يرى كثير من المحللين أن سوق النفط تواجه حاليا أوقاتاً صعبة يلفها شعور عام بعدم اليقين وصعوبة التنبؤ بالمستقبل.وهذا يعنى ـ كما يتوقع محللون ـ أن أسعار النفط ستحافظ على مستوياتها العالية إلا إذا حصل انكماش في الاقتصاد العالمي نتيجة خفض الطلب على المواد الاستهلاكية كما بدأت تدل على ذلك بعض المؤشرات الاقتصادية.
وقال مفوض شؤون الطاقة بالاتحاد الأوروبي اندريس بيبالجس إن أسعار النفط المرتفعة تسببت في إبطاء النمو الاقتصادي ببعض الاقتصادات الكبرى بالاتحاد.وأوضح عقب اجتماع مع الشيخ أحمد الفهد الصباح وزير النفط الكويتي ورئيس منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، ان تلك الاقتصادات أصابها بكل تأكيد بعض التأثير جراء ارتفاع الأسعار مؤخراً.
وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة تسود توقعات بانخفاض النمو وزيادة التضخم. وفى هذا الإطار بحث الاتحاد الأوروبي ومنظمة أوبك أمس في فيينا أوضاع السوق العالمية للطاقة في ضوء استمرار ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية وتأثيراتها السلبية على حركة النمو الاقتصادي.
وكانت المفوضية الأوروبية أعلنت قبل أسبوعين خطة من خمس نقاط لمواجهة أزمة ارتفاع أسعار الطاقة تشمل دعوات زيادة الاستثمار في حقول الإنتاج وفى المصافي الأوروبية، تشجيع الاستثمار في تكنولوجيا اقتصاد البديلة والحوار مع منظمة البلدان المنتجة للنفط ويجمع المسؤولون حول تباطؤ النمو الاقتصادي جراء ارتفاع فواتير الطاقة وكلفة الإنتاج في السوق الأوروبية.
وستعلن المفوضية الأوروبية في غضون الأسابيع المقبلة خفض توقعاتها للنمو الاقتصادي دون 16. 1 في المئة هذا العام بسبب ارتفاع الطاقة.وأوضح المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية والمالية يواكيم المونيا بأن معدل 6. 1 في المئة تم تقديره في شهر ابريل الماضي عندما ناهز سعر برميل الخام 51 دولاراً، إلا أن الأسعار ارتفعت الآن إلى حوالي 65 دولاراً.
وحذر رئيس البنك الأوروبي للاستثمار جان كلود تريشيه من خطر ارتفاع مستويات التضخم المالي نتيجة ارتفاع الأسعار. وأوضح أمام أعضاء لجنة الشؤون الاقتصادية والمالية في البرلمان الأوروبي من ان ارتفاع أسعار النفط سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم وتشير تقديرات البنك المركزي الأوروبي إلى ان معدلات التضخم تراوح بين 1. 2 في المئة و3. 2 في المئة هذا العام وأنها قد ترتفع إلى 4. 2 في المئة في 2006،
وقد تصل في العام المقبل إلى أعلاها منذ صدور اليورو في مطلع 2002، وحذر من تبعات انزلاق بيانات الأسعار عند الاستهلاك والرواتب إلى الأعلى بشكل يوازي ارتفاع أسعار الطاقة.ولمواجهة نقمة الأوساط التي ترتبط مصالحها بشكل عضوي بمستويات أسعار الطاقة وعدت حكومتا بلجيكا وفرنسا بمعاودة توزيع جزء من الضرائب التي تجنيها جراء ارتفاع أسعار الطاقة من اجل الضغط على كلفة التدفئة ونقل البضائع إلا أن خطوة باريس وبروكسل لم تلق مساندة الشركاء في الاتحاد.
وطالبت المفوضية الأوروبية بوجوب الضغط على الأسعار من خلال حوافز تشجيع خفض الاستهلاك والاستثمار في آليات اقتصاد الطاقة.وقال تريشيه إن خفض الضرائب على المحروقات لا يمثل الرد المناسب داعياً إلى تفادي الأخطاء التي ارتكبتها البلدان الأعضاء خلال الصدمة النفطية الأولى في مطلع السبعينات وقال بوجوب إن لا يتم تحميل عبء زيادة كلفة النفط على كاهل قطاع الإنتاج بمفرده لان هذا الخيار سيضعف الاقتصاد الأوروبي ككل.
ويقول محللون إن ارتفاع معدلات التضخم قد يدفع البنك المركزي إلى مراجعة معدلات أسعار الفائدة نحو الزيادة وان مثل هذه الخطوة لا تشجع الاستهلاك والاستثمار. وفى المقابل رأى تريشيه ان وضع موازنات بعض بلدان منطقة اليورو يثير القلق حيث يستمر العجز لديها فوق 3 في المئة.
ووعدت فرنسا بخفض عجز موازنتها إلى 3 في المئة في العام الجاري فيما يقارب المعدل 4 في المئة في ألمانيا مما يجعل الأوساط الأوروبية تتابع الانتخابات البرلمانية الألمانية باهتمام كبير لان الحكومة الجديدة أياً كانت طبيعتها ستواجه استحقاق خفض الموازنة ضمن أولوياتها.
وعلاوة على ذلك ، طالب رئيس لجنة الشؤون المالية والاقتصادية في البرلمان الأوروبي بيرفينش بيريس (فرنسا) بوجوب ان تقوم حكومات بلدان الاتحاد بتنسيق المبادرات في ما بينها لتفادى مخاطر خلق منافسة غير مشروعة بما يزيد في اضطراب الأسواق الداخلية للطاقة.
ويشير مراقبون إلى انه قبل إعصار كاترينا ، كان ميزان العرض والطلب دقيقاً وكانت السوق في الأشهر الماضية تشهد زيادة سريعة وغير مسبوقة في الأسعار أما الآن وبعد الدمار الذي خلفه الإعصار فان الوضع حرج في ضوء النقص الملحوظ في المنتجات البترولية.
ويقول محللون لأوضاع سوق النفط إن السوق العالمية تسودها مخاوف تعود إلى أربعة عوامل تتمثل بحدوث كارثة طبيعية أخرى أو حصول موجة برد قارسة أو عطل كبير في إحدى المصافي الأميركية أو اضطرابات سياسية في إحدى الدول المنتجة إذ سيصعب على النظام النفطي العالمي التعامل مع أزمة ثانية وفى ظل الدمار الذي أحدثه كاترينا ولا يزال من دون إعادة إعمار
وهذا يعني ارتفاع الأسعار إلى مستويات قياسية جديدة إلا إذا بدأ الاقتصاد العالمي في الانكماش نتيجة أسعار الطاقة العالية وقد بدأت تبرز بعض المؤشرات الاقتصادية وتحديداً في الولايات المتحدة إلى تراجع ثقة المستهلك في الاقتصاد واحتمال تأثير ذلك في مجمل الأداء الاقتصادي.
وحول عناصر الأزمة الحالية.. تشير مصادر نفطية إلى ان إعصار كاترينا قد عطل سلسلة متكاملة من مرافق الصناعة النفطية الأميركية بدءا من منصات الإنتاج النفطية البحرية ووحدات معالجة الغاز ومنظومة الأنابيب ووصولاً إلى مجموعة مهمة من المصافي فالخراب كبير ويتطلب تصليح الأضرار الكثير من الوقت قد يستغرق أسابيع وشهوراً.
وتكمن أهمية المشكلة ـ حسب هؤلاء ـ في أمرين: الأول يتمثل في أن الدمار حصل في وقت كانت حركة العرض والطلب على النفط الخام تشهد توازناً دقيقاً، ولكن ليس في إمدادات النفط الخام، لذا فإن الخراب الذي سببه الإعصار في أربع مصافٍ رئيسية في ولاية لويزيانا التي تنتج 900 ألف برميل يوميا وتأخر عودتها إلى الأسواق شهوراً سيترك أثره على الأسعار.
أما الأمر الثاني فيتمثل بالمخاوف من حصول أي أزمة أخرى في هذه الفترة الحرجة لأن ذلك يعني عدم قدرة الصناعة النفطية العالمية على التكيف معها بسهولة وتدفع هذه المخاوف المضاربين إلى زيادة الأسعار المستقبلية وجني الأرباح الطائلة.وعن خيارات منظمة أوبك ، إزاء هذه الأوضاع ، يقول محللون: في الحقيقة لا يمكن لوزراء أوبك اتخاذ الإجراءات اللازمة الآن إذ أن معظم دول أوبك ماعدا المملكة العربية السعودية تنتج بطاقتها الكاملة منذ بداية 2004،
كما ان الطاقة التكريرية المتوافرة لدى الدول الأعضاء محدودة ولا تستطيع تقديم الكميات الإضافية من المنتجات للسوق الأميركية فالمساعدات التي تبرع بها بعض أقطار المنظمة وتحديداً المحروقات تأمنت عن طريق تحويل بعض المبيعات من آسيا إلى الولايات الأميركية أو بشرائها من السوق الأسيوية وتحويلها إلى السوق الأميركية ،
وهذه العمليات كما هو معروف لا تضيف شيئاً جديداً ملموساً إلى سوق المحروقات العالمية وهي تثير المخاوف من ان تسبب في زيادة أسعار المنتجات في آسيا وربما في بقية دول العالم.وقد رد وزير الطاقة القطري عبدالله بن حمد العطية على وزير الخزانة البريطاني جوردن براون فيما يخص موضوع الأسعار ،
حيث دعا الدول الأوروبية والولايات المتحدة إلى توفير الفرص للاستثمار في مصافي التكرير فيها من اجل التعامل بجدية وعلى المدى الطويل مع أزمة ارتفاع الأسعار وأبدى استعداد بلاده للتعاون في هذا المجال. وذكر الوزير القطري ان تصريح الوزير البريطاني غير واقعي ولا يعكس الحقائق على الساحة النفطية فالمشكلة اليوم ليست نقص إمدادات النفط الخام.
ان السبب وراء ارتفاع الأسعار هو نقص سعة المصافي خصوصاً في الولايات المتحدة وبشكل أكبر بعد الدمار الذي خلفه إعصار كاترينا والذي لن يصلح كاملاً قبل أشهر عدة.وأضاف العطية: لقد فقدت المصافي الأميركية مئات آلاف البراميل من الطاقة التكريرية يومياً ولأشهر عدة إن الذي يحصل الآن هو تعويض هذا النقص من خلال تحويل منتجات بترولية كانت متوجهة إلى الدول الآسيوية وتوفيرها للسوق الأميركية لتعويض النقص الطارئ ما ترك آثاره على كمية المنتجات التي كان من المفروض أن تتوافر للسوق الآسيوية.
أما بالنسبة للنفط الخام: فقال العطية ان الإجراءات التي اتخذت من جانب الولايات المتحدة في سحب النفط الخام من المخزون الاستراتيجي وخطوات أعضاء وكالة الطاقة الدولية في توفير النفط الخام والمنتجات بسرعة إلى الولايات المتحدة كانت مفيدة ودفعت بالأسعار إلى الخفض من نحو 70 دولاراً إلى المستوى الحالي وهذا يبرهن ان المشكلة لا تكمن في نقص النفط الخام بل في العجز الحاصل للمنتجات نتيجة تدمير إعصار كاترينا بعض مصافي ولاية لويزيانا.
وأشار العطية إلى ان المشكلة مؤقتة إلى حين عودة المصافي المعطلة إلى العمل بعد شهور عدة لكنه طالب في الوقت نفسه الولايات المتحدة والدول الأوروبية بمعالجة الأمور بجدية أكثر من خلال تسهيل الاستثمارات في مصافي التكرير في بلادهم ونحن مستعدون للاستثمار في المصافي الأميركية إذا أتيحت لنا الفرصة لذلك وتم تسهيل عملية منح التراخيص التي من الصعب الحصول عليها الآن وتوفير الحوافز الاقتصادية لاستقطاب رأس المال الضخم واللازم لها.
وأفصح العطية عن تأسيس شركة قطر بتروليوم انترناشونال وهى بمثابة الذراع الاستثمارية لشركة قطر للبترول خارج البلاد ومهمتها الاستثمار في مختلف أنحاء العالم في مجال الاستكشاف والتنقيب عن النفط والغاز وبناء مصافي التكرير ومصانع البتروكيماويات والمساهمة في الموانئ البترولية المتخصصة.
وقال: نحن مستعدون من خلال هذه الشركة الجديدة للاستثمار في المصافي العالمية إذا أتيحت الفرص القانونية والاقتصادية اللازمة وهذه احدى الحلول لتحسين أسواق المنتجات ومن ثم معالجة أسعار النفط العالية وهذه كما هو معروف حلول متوسطة المدى لكنها بدائل عملية وواقعية.
وتقرر تأسيس مقر قطر بتروليوم انترناشونال في الدوحة وفتح فروع لها في دول صناعية متعددة.وقال العطية إن أولى مهمات الشركة الجديدة ستكون إدارة حصة قطر في موانئ استلام الغاز المسال في أوروبا (ايطاليا وبريطانيا) وأميركا الشمالية.
