أو حتى في حديقة عامة، وخلاله يمكن تشغيل موسيقى أو اية مادة سمعية على زوج من السماعات الموصلة، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في الحفلات المنزلية والنزهات الخلوية أو المناسبات الاجتماعية، ولكن السؤال هو: ما شأن القانون في ذلك؟
الجواب مرتبط في حقيقة أن جهاز الـ ipod يمكنه تشغيل الموسيقى تحت مفهوم البث، ويعني ذلك بث المادة المخزنة باستخدام ترددات موجة الـ FM , التي تكون متوفرة بفضل جهاز الـ iTrip , الذي يقوم بالبحث عن تردد يمكن تشغيله دون الحصول على ترخيص من السلطات، الأمر الذي يجعل من سلطة الرقابة على استخدام الموجات والترددات .
ومنع التداخل أو التشويش وسلطة الرقابة على المحتويات المذاعة بعيدة عن فرض قيودها. صحيح أنه حتى الآن الجهاز معد لتشغيل موجة طولها 1,88 الى 9,107 ميغاهارتز، وهي مسافة قصيرة، إلا أن السؤال هو: ألا يمكن أن تكون هذه هي البداية ؟
بالنسبة للقضية القانونية فهي تعريف البث واسع النطاق. فقد عرّف الكثير من المشرعين القانونين البث بأنه توزيع إشارات صوتية ومرئية «برامج» على عدد من المستقبلين «مستمعين أو مشاهدين» ينتمون إلى مجموعة كبيرة.
قد تكون هذه المجموعة هي العامة أو جمهور كبير نسبياً من ضمن العامة. وعليه، فإن التحدي الحقيقي هو قدرة الجهاز على البحث على الموجات غير المحددة، وبث المحتوى إلى مدى معين من الجمهور.
ولأن المحتوى يتم وينقّح بواسطة أفراد، ولأن التكنولوجيا قد خلقت الفرصة لاستخدام هذا المحتوى وبثه، بدون أي تطبيق قانوني من قبل السلطات، أو أي تخصيص قانوني للموجة «التردد»، فإن ذلك قد يهدد البناء الكامل لتخصيص الموجات أو التردد. وقد يزداد هذا التهديد بالزيادة المطردة للتكنولوجيا على تضعيف القوانين المعدة لهذه الخدمات.
وكذلك ما هو أسوأ سوء استخدام هذه التكنولوجيا من الناحية الأمنية لذلك لم يكن من المستغرب أن بعض الدول الأوروبية منعت بيع هذا المنتج للعامة و الذي تجده متاحا في الأسواق المحلية.
البث عبر الويب و الـ MP3 :
هناك الكثير من أنواعاً البث عبر الإنترنت تتدرج بين مواقع الدردشة البسيطة والاستماع إلى الموسيقى ومواقع محطات البث الإعلامي، التي تقوم بتخزين وبث برامجها. وهي تقدم أيضا أنواع متطورة من الخدمات، التي تقوم بتشغيل محتواها الخاص وتوفيره مقابل أجر أو بدون رسوم في بعض الأحيان..
ويبدو أن البث عبر الإنترنت سوف يستمر في إنتاج أشكال جديدة من الخدمات، بحيث لن يكون من السهل تحديد تعريف ثابت لهذه الخدمات. كما أن البث عبر الإنترنت يعرف أيضا بالبث عبر الويب أو وسائط الإعلام المتدفقة streaming حيث تعتمد على هذا النوع من التكنولوجيا.
إن الطريقتين الأوليتين لمشاركة الموسيقى مباشرة عبر الإنترنت هما البث عبر الويب والـ MP3. ويعد الـ MP3 صيغة ضغط تقوم بعملية ضغط الملفات الصوتية، بحيث يمكن تخزينها ونقلها بسهولة ويسر. بينما اسطوانة الصوت التقليدية الـ CD قد تحمل عشر أغانٍ على الأكثر، فإن القرص المدمج بصياغة MP3 يتضمن ما هو أكثر من عشرة ألبومات غنائية كاملة. إن المقياس العام للضغط هو نسبة من 1 إلى 10 ، والذي ينتج ملفاً بسعة أربعة ميجا بايت لأغنية مدتها ثلاث دقائق. ورغم ذلك؛ فقد وجد مبرمجون آخرون بدأوا في عمل برمجيات جديدة لمستخدمي MP3 والتي تشمل مشفرات مثل «rippers» والتي سمحت للناس بنسخ الأقراص الموسيقية المدمجة الأصلية لأجهزة الحاسوب خاصتهم عن طريق نقل الأغاني بشكل منفصل.
ومشغلات MP3 جديدة مثل «Rio» , والذي سمح للناس بالاستماع إلى موسيقى MP3 في أي مكان. إن إحدى مميزات الموسيقى المنقولة بواسطة برنامج أو صيغة الـ MP3 هو قلة الدواعي الأمنية للتشغيل وقلة خواص التشغيل المرفقة بهذه الأغاني، حيث يمكن للناس تحميل .
ومقايضة الأغاني، بحيث يكون من الصعب آنذاك تحديد مصدر الملف الأصلي، وكم من النسخ غير الأصلية تم نسخها. وقد عرض هذا النوع من مشاركة الملفات حقوق النسخ والطبع لخطر.
وخلق ساحة مفتوحة من أجل اختراقات حقوق النسخ في مجال صناعة الموسيقى والأفلام. وقد اعتقد الكثيرون لمدة طويلة أن هذه الرهبة تنصب فقط على أسواق الإنتاج الإعلامي في الولايات المتحدة وأوروبا. ولكن ما حدث بالفعل أن هذه التقنية أتت على إنتاج الأفلام والموسيقى في الأسواق غير التنافسية، مثل الأسواق العربية، إلى دمار كبير في سوق الـ CD و الـ DVD .
حيث نجد أن هذه الأسواق تنحصر في دول التعاون الخليجي والشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا. وعليه، فإن القدرات التي خلقتها التكنولوجيا قد خلقت مجالاً فسيحاً لإضعاف الصناعة من الناحية التجارية. فالشركات المنتجة للمواد السمعية والمرئية باتت تعاني من خسائر فادحة. ولكن لندع مشكلة التجار فهم أجدر للدفاع عن أنفسهم ودعونا نتحدث في المشكلات القانونية.
في قضية جمعت UMG Recording ضد MP3.com, Inc , حيث جاء الحكم على أنه اعادة إنتاج للمواد السمعية من الCD الى MP3 لم يحول المنتج و لكن اخترق حقوقا محمية بالقانون، وهذا يعني أن التكنولوجيا المستخدمة في عملية نقل المادة السمعية أصبحت أدوات ساعدت على ارتكاب هذا الانتهاك.
ولكن لغرض تفنيد هذه القضية لابد للإشارة أن المادة السمعية التي ينقلها الشخص من الCD إلى MP3 تأتي من النسخة الأصلية التي يمتلكها الشخص.
هناك قاعدة مهمة في القانون الأميركي وهي قاعدة Fair use أو عدالة الاستخدام، وتعني استخدام المادة المحمية لغرض غير تجاري وطبيعة المادة وكمية المادة المنسوخة وتأثير فعل النسخ على السوق، متى توافرت هذه القواعد مجتمعة يمكن تبرير حق النسخ.
ولكن في هذه الفضية لم يصل الحكم لهذه النتيجة. السؤال القانوني هنا هل التكنولوجيا التي تسمح لنا الاستماع ومشاهدة المواد السمعية والبصرية عبر و سائل الانترنت هي ذات التصنيف مع التكنولوجيا التي تسمح بنقل تلك المواد وتحميلها وخزنها وإعادة إنتاجها تتمتع بذات التصنيف وذات المسؤولية القانونية ؟ أعتقد أن الجواب سيكون لا.
الفيديو حسب الطلب «VOD»:
توفر خدمة الفيديو حسب الطلب بكونها خدمة متفاعلة مع المستهلك بصور متعددة ومتفرقة من خلال شبكات الاتصالات . يمكن للمستخدمين تحميل برامج الفيديو من «server» من خلال شبكات اتصالات متعددة عادية بفضل خدمات الفيديو حسب الطلب والبحث أيضا عن محتويات البرنامج باستخدام وظيفة الـ VCR الافتراضية.
تمكن وظائف الـ VCR الافتراضية والمشابهة لوظائف الـ VCR الحالية وظائف مثل التشغيل والإيقاف والتوقف المؤقت والتسريع والإعادة والتسجيل وما شابه من الوظائف.
يعد الـ VOD من الخدمات المتقاربة، ليس فقط لأنها تستخدم كل من شبكات الاتصالات المتعددة وشبكات البث المدمجة ولكن لأنها تستخدم محتويات شبكات الاتصالات المتعددة وشبكات البث المدمجة أصبح الفيديو حسب الطلب موضوعاً للبحث والاهتمام لشركات الاتصالات المتعددة وشركات الحاسوب وكابلات البث. إن حل مشكلة تخزين واستعادة الفيديو سيسمح بالتكامل الفعال للنص التقليدي وبيانات الصور.
ولذلك فإن توفير توصيل الفيديو المضمون يعتبر أمراً حيويا لدعم تطبيقات الوسائط المتعددة الموزعة في المستقبل. وإذا ما أمعنّا التفكير بأن قدرة موفري خدمة التلفزيون المدفوعة على خلق سوق من أجل الفيديو حسب الطلب قدرة ثورية، فإن التغييرات المستقبلية التي ستوفر قدرات بث حرة سوف تعيد تشكيل الأسواق خاصة مع النظام الرقمي للأجهزة التلفزيونية الـ HDTV.
ومع ذلك، فإن القضية الحقيقية والمتعلقة بالفيديو حسب الطلب هي خلق مبدأ تقييد البث وتحديده أو حتى نوع الخدمات المدعمة. ويكمن الغموض القانوني في قدرة موفر المحتوى على استهداف مستهلك بعينه في منطقة زمنية معينة.
وليس ذلك ما نسميه ضمن مفهوم البث. حيث يعتمد المفهوم التقليدي للبث على أنه إرسال موجات من نقطة واحدة للكثير من النقاط داخل نفس نطاق المنطقة الزمنية. ولذلك فإن الأمر بات صعباً لتعريف هذه الممارسة كبث عام أو خدمة من خدمات الكابلات بغض النظر عن آليات استقبال المحتوى.
ولعل ذلك هو السبب الذي جعل خدمات الفيديو حسب الطلب التي يتم توفيرها بالفنادق قد ارتبطت باعتبارات خاصة في إطار قانوني. أما اليوم فقد خلقت شبكة الإنترنت فرصاً وقدرات لتبادل الملفات كما أن شركات الاتصالات المتعددة تستطيع القيام بنفس الخدمات. إذن كيف سيصنف القانون هذه العملية عندما تسمح التكنولوجيا بتبادل المواد عبر أجهزة التلفزيون الخاصة.
وختام هذه المقالة نطرح سؤالا لا يقل أهمية عن كل ما سبق حول إمكانية جدوى فصل السلطات المعنية في شؤون ترخيص الجوانب الفنية مثل حقوق استخدام الموجات والترددات ومراقبة حدود تلك الاستخدامات.
وتلك السلطات المعنية بترخيص المؤسسات التلفزيونية و الإذاعية و غيرها من الوسائل الإعلامية في عصر تتحكم فيه التكنولوجيا وتجعل من مؤسسات الاتصالات الأكثر قربا للدخول إلى عالم المؤسسات الإعلامية.