الأفكار العظيمة تولد في اللحظات الحاسمة لتتحول إلى دليل يرشد الآخرين إلى الهدف، ولعل منظمة القيادات العربية الشابة التي ولدت في دبي قبل عام ونصف العام أدركت مبكرا أن المجتمع العربي لا يعاني من الفقر وقلة الموارد بقدر ما يعاني من الهدر المزمن لأهم ثرواته وموارده قاطبة ألا وهو الشباب الذي فقد في عصر العولمة بوصلته والقدرة على تحديد أهدافه وأحلامه في بناء مستقبل مشرق واقتصاد صلب ومدنية يشار إليها بالبنان.

وإذا كان زمن الشعارات الكبيرة قد ولى بدون رجعة لأسباب أهمها أنها لم تورث الأجيال إلا المزيد من الفقر والتخلف والديون، فإن زمن المبادرات العلمية والواقعية بدأ في الجوار.

هذا ما يؤمن به أحد الرواد الذين قبلوا تحمل مسؤولياتهم تجاه جيلهم ومجتمعهم، وهو أنموذج للطموح والمبادرة والجد الذي لا يحده حد، إنه منير الحسيني، المدير الإداري ونائب الرئيس في دايملركرايسلر ورئيس لجنة تطوير الشباب في منظمة القيادات العربية الشابة، الذي أكد أن منظمة القيادات العربية الشابة حددت منذ تأسيسها هدفين أساسيين، الأول هو تنمية الشباب العربي والثاني تنمية الأعضاء المنخرطين فيها.

وأن المنظمة عربية ذات توجهات عربية محضة وتسعى إلى الاستفادة من تجارب الثقافات الأخرى واكتساب الخبرات الناجحة والمثمرة وتطبيقها برؤية عربية بما يساهم في مشروع تنمية وتطوير جيل شباب قادر على تحمل مسؤوليات المستقبل.

وأضاف أن المنظمة وبحكم طبيعتها غير الربحية تسعى وبالدرجة الأولى من خلال أعضائها إلى تأسيس جيل شاب قادر على الإبداع والتميز والتغيير والى زرع الأمل في إمكانية الوصول إلى النجاح وتحقيق الأفضل بطرق حضارية ومنهجية علمية بعيدة عن الطرق الملتوية التي زرعتها الثقافة الاجتماعية المتهرئة كالواسطة والمحسوبية والرشوة .

وغيرها من القواعد السلوكية التي فرضتها ظروف عديدة دفعت بالشباب إلى الانحراف في التفكير كمقولة إن نجاح أخي يعني فشلي، وإمكانية الحصول على المنصب بالتآمر وطعن الآخرين في الظهر بصرف النظر عن معايير الكفاءة والخبرة والتحصيل العلمي.

وأشار إلى أن تغيير هذا المناخ السلبي الذي يسيطر على الشباب العربي والعالم العربي يحتاج إلى تضافر الجهود والرؤى لتتمكن المنظمة من قلب شروط المعادلة الحالية وخلق مناخ إيجابي يسوده النجاح المهني والشخصي والاجتماعي والمادي في قلب هؤلاء الشباب من خلال الالتزام والجدية وتطوير المهارات والعمل الدؤوب والاعتماد على النفس.

وأوضح بأن الشباب العربي يحتاج في هذه الفترة بالذات إلى نماذج قيادية شابة كللت مسيرتها بالنجاح والانجازات الجيدة، لكن كآبة الوضع العام وميله إلى تضخيم القصص الفاشلة والتجارب السلبية حجب عن أعيننا رؤية تلك النماذج الناجحة، وأن المنظمة تسعى إلى إبراز دور هذه الطاقات الشابة وتقديم السيرة الذاتية لها لتكون نماذج حية وحقيقية للنجاح المهني والاجتماعي والتطور.

وأكد أن المنظمة وضعت استراتيجية عمل دقيقة وتفصيلية واضحة لتحقيق هذين الهدفين عبر برامج متنوعة تشمل الإرشاد وتبادل الخبرات المباشر وجذب المنظمات والشركات العالمية لتقديم المنح الدراسية للشباب في الدول العربية وكذلك تقديم البرامج التدريبية في المدارس والجامعات والمعاهد.

*دبي ملهمة الجميع

واسترجع الحسيني بداية انخراطه في نشاطات المنظمة التي أسسها محمد القرقاوي وحبيب غاوي وحكم كنفاني ومها غنيم ومصطفى عبد الودود، حيث كان من أوائل المدعوين للانضمام إليها وكان واحدا ممن وضعوا النظام الداخلي للمنظمة الذي لا يميز بين عرق أو دين أو لون أو اتجاه أيديولوجي من الشباب العربي.

وأوضح أن أهم ميزة أثارت انتباهه منذ اللحظة الأولى لانضمامه لمنظمة القيادات العربية الشابة هو فاعليتها وقدرتها العالية على الأداء بالرغم من قلة عدد أعضائها في تلك المرحلة.

إلا أنها استفادت من وجودها في مدينة دبي التي تمتاز بالتفعيل المباشر والقدرة على تحويل الأفكار العظيمة والفريدة إلى مشاريع نابضة بالحياة بلا تأخر أو تردد، على عكس مدن عربية كثيرة تعاني من فائض في التنظير وعجز في التطبيق وفقدان القدرة على التطوير.

وقال ان فريق الأوائل من المؤسسين والمنخرطين في المنظمة يمتلكون من المهارات والقدرات الكثير وهذا ما عجل في تحويل فكرة المنظمة إلى واقع وبرنامج عمل فعّال، كما أنهم لم يدخلوا طمعا في المناصب أو الشهرة لأنهم أصلا أشخاص معروفون في مجتمعاتهم لكنهم استشعروا ضرورة القيام بواجبهم تجاه المجتمع وتحديدا جيل الشباب الذي يحتاج إلى مساعدة حقيقية للنهوض من مشاكله وتصحيح اتجاهه للوصول إلى المستقبل.

* الفعل قبل القول

وقارن بين ظروف إنشاء منظمة القيادات العربية الشابة والمنظمات الأخرى التي تنشأ من أجل تحقيق مصالح شخصية أو فئوية ضيقة، مؤكدا أن قوة منظمة القيادات نابعة من إيمان الأعضاء بالعمل بروح الفريق.

ونكران الذات كما أن نظامها الداخلي ينص حرفيا على أنها مؤسسة غير ربحية ولا تتلقى أي مساعدات أو هبات من أي جهات حكومية أو حزبية مهما كانت، أي أن كل عضو فيها سيعمل ويقدم الوقت والجهد من دون مقابل من أجل تطوير وتأهيل الشباب العربي.

ويرى الحسيني أن على كل من لديه شعور بضرورة الوفاء بالتزاماته الاجتماعية تجاه شريحة الشباب أن يبادر بالانضمام إلى المنظمة ويقدم الوقت والجهد الكافيين لتفعيل هذه المسيرة بدلا من قضاء وقت الفراغ في أمور ثانوية لا قيمة لها، مشيرا إلى أن تبني أعضاء لنفس التطلعات والرؤى تجاه قضايا المجتمع يشكل الركيزة الأهم للانطلاق نحو تحقيق الأهداف التي قامت من أجلها المنظمة.

وأكد بأن المنظمة وضعت جدولا زمنيا لتنفيذ أهدافها، إلى جانب إعداد أنظمة قياس لتقييم مستوى الأداء، لأن هناك حاجة ماسة إلى تفعيل البرامج المتعلقة بتنمية وتطوير قطاعات الشباب، بما في ذلك البرامج الإرشادية، برامج المنح الدراسية وبرامج التدريب العملي، حيث لا يكفي أن يتم تحديد الشباب المتميزين

وتوفير المناخ التعليمي المناسب، بل يجب الاهتمام أيضاً بالتدريب العملي، الذي يعد بمثابة صقل لمعلوماتهم النظرية والأكاديمية لتمكينهم من تحقيق النجاح.

وأشار إلى أن برنامج التدريب العملي يمثل أحد المحاور الرئيسية لاتفاقية التعاون الاستراتيجي بين ديملركرايسلر ومنظمة القيادات العربية الشابة الذي سبقه برنامج المنح الدراسية ومنتدى التبادل العربي الأوروبي.

وقال إن توفير فرص التدريب العملي لتعزيز مؤهلات الشباب وتحسين قدراتهم وخبراتهم في مختلف القطاعات أمر بالغ الأهمية لذلك نعمل بالتعاون مع المنظمة على إشراك نخبة من الشركات والمؤسسات العالمية ضمن برنامج التدريب العملي، إلى جانب تعزيز مفهوم التدريب كشرط أساسي لتحسين مستوى الأداء وتعزيز الإنتاجية بشكل عام.

* شراكة قوية بين المنظمة وديملركرايسلر

وأشار إلى أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين منظمة القيادات العربية الشابة وشركة ديملركرايسلر تستهدف تعزيز العلاقة بين أعضاء المنظمة الذين يمثلون أبرز الشخصيات القيادية الحالية والمستقبلية في المنطقة، وعدد من خبراء ومديري شركة ديملركرايسلر وغيرها من الشركات العالمية، الأمر الذي من شأنه أن يساعد أعضاء المنظمة على تفعيل أداء برامج التنمية الاقتصادية في بلدانهم.

وحول منتدى التبادل العربي الأوروبي الذي سيقام في مدينة شتوتجارت بألمانيا بين 21 و 22 سبتمبر الحالي، أكد الحسيني أن المنتدى الذي تنظمه ديملركرايسلر والمنظمة هو إطار نموذجي لتبادل الخبرات والآراء بين الشباب العرب وشخصيات أخرى أوروبية لمناقشة قضايا اقتصادية واجتماعية تهم الطرفين .

وأنه بصرف النظر عن اتفاق أو اختلاف الطرفين حول تلك القضايا فإن الانجاز الأهم هو توفير الفرصة للقاء جيلين من خلفيات متباينة والتعرف على أسلوب الآخر في التفكير والإدارة والتطوير والخروج بتوصيات نهائية قد تفتح أبوابا وآفاقا كبيرة.

وأكد بأن ديملركرايسلر تسعى إلى اشراك أكبر عدد من المؤسسات والشركات العالمية في هذا المنتدى لتعميم الفائدة وتحسين الأداء وتنويع التجارب.

* البطالة والاقتصاد

أوضح منير الحسيني أن منظمة القيادات العربية الشابة لا ترفع شعارات كبيرة كحل مشكلة 100 مليون شاب عربي عاطل عن العمل أو الادعاء بأنها تمتلك عصا سحرية لحل مشكلات الشباب العربي بل تسعى إلى تهيئة الشباب العربي ليكون قادرا على احتلال الدور أو العمل المناسب في ظل التطورات الاقتصادية التي يعيشها العالم العربي، بما يخلق حالة من التناغم بين الكفاءات العربية الشابة والاقتصاد الذي يزداد قوة وما سيوفره من فرص عمل كبيرة على المدى المتوسط والبعيد.

وألمح إلى أن أحد نقاط ضعف الإحصاءات الشمولية حول البطالة وغيرها هو عدم دقتها وقدرتها على تحديد الأرقام الحقيقية لحجم البطالة الفعلية، بمعنى أنها غالبا ما تعاني من خلل في تحديد وتصنيف مصطلح البطالة.

حيث تعتبر أي خريج لم يجد عملا في نفس تخصصه عاطلا عن العمل وعنصرا غير منتج، وكذلك بالنسبة للأشخاص الذين يعملون في تخصصاتهم لسنوات طويلة ثم يفقدون عملهم بشكل مؤقت لأنهم لا يجدون قنوات التأهيل والتطوير والتدريب التي تسمح لهم بالمنافسة في سوق عمل يتميز بالتطور ويفرض مؤهلات ومواصفات أكثر تعقيدا من الماضي.

وأشار إلى أن البطالة المقنعة التي لا يأتي على ذكرها أحد تشكل خطرا آخر يعصف بالشباب الذين يجدون في الوظيفة مجرد واجب أو تسلية يتقاضى راتبا شهريا مقابلها، مؤكدا أن ثقافة اللامبالاة والاتكالية التي تسيطر على فئة من الشباب العربي ويجدون لها المبررات أحيانا يجب ان تحارب بقوة.

وان المنظمة التي تزداد عددا كل يوم تضع نصب عينيها هذه المسألة الخطيرة وتعمل على توعية الشباب من مخاطرها، حيث توقع أن يصل عدد أعضاء المنظمة إلى 500 مع نهاية العام الحالي.

* انتشار وتوسع

وأوضح أن الخطوة المقبلة تتمثل في توسيع وانتشار فروع المنظمة في بقية الدول العربية حيث تنوي المنظمة زيادة عدد أعضائها إلى خمسمئة عضو مع نهاية العام الجاري، بعد ان وصل عددهم إلى ثلاثمئة خلال السنة والنصف الماضية.

وأكد أن منتدى التبادل العربي الأوروبي يهدف إلى إتاحة الفرصة أمام أعضاء المنظمة إلى التعرف على مديرين من أعلى المستويات وتبادل الآراء مع جزء كبير من السياسيين الألمان والقيادات الأوروبية البارزة في قطاع الأعمال بما سيسمح لهم بالاطلاع على استراتيجيات العمل والإدارة الحديثة بما يكسبهم المزيد من الخبرة والمعرفة.

كما ستكون هناك زيارات إلى مصانع ومتاحف شركات وغيرها من الفعاليات والمواضيع المهمة. ومن الفوائد غير المباشرة التي سيحققها المنتدى أيضا هو منح القيادات الأوروبية السياسية والاقتصادية فرصة التعرف على الصورة الحقيقية للشباب العربي ونخبه القيادية المبدعة والمنتجة والمفكرة وصاحبة الأفكار المنفتحة على الآخر وأفكاره.

وإن لم تتفق معها، وهو ما سيغير الصورة النمطية السائدة عن الشباب العربي الذي وجد نفسه عرضة للدعايات والاتهامات التي تضعه في خانة التطرف واليأس وكره الآخرين.

كتب محمد بيضا: